منازل لندن الفاخرة تفقد ربع قيمتها بسبب الضرائب

فقدت بعض القصور والشقق الفاخرة في أكثر أحياء لندن جذباً للأثرياء أكثر من ربع قيمتها خلال الأشهر الـ12 الماضية، وفق بيانات رسمية، في انعكاس مباشر للتغيرات الضريبية التي فرضتها الحكومة البريطانية على أصحاب الثروات والمشترين الأجانب.
ويقول وكلاء العقارات المتخصصة في السوق الفاخرة إن التباطؤ في سوق العقارات الراقية في مناطق مثل مايفير ومارليبون وليتل فينيس يعود بصورة كبيرة إلى التغييرات الضريبية التي طاولت أصحاب نظام “غير المقيمين” العام الماضي، والتي دفعت عدداً من الأثرياء إلى نقل إقامتهم وأموالهم إلى دول أخرى.
وأظهرت بيانات جديدة أصدرها مكتب الإحصاءات الوطنية أن أسعار المنازل في أحياء لندن الداخلية انخفضت 8.3 في المئة خلال العام المنتهي في يونيو (حزيران) الماضي.
لكن التراجع كان أكثر حدة في بعض المناطق الراقية، ففي ويستمنستر، التي تضم أحياء مثل سانت جونز وود وبيلغريفيا ومايفير، انخفضت الأسعار 25.4 في المئة على أساس سنوي، كذلك، تراجعت الأسعار في مدينة لندن 20.4 في المئة، وفي كنسينغتون وتشيلسي 14.7 في المئة.
تراجع المشترين الأثرياء
وقال مدير شركة “غلينتري إستيتس” العقارية في شمال لندن تريفور أبراهامسون، لصحيفة الـ”تايمز” إن سوق وسط العاصمة شهد زيادة في المعروض بالتزامن مع انخفاض عدد المشترين، وهو ما أدى إلى التصحيح الحاد في الأسعار.
وأضاف أن كبار أصحاب نظام “غير المقيمين” لم يعودوا، في الغالب، يأتون إلى لندن للاستقرار فيها، موضحاً أن العقارات التي تتراوح قيمتها حول ثلاثة ملايين جنيه استرليني (أربعة ملايين دولار) كانت تجذب قبل عامين نحو 40 مشترياً محتملاً خلال أربعة أسابيع، وتحصل على نحو خمسة عروض شراء.
أما اليوم، وفق أبراهامسون، فلا يتجاوز عدد المشترين المحتملين نحو 10 أشخاص، مع عرض أو عرضين فحسب، مشيراً إلى أن “النشاط المحموم” الذي كان يميز السوق اختفى إلى حد كبير، وأن المشترين والبائعين لم يعودوا في عجلة من أمرهم.
وتأتي هذه التطورات بعد أن ألغت وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز العام الماضي نظام “غير المقيمين” الضريبي، الذي كان يسمح للأثرياء المقيمين في بريطانيا بتجنب دفع الضرائب على بعض دخولهم الآتية من الخارج.
وكان النظام السابق أحد العوامل التي جعلت لندن وجهة جذابة للأثرياء العالميين، إذ أتاح لهم مزايا ضريبية كبيرة مقارنة بالأنظمة المعمول بها في دول أخرى.
ضرائب شراء باهظة
ولم يقتصر الضغط على إلغاء نظام “غير المقيمين”، إذ أدت الزيادات في ضريبة الدمغة إلى رفع كلفة شراء العقارات الإضافية بالنسبة إلى المشترين الأجانب.
وقد تصل الضريبة إلى 19 في المئة عند شراء عقار إضافي، مما يعني أن شراء منزل بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني (13.6 مليون دولار) قد يترتب عليه أكثر من 1.8 مليون جنيه استرليني (147.2 مليون دولار) من الضرائب.
ويضاف إلى ذلك ما يعرف بـ”ضريبة القصور”، التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في أبريل (نيسان) 2028، وترفع ضريبة المجلس المحلي بما يصل إلى 7500 جنيه استرليني (10.225 آلاف دولار) سنوياً على المنازل التي تزيد قيمتها على مليوني جنيه استرليني (2.73 مليون دولار).
ويرى وكلاء العقارات أن هذه التغييرات أضعفت شهية الأثرياء لشراء المنازل في العاصمة، خصوصاً في المناطق التي ترتفع فيها أسعار العقارات إلى ملايين الجنيهات.
الأثرياء يفضلون الاستئجار
وفي مواجهة الضرائب المرتفعة، يتجه عدد متزايد من العائلات الثرية إلى استئجار العقارات الفاخرة بدلاً من شرائها.
ووصف أبراهامسون استئجار المنازل التي تبلغ قيمتها ملايين الجنيهات بأنه “أكبر وسيلة مشروعة لتجنب الضرائب”، لأن المستأجر لا يتحمل ضريبة الدمغة التي قد تصل إلى 19 في المئة عند شراء عقار إضافي.
وقال إن سوق الإيجارات الفاخرة شهد تغيراً كبيراً، موضحاً أنه كان في السابق لا يتلقى استفسارات عن عقارات تتجاوز قيمة إيجارها 10 آلاف جنيه استرليني (13.6 ألف دولار) أسبوعياً، بينما أصبح لديه الآن مستأجرون مستعدون لدفع 40 ألف جنيه استرليني (54.55 ألف دولار) أسبوعياً.
وتعكس هذه الأرقام حجم الطلب على المنازل الفاخرة من جانب الأثرياء الذين يريدون الاحتفاظ بوجودهم في لندن من دون تحمل الكلفة الضريبية المرتفعة لامتلاك عقار.
هل يعود الأثرياء إلى لندن؟
وعلى رغم تراجع الطلب، لا يزال وكلاء العقارات الفاخرة يأملون في عودة أصحاب الثروات الذين غادروا بريطانيا خلال العامين الماضيين.
ويرى أبراهامسون أن بعض الأثرياء العالميين يراقبون التطورات السياسية والاقتصادية في بريطانيا، وقد يعودون بعد الانتخابات العامة المقبلة المقررة في 2029.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال إن جاذبية لندن لا تزال قوية بالنسبة إلى النخبة العالمية، وإن بعض المستثمرين “ينظرون إلى المستقبل” على أمل العودة إلى العاصمة.
وتظل لندن واحدة من أهم مراكز المال والأعمال في العالم، كما توفر سوقاً عقارية متنوعة ومجموعة واسعة من المدارس والجامعات والخدمات الفاخرة، وهي عوامل تجعلها جذابة للأثرياء على رغم ارتفاع الضرائب.
تباطؤ سوق العقارات البريطانية
ولا يقتصر ضعف سوق العقارات على لندن الفاخرة، إذ تشير البيانات إلى تباطؤ واسع في سوق الإسكان البريطانية.
وارتفعت أسعار المنازل في المملكة المتحدة بنسبة اثنين في المئة فحسب خلال العام المنتهي في يونيو الماضي، مقارنة بزيادة سنوية بلغت 3 في المئة في مايو (أيار) من العام.
وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار 0.1 في المئة فحسب ما بين مايو ويونيو الماضيين، في إشارة إضافية إلى ضعف السوق خلال أشهر الصيف.
وكانت لندن الكبرى المنطقة الوحيدة في المملكة المتحدة التي سجلت انخفاضاً سنوياً في أسعار المنازل، إذ أصبحت الأسعار في يونيو الماضي أقل 2.5 في المئة من مستوياتها في الشهر نفسه من العام الماضي.
في المقابل، كان شمال غربي إنجلترا أفضل المناطق أداءً، بعدما ارتفعت الأسعار فيه 4.7 في المئة خلال العام المنتهي في يونيو الماضي، على رغم تباطؤ معدل النمو من 5.6 في المئة في مايو من العام.
فجوة مستمرة بين الشمال والجنوب
كذلك لا تزال الفجوة بين أسواق العقارات في شمال بريطانيا وجنوبها قائمة منذ انتهاء قيود جائحة كورونا،
ويرى اقتصاديون أن ارتفاع أسعار العقارات في الجنوب يجعل المشترين هناك أكثر تأثراً بارتفاع كلفة الرهن العقاري خلال السنوات الأربع الماضية.
وفي ويلز، تباطأ نمو أسعار المنازل إلى 1.8 في المئة خلال العام المنتهي في يونيو الماضي، بينما تراجع معدل النمو السنوي في اسكتلندا إلى 2.3 في المئة.
وقال كبير الاقتصاديين في بريطانيا لدى شركة “بانثيون ماكروإيكونوميكس” روب وود، إن البيانات والاستطلاعات الأخيرة تشير إلى أن معدل نمو أسعار المنازل سيواصل التراجع خلال الأشهر المقبلة.
ويتوقع وود أن ترتفع أسعار المنازل في بريطانيا بمتوسط 1 في المئة فحسب خلال عام 2026، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع كلفة الاقتراض والضبابية في شأن الضرائب والسياسات الحكومية.
وبالنسبة إلى سوق لندن الفاخرة، يبدو أن الضرائب أصبحت عاملاً حاسماً في قرارات أصحاب الثروات، إذ لم تعد جاذبية امتلاك منزل في العاصمة وحدها كافية لتعويض الكلفة المتزايدة للشراء والاحتفاظ بالعقار.



