عالمي

التضخم يلتهم جيوب الإيرانيين: المواد الغذائية زادت 100% في جميع المحافظات

تجاوز معدل تضخم المواد الغذائية داخل المحافظات الإيرانية الـ31 جميعها حاجز 100 في المئة، بحسب أحدث الإحصاءات الرسمية، في وقت يهدد الارتفاع المتواصل في أسعار الخبز والزيوت واللحوم ومنتجات الألبان الأمن الغذائي لملايين الأسر.

على رغم أن موجات التضخم المتسارعة أصبحت خلال الأعوام الأخيرة إحدى السمات الثابتة للاقتصاد الإيراني، فإن بيانات يوليو (تموز) الماضي تشير إلى دخول اقتصاد الأسر مرحلة جديدة، وهي مرحلة لم يعد فيها التضخم العام يواصل تسجيل مستويات مرتفعة فحسب، بل باتت كلفة تأمين أبسط الحاجات الغذائية ترتفع بوتيرة غير مسبوقة.

وتظهر أحدث التقارير الرسمية أن معدل التضخم السنوي (على أساس سنوي) على مستوى البلاد بلغ 87.9 في المئة خلال يوليو الماضي، بينما ارتفع في مجموعة “الأغذية والمشروبات والتبغ” إلى 128.7 في المئة، وسجلت مجموعة المواد الغذائية وحدها 129.3 في المئة، مما يعني أن الأسر الإيرانية دفعت في المتوسط أكثر من ضعف ما كانت تنفقه قبل عام لشراء المواد الغذائية.

إعلان

وفي الشهر نفسه، بلغ مؤشر أسعار المستهلك للأسر الإيرانية 676.9 نقطة، مرتفعاً بنسبة 3.1 في المئة مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 87.9 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، فيما بلغ معدل التضخم السنوي خلال الـ12 شهراً المنتهية بالشهر الماضي 66 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وفي الوقت ذاته، تكشف البيانات على مستوى المحافظات عن تطور غير مسبوق في الاقتصاد الإيراني، إذ تجاوز تضخم المواد الغذائية 100 في المئة داخل جميع المحافظات الإيرانية البالغ عددها 31 محافظة، مما يعني أن أياً من مناطق البلاد لم يعد بمنأى عن موجة الغلاء الحادة التي تضرب أسعار الغذاء.

ويأتي ذلك تزامناً مع الارتفاع الجديد في أسعار الخبز والزيوت ومنتجات الألبان واللحوم والرز، مما يشكل إنذاراً خطراً يهدد الأمن الغذائي للأسر، لا سيما ذات الدخل المحدود.

ويرى اقتصاديون أن الموجة الحالية تختلف عن موجات التضخم السابقة، التي كانت تتركز في أسواق الأصول أو السلع الاستثمارية، إذ أصبحت هذه المرة تستهدف بصورة مباشرة معيشة المواطنين اليومية، نظراً إلى أن المواد الغذائية تستحوذ على الحصة الأكبر من إنفاق الأسر منخفضة الدخل، بالتالي فإن أي ارتفاع في أسعارها ينعكس مباشرة على جودة التغذية والصحة العامة.

تضخم المواد الغذائية يدخل المنطقة الثلاثية 

أبرز ما تكشفه بيانات التضخم خلال يوليو الماضي، هو تحول تضخم أسعار الغذاء إلى معدلات ثلاثية الأرقام في مختلف أنحاء البلاد، وهي ظاهرة نادراً ما شهدها الاقتصاد الإيراني حتى خلال أكثر مراحله اضطراباً.

وبحسب البيانات المنشورة، تجاوز معدل التضخم السنوي للمواد الغذائية 100 في المئة في جميع المحافظات، أي إن كلفة سلة الغذاء للأسر تضاعفت في الأقل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي في كل أنحاء البلاد.

وفي الوقت نفسه، تشير بيانات التضخم العام إلى أن ثماني محافظات دخلت أيضاً نطاق التضخم ثلاثي الأرقام، إذ سجلت محافظة إيلام أعلى معدل تضخم بلغ 112.4 في المئة، تلتها لرستان بنسبة 108.5 في المئة، ثم كردستان بـ108.4 في المئة، وأذربيجان الغربية بـ106.4 في المئة، فيما سجلت كل من جهارمحال وبختياري وهرمزغان 104.7 في المئة، وبلغت النسبة في كرمانشاه 104.1 في المئة، وفي كلستان 103 في المئة.

أما على مستوى تضخم المواد الغذائية، فسجلت محافظة سيستان وبلوشستان أدنى معدل بين المحافظات بنحو 110 في المئة، إلا أن خبراء الاقتصاد يؤكدون أن انخفاض معدل التضخم لا يعني استقرار الأسعار، بل قد يكون نتيجة تراجع القدرة الشرائية للأسر وانخفاض الدخول وانكماش الطلب الفعلي، وهو ما يعكس، وفق الأدبيات الاقتصادية، تعمق الفقر الغذائي وليس تحسن الأوضاع المعيشية.

وتشير التحليلات الإحصائية الخاصة بالمحافظة إلى تداعيات الضربات الجوية الأميركية التي شهدها يوليو الماضي، والتي أدت إلى تراجع حركة التنقل وإغلاق عدد من الطرق، مما فاقم نقص المواد الغذائية وزاد من تدهور أوضاع الأسر المعيشية، وانعكس في انخفاض واضح في حجم عمليات الشراء داخل المحافظة.

وفي المقابل، سجلت محافظة أذربيجان الغربية أعلى معدل تضخم في أسعار المواد الغذائية على مستوى المحافظات، إذ بلغ التضخم السنوي 149.9 في المئة، تلتها هرمزغان بنسبة 148.8 في المئة، ثم إيلام بـ147.8 في المئة، ولرستان بـ146.6 في المئة، وكردستان بـ144.1 في المئة، فيما سجلت كرمانشاه 141.6 في المئة. وبلغ الفارق بين أعلى وأدنى معدل تضخم غذائي بين المحافظات 39.9 نقطة مئوية.

وعلى صعيد التضخم السنوي، سجلت خراسان الشمالية أعلى معدل بلغ 108.3 في المئة، تلتها لرستان بنسبة 106.4 في المئة، ثم كردستان بـ105.9 في المئة. وتشير هذه الأرقام إلى أنه حتى في المحافظات التي لم يدخل فيها التضخم العام بعد نطاق الأرقام الثلاثية، فإن كلفة الغذاء بالنسبة إلى الأسر تجاوزت بالفعل هذا المستوى.

وتقدم بيانات مركز الإحصاء الإيراني صورة مماثلة، إذ بلغ معدل التضخم السنوي للأسر الريفية 106.9 في المئة، مقارنة بـ84.6 في المئة للأسر الحضرية، وهو ما يعكس شدة الضغوط التضخمية في المناطق الأقل حظاً من التنمية.

وبالتوازي مع التفاوت بين المحافظات، اتسعت أيضاً الفجوة التضخمية بين الشرائح الاجتماعية بحسب مستويات الدخل، إذ تجاوز معدل التضخم لدى الشريحتين الأدنى دخلاً في المجتمع حاجز 100 في المئة للمرة الأولى خلال يونيو (حزيران) الماضي، واستمر خلال يوليو الماضي، ليسجل نحو 100 في المئة للشريحة الأولى و100.6 في المئة للشريحة الثانية، مما يؤكد استمرار التضخم ثلاثي الأرقام بين الفئات الأقل دخلاً.

الزيوت واللحوم ومنتجات الألبان والخبز

تكشف تفاصيل تقرير مركز الإحصاء الإيراني أن الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية طال تقريباً جميع المجموعات الغذائية الأساس، إلا أن بعض السلع سجلت زيادات استثنائية.

جاءت الزيوت والدهون في صدارة السلع الأكثر ارتفاعاً، بعدما بلغ معدل التضخم السنوي فيها 261.5 في المئة، تلتها مجموعة الحليب والجبن والبيض بنسبة 147.1 في المئة، ثم اللحوم الحمراء والبيضاء بـ145.2 في المئة، وبلغ التضخم في مجموعة الخبز والحبوب 116.7 في المئة، وفي الفاكهة والمكسرات 115.4 في المئة.

وتوضح بيانات متوسط أسعار السلع الغذائية حجم هذه القفزات بصورة أكبر، إذ ارتفع متوسط سعر زيت الطهي السائل خلال يوليو الماضي بنسبة 344.3 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما ارتفع سعر الزيت النباتي الصلب بنسبة 399.5 في المئة، ليسجلا أعلى معدلات الزيادة بين 53 سلعة رصدها مركز الإحصاء الإيراني.

وكانت أسعار الزيوت بدأت تحطم أرقامها القياسية منذ الأشهر الأولى من العام، تزامناً مع ظهور مؤشرات إلى نقص المعروض في الأسواق، إذ ارتفع سعر عبوة الزيت السائل (900 مل) من نحو 76 ألف تومان (أقل من دولار واحد) في ربيع 2025 إلى أكثر من 390 ألف تومان (4.6 دولار) في ربيع 2026، فيما ارتفع سعر عبوة الزيت النباتي الصلب زنة كيلوغرام واحد من نحو 85 ألف تومان (دولار واحد) في أبريل (نيسان) 2025 إلى ما لا يقل عن 385 ألف تومان (4.5 دولار) في يونيو الماضي.

وبعد الزيوت، جاء البيض بزيادة بلغت 201.2 في المئة، يليه الدجاج بنسبة 190.2 في المئة، ثم الخيار بـ181.6 في المئة، والبطيخ بـ172.6 في المئة، والجبن المبستر بـ156.4 في المئة، والزبيب بـ155.1 في المئة، ولحم الأبقار بـ151.6 في المئة، وصلصة الطماطم بـ149.1 في المئة، وهي زيادات تفوق بكثير معدل التضخم العام.

وارتفع سعر الحليب المبستر من 45 ألف تومان إلى أكثر من 108 آلاف تومان (1.2 دولار)، بينما ارتفع سعر عبوة الزبدة (100 غرام) من 60 ألف تومان (0.7 دولار) إلى أكثر من 110 آلاف تومان (1.2 دولار)، لتواصل منتجات الألبان نمط الارتفاع المستمر الذي شهدته خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في وقت بدت فيه سياسات التسعير الحكومي عاجزة عن كبح الأسعار.

ولم تقتصر موجة الغلاء على السلع الطازجة، بل شملت أيضاً المنتجات المصنعة، إذ ارتفع سعر علبة التونة (180 غراماً) من 94 ألف تومان (1.05 دولار) إلى أكثر من 170 ألف تومان (دولارين)، فيما تجاوز سعر بعض أنواع التونة المنكهة أو المضاف إليها الخضراوات 200 ألف تومان (2.4 دولار) للعلبة الواحدة.

أما الرز المستورد فسجل زيادة تجاوزت 211 في المئة، ووصل سعر بعض أنواعه إلى ما بين 250 ألفاً و320 ألف تومان (2.7 إلى 3.8 دولار) للكيلوغرام، مقارنة بمتوسط سعر بلغ نحو 80 ألف تومان (دولار واحد) في ربيع 2025، ضمن واحدة من أكبر القفزات السعرية التي شهدها هذا المنتج.

وتعكس هذه الأرقام أن موجة التضخم لم تعد تقتصر على السلع الكمالية أو منخفضة الاستهلاك، بل امتدت إلى جميع المكونات الأساس للمائدة الإيرانية، من الخبز والزيوت إلى منتجات الألبان واللحوم والدجاج والأرز، وهي السلع التي تشكل المصدر الرئيس للسعرات الحرارية والبروتين بالنسبة إلى غالبية الأسر.

الخبز أكثر غلاء

يحتل الخبز مكانة مختلفة عن سائر المواد الغذائية في نمط استهلاك الأسر الإيرانية، فعلى خلاف سلع مثل اللحوم والرز ومنتجات الألبان، التي اضطرت كثير من الأسر إلى تقليص استهلاكها خلال الأعوام الأخيرة، لا يزال الخبز يمثل المصدر الأساس للسعرات الحرارية لشريحة واسعة من المجتمع، لذلك فإن أي زيادة في سعره تنعكس مباشرة وبصورة واسعة على المستوى المعيشي للفئات منخفضة الدخل.

ويظهر تقرير مركز الإحصاء الإيراني أن مجموعة الخبز والحبوب سجلت خلال يوليو الماضي تضخماً سنوياً بلغ 116.7 في المئة، فيما وصل معدل التضخم السنوي التراكمي إلى 122.8 في المئة، وهو ما يعني أن كلفة تأمين هذه المجموعة تضاعفت أكثر من مرتين مقارنة بالعام الماضي. وبلغ التضخم الشهري لهذه المجموعة 5.9 في المئة، وهو أعلى من متوسط التضخم الشهري على مستوى البلاد.

وخلال يوليو الماضي أعلنت الحكومة الإيرانية لائحة جديدة لأسعار الخبز، حددت بموجبها سعر رغيف اللواش عند 2700 تومان (3 سنتات)، والبربري عند 10 آلاف تومان (11 سنتاً)، والسنكك عند 15 ألفاً و500 تومان (18 سنتاً).

إلا أن هذه الأسعار لا تطبق فعلياً في كثير من المخابز، إذ يعمد عدد كبير منها إلى بيع الخبز بأسعار أعلى بكثير بحجة استخدام الدقيق الحر، لتصل أسعار خبز البربري في بعض المناطق إلى 30 ألف تومان (35 سنتاً)، بينما تجاوز سعر رغيف السنكك في بعض المخابز 50 ألف تومان (60 سنتاً).

وجاءت هذه الزيادات تزامناً مع تنفيذ مرحلة جديدة من تعديل أسعار الخبز داخل عدد من المحافظات. ويرى اقتصاديون أن ارتفاع سعر الخبز لا يعني زيادة كلفة سلعة غذائية واحدة فحسب، لأن الخبز يؤدي أيضاً دور السلعة البديلة في سلة استهلاك الأسر منخفضة الدخل.

ومع الارتفاع المتواصل في أسعار اللحوم والدجاج ومنتجات الألبان وحتى الرز خلال الأعوام الماضية، اضطرت أعداد متزايدة من الأسر إلى الاعتماد بصورة أكبر على الخبز لتلبية حاجاتها من السعرات الحرارية. واليوم، ومع ارتفاع سعر هذا المنتج الأساس أيضاً، دخلت الضغوط المعيشية مرحلة أكثر حدة.

سلة غذائية أصغر

تتواصل موجة تضخم أسعار الغذاء في وقت تشير أحدث التقديرات إلى ارتفاع كبير في كلفة تأمين الحد الأدنى من الحاجات الغذائية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “دنياي اقتصاد” بلغت كلفة الحد الأدنى من السلة الغذائية اللازمة للفرد نحو 8 ملايين تومان (95 دولاراً) شهرياً، وهو ما يعني أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى عشرات ملايين التومانات شهرياً لتأمين حاجاتها الغذائية الأساس، وهو مبلغ يفوق كثيراً دخول شريحة واسعة من الأسر الإيرانية.

ويحذر خبراء التغذية والاقتصاد الاجتماعي من أن أول رد فعل للأسر عندما ترتفع أسعار الغذاء بهذه الوتيرة يكون الاستغناء عن السلع الأعلى قيمة غذائية والأعلى سعراً أو تقليص استهلاكها.

وتشير تجارب الأعوام الماضية إلى أن فترات التضخم المرتفع تشهد انخفاضاً ملحوظاً في استهلاك اللحوم الحمراء والدجاج والأسماك ومنتجات الألبان والبيض والفاكهة والمكسرات، مقابل زيادة الاعتماد على الأغذية الأرخص والأقل قيمة غذائية.

ولا يقتصر تأثير هذا التحول في نمط الاستهلاك على الجانب الاقتصادي، بل يمتد تدريجاً إلى مؤشرات الصحة العامة. فقد حذر متخصصون في التغذية من أن انخفاض استهلاك البروتين والكالسيوم والحديد والفيتامينات يؤدي إلى زيادة معدلات سوء التغذية، وقصر القامة لدى الأطفال، وفقر الدم، وهشاشة العظام، وضعف جهاز المناعة، وارتفاع الإصابة بالأمراض المزمنة لدى كبار السن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولهذا السبب، تعد مؤسسات دولية عديدة أن الأمن الغذائي أحد أهم مؤشرات رفاه الأسر وجودة الحياة.

وفي ظل هذه الظروف، لم تتمكن حتى السياسات الحكومية، مثل برنامج القسائم الإلكترونية للسلع الغذائية، من وقف الارتفاع المتواصل في كلفة الغذاء. وتشير التقارير إلى أن موجة الغلاء الجديدة استمرت على رغم تطبيق البرنامج، وأن أسعار السلع الأساس واصلت ارتفاعها بوتيرة تجاوزت قدرة الدعم النقدي والعيني على تعويضها.

تعمق الفجوة التضخمية 

تحمل البيانات الرسمية والتقارير الاقتصادية رسالة واضحة مفادها أن التضخم لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي كلي، بل تحول إلى أزمة تمس بصورة مباشرة جودة الحياة والأمن الغذائي لملايين الأسر الإيرانية.

إلى جانب وصول معدل التضخم السنوي العام إلى 87.9 في المئة، وارتفاع التضخم في مجموعة المواد الغذائية إلى 128.7 في المئة، فإن تجاوز تضخم أسعار الغذاء حاجز 100 في المئة في جميع المحافظات الإيرانية يؤكد أن الضغوط التضخمية باتت تتركز على أبسط الحاجات الأساس للأسر.

وفي الوقت نفسه، تكشف الفوارق الواضحة بين المحافظات والشرائح الاجتماعية أن آثار التضخم لا تتوزع بالتساوي، إذ تتحمل الأسر منخفضة الدخل العبء الأكبر، لأنها تخصص نسبة أعلى من دخولها لشراء الغذاء، مما يجعلها أكثر عرضة لتراجع جودة التغذية، والاستغناء عن الأغذية الغنية بالبروتين، وانخفاض مستوى المعيشة.

ويرى اقتصاديون أن استمرار هذه الأزمة يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها التوسع في السيولة النقدية، والعجز المزمن في الموازنة، وتقلبات سعر الصرف، والقيود التجارية، وارتفاع كلف الإنتاج، وضعف الاستثمار، وتراجع القدرة الشرائية للأسر. ويؤكدون أن السيطرة المستدامة على تضخم أسعار الغذاء ستظل صعبة ما لم تعالج هذه الاختلالات الهيكلية، لأن أي صدمة جديدة في أسواق العملات أو الطاقة أو السلع الأساس ستقود مجدداً إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وتزداد خطورة الأزمة في ضوء ما كان قد حذر منه مركز أبحاث البرلمان الإيراني في تقرير صدر عام 2023، حتى قبل وصول معدلات تضخم المواد الغذائية إلى مستويات ثلاثية الأرقام، إذ أشار إلى أن استهلاك نحو نصف سكان إيران من السعرات الحرارية خلال عام 2022 كان أقل من الحد الأدنى الموصى به، أي أقل من2100 سعرة حرارية يومياً.

وأوضح التقرير أن كثيراً من الأسر منخفضة الدخل اضطرت إلى استبدال الرز بالبطاطا بسبب انخفاض سعرها واحتوائها على نسبة مرتفعة من الكربوهيدرات، ولجأت إلى استبدال اللحوم بالبقوليات لتأمين الحد الأدنى من حاجاتها من البروتين.

وفي ضوء ذلك، يرجح أن تكون أزمة نقص السعرات الحرارية قد اتسعت لتشمل شريحة أكبر من المجتمع، بعد أربعة أعوام شهدت خلالها أسعار المواد الغذائية مستويات تضخم غير مسبوقة خلال الـ100 عام الأخيرة، وهو ما بدأت ملامحه تظهر من خلال اختفاء سلع مثل اللحوم ومنتجات الألبان والفاكهة من موائد عدد متزايد من الأسر الإيرانية.

ومن هذا المنطلق، لا تمثل بيانات يوليو الماضي مجرد تقرير اقتصادي شهري، بل تعكس واقعاً أصبحت فيه تلبية الحاجات الغذائية الأساس تحدياً حقيقياً أمام شريحة واسعة من الإيرانيين.

إن تجاوز تضخم المواد الغذائية 100 في المئة داخل جميع المحافظات، والارتفاع الذي بلغ مئات في المئة في أسعار سلع أساس مثل الزيوت والبيض والدجاج، إلى جانب الزيادة الجديدة في أسعار الخبز، وارتفاع كلفة الحد الأدنى من السلة الغذائية إلى نحو 8 ملايين تومان للفرد شهرياً، كلها مؤشرات تؤكد أن أزمة التضخم لم تعد تنعكس على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل باتت تلقي بظلالها بصورة مباشرة على الصحة العامة والأمن الغذائي ومستوى معيشة الأسر الإيرانية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى