إيران بعد الحرب… اقتصاد مثقل بالدمار

ما إن أُعلن عن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الأربعاء الماضي، شهدت العملة الإيرانية (الريال) ارتفاعاً واضحاً في قيمتها، لكن ذلك لم يعوض إلا قليلاً من فقدها أكثر من ربع قيمتها منذ بداية الحرب نهاية فبراير (شباط) 2026 بحسب تقرير لمجلة “الإيكونوميست”، بالتالي فإن ذلك التفاؤل بسعر صرف العملة لم يخفف من آلام غالب الشعب الإيراني الذي يعاني بشدة التدهور الاقتصادي.
وتوقع التقرير أن عودة الاقتصاد الإيراني إلى الانتعاش وتجاوز أضرار الحرب قد تحتاج إلى أعوام طويلة.
ذلك التدهور الاقتصادي كان سابقاً على الحرب، وأدى ارتفاع كلفة المعيشة على الإيرانيين إلى تظاهرات واحتجاجات نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي.
وفاقمت حرب أميركا وإسرائيل على إيران ضغوط كلفة المعيشة على الإيرانيين، لكن الضرر الأكبر كان في تدمير البنية التحتية والصناعات الإيرانية، فضلاً عن أن الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية في الأسابيع الأخيرة أدى إلى نقص شديد في المواد الأساس لاستهلاك الإيرانيين.
تضمنت مذكرة التفاهم عدة إجراءات لمدة 60 يوماً يُتفاوض خلالها على اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، وتضمنت بنود المذكرة وعداً باستثمارات تصل إلى 300 مليار دولار تتدفق إلى إيران، إذا التزمت بتعهداتها وأبدت مرونة في مفاوضات الاتفاق النهائي بما يرضي أميركا.
لكن “الإيكونوميست” تشكك في إمكانية تدفق تلك الاستثمارات التي تساوي تقريباً الناتج المحلي الإجمالي الإيراني.
وعود غير مضمونة
في يوم توقيع مذكرة التفاهم في فرنسا، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده ستستثمر في الصندوق المقترح لإعادة إعمار إيران.
ونفى ترمب أن يكون طلب من حلفاء أميركا في الخليج المساهمة في الصندوق الموعود، على رغم أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قال قبل التوقيع في شأن صندوق إعادة الإعمار إن “ذلك مثال على ما يمكن أن يحصلوا عليه إذا أحرزت المفاوضات تقدماً يرضي أميركا”.
في بداية الحرب قدرت إيران أن ما دُمر من مصالح ومنشآت اقتصادية سيحتاج إلى 270 مليار دولار لإعادة بنائه.
لكن تلك التقديرات بدت متحفظة مع استمرار القصف الإسرائيلي والأميركي لمواقع إيرانية مختلفة، شملت مصانع وبنية تحتية وغيرها.
وعلى رغم أن الاتفاق مع واشنطن سيتضمن الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في الخارج، فإن تلك الأصول لن تكفي لتوفير ربع ما تحتاج إليه إيران لإعادة الإعمار.
ومع أنه لا توجد إحصائية دقيقة لإجمالي الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج نتيجة العقوبات عليها منذ عقود، فإن غالب التقديرات تضعها عند نحو 100 مليار دولار.
المثير أن أميركا لديها فحسب مليارا دولار من تلك الأصول الإيرانية المجمدة، لكن بالطبع ما إن يتقرر رفع التجميد يمكن للدول الأخرى أن تفرج عن الأموال الإيرانية، ويعتقد أن القدر الأكبر منها في الصين، بما يزيد على 20 مليار دولار.
حتى بالنسبة إلى التوقعات الأكثر تفاؤلاً بمذكرة التفاهم وسير المفاوضات واحتمالات الاتفاق النهائي، لا يضمن كثر أن تحصل إيران على كل ما تحتاج إليه لإعادة الإعمار، ذلك فضلاً عن أن إدارة ترمب ستواجه معارضة داخلية شديدة لتوفير أي أموال لطهران، وبخاصة أن غالب المصالح الاقتصادية التي تحتاج إلى إعادة الإعمار تتبع الحرس الثوري الإيراني المصنف لدى كثر حول العالم منظمة إرهابية.
يُذكر أن اتفاق 2015 مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لم يتضمن سوى الإفراج عن 1.5 مليار دولار من أموال إيران المجمدة ضمن العقوبات، ومع ذلك تعرضت إدارة أوباما إلى هجوم شديد من الصقور في السياسة الأميركية لأنها وفرت دعماً مالياً لإيران.
ظروف معيشية لا تطاق
وصل معدل التضخم في إيران لشهر مايو (أيار) الماضي إلى 84 في المئة بمعدل سنوي، وضعف ما كان عليه في يناير (كانون الثاني) الماضي.
أما التضخم في أسعار الطعام والغذاء فوصلت نسبته إلى 131 في المئة، وفاقم الحصار العسكري الأميركي على إيران (بحراً وجواً) تدهور الواردات.
ومنذ منتصف أبريل (نيسان) الماضي تكدست أكثر من 3 آلاف حاوية كانت متوجهة إلى إيران في الموانئ الباكستانية، وانخفضت شحنات الحبوب إلى ميناء بندر الإمام الخميني، وهو مركز السلع الزراعية الأول، بنسبة 40 في المئة.
ووصل الأمر إلى أن فقراء إيران يدفعون ثمن الخبز واللحوم بالتقسيط، وقال نائب وزير العمل غلام حسين محمدي إن نحو مليوني إيراني، أي نسبة سبعة في المئة من القوى العاملة، فقدوا وظائفهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وذكرت صحيفة “دنيا الاقتصاد” الإيرانية الشهر الماضي أن عدد المتقدمين للوظيفة الشاغرة على موقع التوظيف “جوب فيجن” تضاعف 360 مرة.
وفي نهاية الشهر الماضي قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام تجمع لرجال الأعمال في طهران إن “مجال المواجهة الأساس اليوم هو الاقتصاد وضرورات المعيشة للناس”.
بعض تلك الأضرار التي طاولت معيشة الإيرانيين لم تكن كلها بسبب الحرب فحسب، وفق تحليل المجلة، فخلال الاحتجاجات مطلع العام قطعت الحكومة خدمة الإنترنت ولم تبدأ في إعادتها جزئياً إلا الشهر الماضي، مما أدى ذلك إلى تعطل الأعمال، إذ اضطرت شركة “ديجيكالا”، وهي أكبر شركة تجارة إلكترونية في إيران على سبيل المثال، إلى تسريح ثلاثة في المئة من موظفيها.
وعلى مدى الأسابيع الماضية نقلت تقارير صحافية في الإعلام الغربي كثيراً عن معاناة الإيرانيين من تدهور الدخول، حتى إن بعضهم لم يعد لديه ما يكفي لتوفير الطعام لأسرته، فضلاً عن الارتفاع الصارخ في أسعار المواد الغذائية الأساس مثل الجبن والخبز.
تدمير الصناعات
ربما يكون التأثير المباشر لمذكرة التفاهم هو الفك التدريجي للحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، فذلك يمكن أن يخفف إلى حد ما من قيود التصدير والاستيراد بما يوفر الضرورات الأساس للإيرانيين، فضلاً عن استئناف تصدير النفط الذي يكاد يكون قد توقف في الأسابيع الأخيرة.
وبحسب شركة “فورتيكسا” لمتابعة السفن والناقلات، انخفضت صادرات إيران من النفط الشهر الماضي إلى نحو 209 آلاف برميل يومياً، بهبوط بنسبة 84 في المئة عن صادرات أبريل السابق.
وهذا الأسبوع وصل امتلاء سعة التخزين الإيرانية للنفط الخام إلى نسبة 84 في المئة، طبقاً لبيانات شركة “كبلر” لبيانات الطاقة.
كما أن عدد الناقلات التي تُحمل من مرفأ جزيرة خرج، ميناء النفط الأكبر في إيران، انخفض بصورة هائلة وفي أحدث تلك الهجمات استهدف القصف أكبر مجمع للصناعات البتروكيماوية في إيران. وأدى ذلك إلى توقف إيران عن تصدير البتروكيماويات التي تشكل نحو ثلث صادراتها غير النفطية.
وتقدر شركة “رايستاد إنرجي” للاستشارات أن إعادة تأهيل منشآت الطاقة الإيرانية وحدها قد تحتاج إلى 19 مليار دولار، أما مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات البحثية الأميركية فتقدر أن فاتورة إصلاح تلك المنشآت قد تصل إلى 144 مليار دولار، أي تقريباً نصف حجم الناتج المحلي الإجمالي الإيراني.
ويخلص تقرير المجلة الاقتصادية الشهيرة إلى أن إعادة تأهيل ما دمره القصف الإسرائيلي والأميركي قد تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات، ووقتاً طويلاً يصل إلى أعوام، قبل أن يبدأ الاقتصاد الإيراني في التعافي من آثار الحرب.
ويتوقف كل ذلك على مدى نجاح مذكرة التفاهم وتوصل المفاوضات خلال شهرين إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران.
وحتى بعد ذلك لا يُعرف من أين ستأتي الاستثمارات الموعودة، خصوصاً أن المستثمرين ما زالوا قلقين من وضع أي أموال داخل إيران، في ظل عدم اليقين في شأن مستقبل الأوضاع.



