عالمي

ارتفاع مفاجئ لليرة السورية أمام الدولار… و”المركزي” يخفض سعرها الرسمي

بعدما تمكن الدولار من تحقيق مكاسب مهمة أمام الليرة السورية طوال الأشهر الماضية، شهد الأسبوع الماضي تراجعاً لافتاً وكبيراً، إذ انخفض من 14500 ليرة إلى 13100 ليرة.

وبحسب متابعين للسوق، فإن سبب تحسن الليرة يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمها قرار الحكومة تسديد ثمن المحروقات بالليرة السورية، وتحسن مستوى الثقة بالسوق المحلية، وتراجع الضغوط النفسية على الطلب على الدولار، إضافة إلى تحسن حركة التجارة الخارجية وتراجع بعض الأخطار الإقليمية التي انعكست سابقاً على كلفة النقل والتأمين وأسعار السلع المستوردة، وذهب بعضهم إلى ربط الأمر بتحسن الظروف السياسية.

وكان مصرف سوريا المركزي رفع سعر الدولار في نشرته الرسمية مرتين الأسبوع الماضي، في خطوة تعكس سعي السلطات النقدية إلى تضييق الفجوة مع أسعار السوق الموازية.

وحدد المصرف سعر الدولار عند 118.5 ليرة جديدة للشراء “11850 ليرة قديمة”، و119.5 ليرة للبيع “11950 ليرة قديمة”، مقارنة بـ115.5 ليرة للشراء “11550 ليرة قديمة” و116.5 ليرة للبيع “11650 ليرة قديمة” في النشرة السابقة، في حين كان السعر الرسمي قبل التحريكين الأخيرين 112.5 ليرة جديدة للشراء “11250 ليرة قديمة”، و113.5 ليرة جديدة للبيع “11350 ليرة قديمة”.

ويعد هذا التعديل الثالث من نوعه خلال أقل من شهرين، بعدما كان المصرف قد خفض قيمة الليرة في أبريل (نيسان) الماضي للمرة الأولى منذ تثبيت سعر الصرف في مايو (أيار) 2025، قبل أن يجري تعديلات جديدة خلال الأيام الأخيرة.

وجاء قرار “المركزي” برفع سعر الدولار في وقت تشهد السوق الموازية تحسناً واضحاً في قيمة الليرة، إذ تراجع سعر الدولار الذي وصل الأسبوع الماضي إلى نحو 131 ليرة جديدة “13100 ليرة قديمة”، بعد سلسلة ارتفاعات بدأت قبل شهر رمضان الماضي تجاوز معها مستوى 145 ليرة “14500 ليرة قديمة”، مما دفع “المركزي” السوري إلى الاقتراب تدريجاً من الأسعار المتداولة خارج القنوات الرسمية.

وبحسب متابعين للسوق، فإن خفض نسبة السعر الوسطي يحمل دلالات مهمة تتعلق بتوجه السياسة النقدية نحو تقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية وتعزيز الشفافية في التعاملات المالية، وهو ما يسهم في تخفيف المضاربات ويمنح المتعاملين رؤية أوضح لاتجاهات السوق.

الانخفاض إيجابي… ولكن يجب استقرار السعر

محمد درويش (تاجر دمشقي) قال لـ”اندبندنت عربية” إن التحسن الذي طرأ على سعر الليرة في الأيام الأخيرة يبدو إيجاباً بالنسبة إلى الاقتصاد السوري من حيث المبدأ، لكن من المهم التطلع إلى مرحلة استقرار سعر الصرف، وهذا يحتاج إلى بيئة مستدامة تؤمن الاستقرار النقدي لفترة طويلة، بحيث يكون انعكاساً لتعافي الاقتصاد، خصوصاً في شقه الإنتاجي، بعيداً من كون الأمر استجابة موقتة لمتغيرات ظرفية وطارئة.

وأضاف أن تحسن سعر الصرف مرتبط بجملة من العوامل الاقتصادية، كحجم الإنتاج المحلي ومستوى الصادرات، وقيمة وقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات وتدفق القطع الأجنبي عبر القنوات الرسمية بعيداً من المضاربين والمحتكرين، إذ إن استقرار العملة على المدى الطويل لا يتحقق عبر الإجراءات النقدية وحدها، بل يحتاج إلى نمو اقتصادي حقيقي يرفع القدرة الإنتاجية ويعزز موارد البلاد من العملات الأجنبية.

وأشار إلى أن التحسن الذي ظهر على الليرة في الأيام الأخيرة لافت للنظر، خصوصاً أنه جاء بنسبة مهمة، ولكن لا بد من الأخذ بعوامل ستؤثر حكماً في سعر الليرة، فأمام الحكومة فاتورة ضخمة لتسديد ثمن 2.5 مليون طن من القمح، وهناك زيادات نوعية طاولت الرواتب والأجور ورواتب أول الشهر المستحقة بعد أيام، وهذه كلها أسباب قد تعيد رفع سعر الدولار مجدداً إلى مستويات أعلى مما كانت عليه قبل الانخفاض الحالي.

وأكد درويش أن الأمر يحتاج إلى تحليل عميق ووقت للتأكد من أن مسار الانخفاض مستمر ومدفوع بعوامل داعمة وغير طارئة، مشيراً إلى أنه إذا ما استمر الانخفاض، فحكماً يجب أن تنخفض الأسعار، لكن الأمر يحتاج إلى وقت ومراقبة السوق وإلى أين ستتجه الأمور.

حركة الدولار أمام الليرة… مضاربة وفقدان الثقة

المحلل الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي وصف تقلبات سعر صرف الدولار الأميركي أمام الليرة السورية خلال الأيام الماضية بالحادة، إذ ارتفع الدولار إلى مستوى 145 ليرة جديدة للدولار الواحد “14500 ليرة قديمة”، قبل أن يتراجع سريعاً إلى ما من دون 135 ليرة جديدة “13500 ليرة قديمة” خلال يومين فحسب.

وهذه الحركة السريعة لا تعبر عن تحسن اقتصادي حقيقي، وتأتي في سياق المضاربة لا أكثر، مؤكداً أن تراجع الدولار أمام الليرة يعكس بوضوح طبيعة السوق الموازية التي تحكمها المضاربات، وليس العرض والطلب الحقيقيين.

وأكد قوشجي، في حديث إلى “اندبندنت عربية”، أن ما يحدث اليوم في سوق الصرف السوري ليس مؤشراً إلى تحسن اقتصادي، بل نتيجة مباشرة لغياب الاستقرار النقدي وضعف أدوات الرقابة وسيطرة المضاربين على السوق الموازية.

وما لم تُعالج الأسباب الجذرية، من تعزيز الإنتاج إلى ضبط السوق واستعادة الثقة بالليرة، ستبقى هذه الدوامة مستمرة وسيبقى المواطن الخاسر الأكبر.

وأوضح المحلل المصرفي أن التحليل العلمي والمنطقي لهذه التقلبات يشير إلى أن ما يحدث عملية تجميع وتصريف يقوم بها المضاربون، فعند وصول الدولار إلى مستويات مرتفعة يبدأ المضاربون في بيع الدولار للناس بأسعار عالية مستغلين خوفهم من استمرار الارتفاع، وبعد ذلك يقوم المضاربون بالتصريف عند مستويات أقل، كما حدث أخيراً بانخفاض يقارب 10 ليرات جديدة، أي بنسبة ثمانية في المئة خلال يوم واحد.

وهذا الانخفاض المفاجئ يدفع الناس إلى بيع ما لديهم من دولار خوفاً من مزيد من الهبوط، وعندها يعيد المضاربون شراء الدولار بأسعار منخفضة ليكرروا الدورة لاحقاً برفع السعر مجدداً.

وبيَّن أن هذه الآلية تظهر أن ما يحدث ليس استقراراً أو تحسناً في قيمة الليرة، بل لعبة مضاربية يتحمل المواطن نتائجها، لافتاً إلى أن هناك آثاراً سلبية لهذه التقلبات، أولها عجز مصرف سوريا المركزي الذي يبدو أنه ما زال غير قادر على التحكم في سعر الصرف أو حتى تثبيته، مما يعكس ضعف أدوات السياسة النقدية وغياب القدرة على التدخل الفعال في السوق.

وثانيها ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فعندما تنخفض قيمة الليرة ترتفع الأسعار فوراً، لكن عند تحسنها ولو بنسبة 10 في المئة لا تنخفض الأسعار، لأن التجار يتصرفون وفق مبدأ التحوط وتوقع عودة الدولار للارتفاع.

وثالثها تآكل مدخرات المواطنين، فالتقلبات السريعة تؤدي إلى ضياع جزء من قيمة مدخرات الناس، سواء كانت بالليرة أو الدولار، نتيجة قرارات بيع وشراء متسرعة تحت ضغط الخوف.

أما رابعها فيظهر في ضعف الثقة بالليرة السورية، إذ تجعل هذه التقلبات الليرة غير صالحة لقياس القيمة، وهو أحد أهم وظائف العملة، فإذا فقدت العملة قدرتها على تمثيل قيمة مستقرة، فقَدَ الناس ثقتهم بها واتجهوا إلى الدولار أو الذهب.

آثار عميقة على الاقتصاد مع كل موجة مضاربة

وتحدث قوشجي عن انعكاسات اقتصادية أخرى تتعمق مع كل موجة مضاربة وفي مقدمها توسع السوق الموازية، فكلما زادت التقلبات ازداد اعتماد الناس على السوق السوداء، مما يضعف الاقتصاد الرسمي ويقلل من قدرة الدولة على ضبط حركة الأموال.

وأشار أيضاً إلى زيادة معدلات الفقر، إذ إن ارتفاع الأسعار مقابل ثبات الدخل يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية، مما يدفع مزيداً من الأسر إلى ما دون خط الفقر.

وأضاف أن تراجع الاستثمار والإنتاج يمثلان أثراً مباشراً أيضاً. فالمستثمر، سواء كان محلياً أو خارجياً، لا يمكنه العمل في بيئة سعر صرف غير مستقرة، بالتالي تتراجع المشاريع الإنتاجية ويزداد الاعتماد على الاستيراد.

ولفت إلى ارتفاع كلفة التحويلات الخارجية، فالسوريون في الخارج يرسلون تحويلاتهم بالدولار، لكن عدم استقرار السعر يجعلهم يترددون أو يلجأون إلى قنوات غير رسمية، مما يزيد خسائر الاقتصاد.

وأشار كذلك إلى أن هذا التذبذب في سعر الصرف يؤدي إلى زيادة الاحتكار، ففي ظل الفوضى السعرية يزداد نفوذ كبار التجار والمضاربين الذين يملكون القدرة على التحكم بالأسعار وتخزين السلع.

وأخيراً، تحدث قوشجي عن تأثيرات تذبذب سعر الصرف في اضطراب سوق العقارات، إذ إن سعر العقار مرتبط بالدولار، ومع كل موجة تقلب تتجمد حركة البيع والشراء أو ترتفع الأسعار بصورة غير منطقية.

مراقبة ما يحدث في سوق النقد بصورة لصيقة

مدير في مصرف خاص، فضل عدم ذكر اسمه، قال لـ”اندبندنت عربية” إن هذا التراجع في سعر الدولار أمام الليرة قد يبدو غير طبيعي، بمعنى أن العوامل الطبيعية والمنطقية التي تساعد على حدوث مثل هذا الانخفاض الكبير لم تتوافر بعد.

وأضاف أن من المهم مراقبة ما يحدث في سوق النقد بصورة لصيقة، والتأكد من أن ما يحصل ليس نتيجة عمليات مضاربة ستكون نتائجها كارثية على مختلف الأطراف لاحقاً، سواء الاقتصاد من جهة أو المواطن الذي قد يكون خضع لعملية استهداف لمدخراته من الدولار مدفوعاً بمخاوف حدوث مزيد من الانخفاض في سعر الليرة.

وأكد أن تحسن الليرة يبدو أمراً إيجاباً ومهماً، خصوصاً في ظل الغلاء الذي تعانيه الأسواق السورية، والمترافق مع حال واضحة من الركود والجمود.

لكنه شدد على أنه إذا كانت الحكومة والجهات النقدية لديها رغبة وإمكان الحفاظ على هذا التحسن، فعليها متابعة مجمل الظروف التي تخضع لها الليرة حالياً، والتي مكنتها من التحسن بهذه النسبة الكبيرة، والحفاظ على العوامل التي أدت إلى تحسنها بصورة حقيقية إن وجدت.

وحذر من ممارسات قد يكون المضاربون قاموا بها لجني الأرباح لاحقاً على حساب مدخرات الناس واقتصاد البلد، مشيراً إلى أن سياسات “المركزي” بدأت تظهر حالاً من التقدم والتطور، بحيث أصبحت أقرب إلى الواقع وانعكاساً له، بدليل تحريك سعر الصرف الرسمي وتقريبه من السعر الموازي، لافتاً إلى أن ثمة تغييرات بدأت تحصل على المستوى السياسي وقد تكون سبباً في تحسن الليرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورأى متخصصون اقتصاديون أن سبب تحسن الليرة يعود إلى قرار الحكومة السورية حصر عمليات بيع المشتقات النفطية بالليرة السورية، معتبرين أنه في حال نُفذ ذلك على نطاق واسع، فإن أثره سيكون داعماً لليرة السورية.

ورأى خبير الأسواق السوري محمد عنتابي أن تحسن الليرة، بعد ارتفاع الدولار إلى مستويات عالية، جاء مدفوعاً بقرار الحكومة السورية تسعير المشتقات النفطية بالليرة، مما خفف الطلب على الدولار، لأنه عندما كانت أثمان المشتقات النفطية تُسدد بالدولار، كان التجار وخصوصاً المستوردين يلجأون إلى شراء الدولار من السوق لتسديد ثمن المشتقات، مما كان يخلق طلباً مستمراً على الدولار.

وأوضح عنتابي لـ”اندبندنت عربية” أن ذلك سيقلل من المضاربات التي كان يقوم بها المحتكرون، وسيصبح الطلب على الدولار طبيعياً وغير خاضع لتسعير وهمي ومصطنع من المضاربين، وفي المقابل سيرتفع الطلب على الليرة وهو ما سيؤدي، وقد أدى فعلاً، إلى تحسنها خلال الأيام الماضية، إذ ارتفع سعرها من 14500 ليرة إلى ما من دون 13000 ليرة قديمة.

إلا أن المحلل الاقتصادي والمستشار السابق لوزير الاقتصاد جورج خزام استبعد أن يكون تسعير المحروقات بالليرة السورية هو الذي أدى إلى خفض الطلب على الدولار وانخفاض سعره، لأنه عندما كان سعر المحروقات بالدولار كان غالب عمليات البيع مقوماً بالليرة بحسب سعر الصرف المتغير للدولار، وبعد إصدار قرار التسعير بالليرة لم تتغير عملة البيع.

وعندما كانت محطات الوقود تشتري بالدولار وتبيع بالليرة كان هناك طلب على الدولار، وبعد التسعير بالليرة تراجع الطلب على الدولار من قبل أصحاب المحطات، ولكن وزارة الطاقة ستقوم باستبدال قيمة مبيعات المحروقات التي حُصلت من المحطات بالليرة إلى تصريفها بالدولار دفعة واحدة لزوم الاستيراد. لذلك فإن النتيجة نفسها، وهي زيادة الطلب على الدولار بنفس قيمة مبيعات المحروقات.

وأشار، في منشور له على “فيسبوك”، إلى أنه في ظل الاستهلاك الكبير فإن استيراد النفط والمحروقات لن يتوقف، وهذا يعني أن الطلب على الدولار من السوق الموازية في زيادة مستمرة مع ارتفاع مستمر بسعره.

الدولار سيعاود الارتفاع أمام الليرة

وأوضح جورج خزام أنه في الـ11 من يونيو (حزيران) الجاري سجل سعر الدولار 14620 ليرة، وفي الـ24 من الشهر نفسه أصبح سعر الدولار 13700 ليرة، وخلال 13 يوماً انخفض 920 ليرة، بما يعادل 96.2 في المئة، معتبراً أن هذا التلاعب في سعر صرف الدولار أكبر من إمكانات جميع الصرافين حتى لو كانوا مجتمعين، ويقف خلفه، بحسب تعبيره، “دولة معادية للاقتصاد والليرة لتحقيق مكاسب من التقلب السريع، والوسيلة هي صفحات ’فيسبوك‘ مجهولة المصدر”.

وأضاف: “إذا كانت كمية الأوراق المطبوعة 42 تريليون ليرة، فإن إحداث تقلب سريع بنسبة 96 في المئة بالارتفاع والانخفاض يحتاج، بالحد الأدنى، إلى نصف هذه النسبة، أي نحو ثلاثة في المئة، وهو ما يعادل تقريباً 1.29 تريليون ليرة موزعة بين الليرة والدولار، وهذا المبلغ لا يتوافر سوى لدى المصرف المركزي أو لدى دولة معادية لها مصلحة باستمرار تدمير الاقتصاد، بالتآمر مع شبكة صرافين لجني المكاسب والأرباح السريعة”.

وقال: “ما دام المستوردات البديلة تغزو الأسواق، فإن كل ارتفاع بسعر الدولار هو حقيقي، وكل انخفاض بسعر الدولار هو وهمي”.

وتوقع أن يعود الدولار إلى الارتفاع لأعلى من السعر الذي انطلق منه بالانخفاض، ليصل إلى 15000 ليرة، بسبب خروج الأرباح بالدولار التي حققها المضاربون على الليرة، بحسب تعبيره، مشيراً إلى أن الانخفاض الحالي لا يستند إلى زيادة في الإنتاج أو تراجع في المستوردات أو زيادة مفاجئة في الحوالات الخارجية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى