الذهب عند قمم تاريخية… هل انتهى الصعود؟

يشهد الذهب إحدى أقوى موجات الصعود في الأعوام الأخيرة، مدفوعاً بتزايد التوترات الجيوسياسية، وتراجع الدولار، وعودة رهانات الأسواق على تخفيف السياسة النقدية الأميركية مع ضعف التوظيف في الولايات في يوليو (تموز) الماضي.
ومع تجاوز الأسعار مستوى 4300 دولار للأوقية في العقود الآجلة، يزداد الجدل حول ما إذا كان المعدن النفيس يتجه إلى موجة صعود جديدة، أم أن المكاسب الحالية تسبق مرحلة من التقلبات وجني الأرباح.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت الأسواق بصورة متزايدة نحو الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، وتصاعد المخاوف في شأن أمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، إلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا.
وأدت هذه التطورات إلى زيادة الطلب الاستثماري على الذهب من جانب الصناديق والمؤسسات المالية، في وقت تراجعت فيه شهية المستثمرين تجاه الأصول الأعلى مخاطرة.
صعود قوي
وشهدت أسعار الذهب موجة صعود قوية خلال الأسبوع الجاري، إذ ارتفع السعر الفوري من نحو 4055 دولاراً للأوقية في بداية الأسبوع إلى حوالى 4262 دولاراً أمس الجمعة، محققاً مكاسب تجاوزت خمسة في المئة، وهي أكبر زيادة أسبوعية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.
ولامس المعدن الأصفر أعلى مستوى له في سبعة أسابيع، بينما صعدت العقود الأميركية الآجلة إلى نحو 4321 دولاراً للأوقية، مدعومة بتراجع أسعار النفط، وضعف الدولار، وتزايد رهانات المستثمرين على اقتراب خفض أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب استمرار الطلب على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
وفي المقابل، أسهم انخفاض أسعار النفط في تهدئة توقعات التضخم العالمية، مما دفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على اقتراب خفض أسعار الفائدة الأميركية.
ويعد هذا التطور من أبرز العوامل الداعمة للذهب، لأن انخفاض الفائدة يقلل كلفة الاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائداً، وفي مقدمتها المعدن الأصفر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعززت بيانات سوق العمل الأميركية الأخيرة النظرة الإيجابية للذهب، بعدما أظهرت تباطؤاً ملحوظاً في التوظيف مع فقدان الاقتصاد وظائف خلال يوليو، مما دفع الأسواق إلى زيادة رهاناتها على خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ويُنظر إلى هذا التطور بوصفه أحد أبرز العوامل الداعمة لأسعار الذهب، نظراً إلى العلاقة العكسية بين المعدن النفيس وأسعار الفائدة.
وفي الوقت نفسه، يواصل الدولار فقدان جزء من زخمه، مما يجعل الذهب أقل كلفة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، ويعزز الطلب العالمي عليه. ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار البنوك المركزية، خصوصاً في الأسواق الناشئة، في زيادة احتياطاتها من الذهب ضمن سياسة تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في إدارة الثروات العالمية لدى “يو بي أس” مارك هيفيلي، إن “النظرة المتوسطة والطويلة الأجل للذهب لا تزال إيجابية، مدعومة باستمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، وتوقعات تحول السياسة النقدية الأميركية نحو التيسير، على رغم استمرار التقلبات على المدى القصير.
الاتجاه الصاعد للذهب لم ينته بعد
ويرى عدد من المؤسسات المالية العالمية أن الاتجاه الصاعد للذهب لم ينته بعد، فقد رفع بنك “يو بي إس” توقعاته لسعر الذهب إلى نحو 5000 دولار للأوقية خلال النصف الأول من عام 2027، مستنداً إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية، وتزايد الأخطار الجيوسياسية، وارتفاع مستويات الدين العام في الاقتصادات الكبرى، إضافة إلى احتمالات استمرار ضعف الدولار على المدى المتوسط.
وتتوقع مؤسسات استثمارية أخرى استمرار الأسعار فوق مستوياتها التاريخية، وإن كانت تحذر من أن وتيرة الصعود قد تصبح أكثر تقلباً مع اقتراب كل اجتماع لمجلس الاحتياط الفيدرالي أو صدور بيانات اقتصادية رئيسة، مما قد يدفع المستثمرين إلى جني الأرباح بصورة موقتة.
في المقابل، يحذر بعض المحللين من أن الذهب لا يتحرك في اتجاه واحد، إذ إن أي تحسن ملموس في الاقتصاد الأميركي، أو عودة التضخم إلى الارتفاع بما يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد يؤدي إلى تصحيح هبوطي للأسعار. وأي انفراج كبير في الأزمات الجيوسياسية قد يقلل الطلب على الملاذات الآمنة.
وعلى رغم هذه الأخطار، فإن الصورة العامة لا تزال تميل لمصلحة الذهب. فالعالم يواجه مزيجاً من النزاعات العسكرية، وارتفاع مستويات الدين السيادي، وعدم اليقين في شأن مستقبل السياسة النقدية، وهي عوامل تاريخياً كانت تصب في مصلحة المعدن النفيس.
وبالنسبة إلى المستثمرين، يرى محللون أن الذهب يظل أداة مهمة لتنويع المحافظ الاستثمارية والتحوط من التقلبات، لكنهم يشددون على ضرورة التعامل معه باعتباره استثماراً طويل الأجل، وليس وسيلة للمضاربة قصيرة الأجل، خصوصاً بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها أخيراً.
وفي المحصلة، يبدو أن مستقبل الذهب سيظل مرتبطاً بثلاثة محاور رئيسة: مسار أسعار الفائدة الأميركية، وتطورات الأزمات الجيوسياسية، واتجاه الدولار.
وإذا استمرت هذه العوامل في الاتجاه الحالي، فقد يحافظ المعدن الأصفر على زخمه، مع بقاء احتمال تسجيل مستويات قياسية جديدة خلال الأعوام المقبلة.



