تقاريرعالمي

هل يقترب العالم من نفاد مخزونات النفط؟

تتصاعد المخاوف في أسواق الطاقة العالمية بشأن تراجع مخزونات النفط واقترابها مما يعرف بـ”قاع الخزانات”، وهو الحد الأدنى من الخام الذي يجب أن يبقى داخل مرافق التخزين لضمان استمرار تدفق الإمدادات من الحقول إلى المصافي دون اضطرابات.

ورغم تنامي هذه التحذيرات، يرى محللون أن المخاوف تستند إلى معطيات حقيقية، لكنها في الوقت نفسه تتضمن قدرًا من المبالغة، خاصة عند تقييم الصورة الكاملة لسوق النفط العالمي.

استنزاف كبير في مخزونات النفط العالمية

شهدت الأسواق العالمية سحبًا واسعًا من المخزونات النفطية خلال أكثر من 150 يومًا من التوترات التي تخللتها فترات من الحرب والهدنة.

وتراجعت المخزونات التجارية والاحتياطيات الإستراتيجية الحكومية، في المتوسط، بنحو 3.9 مليون برميل يوميًا بين بداية مارس ونهاية مايو، وهو انخفاض يعادل تقريبًا حجم الطلب اليومي على النفط في كل من ألمانيا وفرنسا.

وخلال يونيو تباطأت وتيرة السحب من المخزونات بعد إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة عقب توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن هذا التحسن لم يدم طويلًا، إذ عاد الاستنزاف إلى الارتفاع في يوليو مع انهيار الاتفاق وإغلاق المضيق مجددًا.

وتشير التقديرات إلى أن العالم استهلك ما بين 400 و600 مليون برميل من مخزوناته، بما في ذلك النفط المخزن على متن الناقلات المستخدمة كمستودعات عائمة، وهو رقم يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها سوق الطاقة.

ترامب حذر من أزمة في الإمدادات

سبق أن أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قلقه من تراجع المخزونات النفطية، معتبرًا أن تجنب أزمة في الإمدادات كان من الأسباب التي دفعت إلى السعي لإبرام اتفاق مع إيران.

وقال في تصريحات سابقة إن الاحتياطيات كانت تتجه إلى مستويات منخفضة خلال فترة قصيرة، محذرًا من أن نقص النفط قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق.

هل وصل العالم إلى “قاع الخزانات”؟

يرى بعض المستثمرين والمراهنين على ارتفاع أسعار النفط أن السوق تقترب من مرحلة خطيرة، متوقعين وصول سعر البرميل إلى 200 دولار، مستندين إلى انخفاض المخزونات العالمية.

لكن هذه التقديرات، وفق محللين، لا تعكس الصورة الكاملة، إذ إن حجم التراجع الفعلي في المخزونات جاء أقل بكثير مما كان متوقعًا عند اندلاع الأزمة.

كما استفادت الأسواق من عدة عوامل خففت الضغوط، أبرزها استخدام خطوط أنابيب بديلة لمضيق هرمز، وعبور ناقلات نفط بطرق مختلفة، إضافة إلى انخفاض واردات الصين وزيادة الإنتاج في عدد من دول الأميركتين، من كندا حتى الأرجنتين.

احتياطيات الصين تخفف المخاوف

من أبرز العوامل التي تحد من احتمالات الوصول إلى “قاع الخزانات” امتلاك الصين احتياطيات نفطية ضخمة جرى تكوينها خلال العقد الماضي.

وقبل اندلاع الأزمة، كانت بكين تمتلك أكثر من 1.4 مليار برميل ضمن احتياطياتها الإستراتيجية، ولم تستخدم منها سوى نحو 100 مليون برميل، ما يمنحها هامش أمان كبيرًا يسمح بخفض الواردات عند الحاجة.

وسجلت واردات الصين من النفط أدنى مستوياتها في يونيو بعد انخفاض تجاوز 40% على أساس سنوي، قبل أن تستعيد جزءًا من نشاطها خلال يوليو، لكنها ظلت أقل بنحو 30 إلى 35% مقارنة بمستويات عام 2025.

ويتوقع محللون استمرار اعتماد الصين على مخزوناتها خلال الفترة المقبلة، مع الحفاظ على وتيرة استيراد أقل من العام الماضي.

احتياطيات الدول الغنية لا تزال مرتفعة

يرى خبراء أن الحديث عن قرب نفاد الاحتياطيات الإستراتيجية في الدول الصناعية يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن هذه الدول ما زالت تمتلك كميات كبيرة يمكن استخدامها إذا استمرت الأزمة.

ورغم إعلان أعضاء وكالة الطاقة الدولية في مارس ضخ 400 مليون برميل في الأسواق، فإن الكميات التي تم الإفراج عنها حتى الآن لم تتجاوز 290 مليون برميل، بينما أعادت بعض الدول الأوروبية شراء جزء من الكميات التي سبق طرحها.

ولا تزال الدول المتقدمة تحتفظ بنحو مليار برميل إضافي ضمن احتياطياتها الإستراتيجية، مع امتلاك كل من اليابان وكوريا الجنوبية مخزونات كبيرة توفر قدرًا إضافيًا من الأمان.

إعادة فتح مضيق هرمز تبقى الحل الأهم

تشير المؤشرات إلى أن مخزونات النفط العالمية تعرضت بالفعل لضغوط كبيرة، لكنها ما زالت بعيدة عن مرحلة النفاد الكامل.

وفي المقابل، يتفق كثير من المحللين على أن استمرار الحرب وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز يؤديان إلى تآكل هامش الأمان تدريجيًا، وهو وضع لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة.

ويرى خبراء الطاقة أن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة، سواء عبر اتفاق مع إيران أو بأي آلية أخرى، تبقى الخيار الأكثر فاعلية لاستعادة التوازن إلى أسواق النفط العالمية وضمان استقرار الإمدادات خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى