صندوق النقد يحذر من “حروب تجارية انتقامية” تهدد استقرار الاقتصاد العالمي

حذر كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه غورينشاس من أن تصاعد السياسات التجارية الانتقامية بين الاقتصادات الكبرى قد يقود العالم إلى مرحلة جديدة من الانقسام الاقتصادي وتباطؤ النمو العالمي. وأكد أن استخدام التجارة والموارد الاستراتيجية كأدوات للضغط السياسي يدفع الدول إلى إعادة رسم سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد المتبادل، بما يرفع كلفة التجارة والاستثمار على المدى الطويل. ونبّه غورينشاس في حوار مع صحيفة الـ”فاينانشيال تايمز” من أن الاقتصاد العالمي يواجه أخطاراً متزايدة نتيجة تصاعد ما وصفه بـ”الحروب التجارية القائمة على المعاملة بالمثل”، في وقت تتداخل فيه التوترات الجيوسياسية مع السياسات الاقتصادية لتشكل تحدياً جديداً أمام النمو العالمي. وقال غورينشاس إن العالم يقف أمام مرحلة قد تشهد تراجعاً في مكاسب العولمة التي تحققت خلال العقود الماضية، إذا استمرت الدول في الرد على الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية بإجراءات مماثلة، محذراً من أن مثل هذا النهج قد يقود إلى دوامة يصعب احتواؤها.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه التجارة العالمية تغيرات متسارعة بفعل الرسوم الجمركية الجديدة، وإعادة رسم سلاسل الإمداد، وازدياد اعتماد الحكومات على السياسات التجارية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، بدلاً من الاقتصار على الأهداف الاقتصادية التقليدية.
تحول الممرات التجارية الحيوية إلى أدوات ضغط جيوسياسي
ورأى غورينشاس أن استخدام الممرات التجارية أو الموارد الطبيعية أو المواد الخام الحيوية كورقة ضغط سياسية قد يدفع الدول الأخرى إلى البحث عن بدائل دائمة، سواء عبر إنشاء سلاسل توريد جديدة أو تنويع مصادر الاستيراد، وهو ما يسرع وتيرة الانقسام الاقتصادي العالمي. وأشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مثل مثالاً واضحاً على كيفية تحول الممرات التجارية الحيوية إلى أدوات ضغط جيوسياسي، وهو ما انعكس سريعاً على أسواق الطاقة والشحن العالمية قبل أن تعود الملاحة تدريجاً بعد التوصل إلى تفاهمات لخفض التصعيد.
وعلى رغم أن الأسواق تمكنت من احتواء جانب كبير من الصدمة بفضل زيادة الإنتاج النفطي من بعض الدول والسحب من الاحتياطات الاستراتيجية، فإن صندوق النقد يرى أن هامش المناورة أصبح أضيق مما كان عليه في أزمات سابقة، وهو ما يزيد حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطرابات مستقبلية.
الاقتصاد العالمي لم ينزلق إلى حرب تجارية شاملة
وأكد غورينشاس أن الاقتصاد العالمي لم ينزلق حتى الآن إلى حرب تجارية شاملة، إلا أن استمرار التهديدات بفرض رسوم جمركية متبادلة قد يغير هذا الواقع، خصوصاً إذا بدأت الاقتصادات الكبرى في الرد بإجراءات انتقامية واسعة النطاق. وأوضح أن عديداً من الدول بدأت بالفعل في إعادة توجيه تجارتها الخارجية نحو شركاء جدد، في محاولة لتقليل الاعتماد على الأسواق التي أصبحت أكثر تقلباً من الناحية السياسية، وهو اتجاه قد يحد من فعالية العقوبات والرسوم الجمركية مع مرور الوقت. ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يعمل على توسيع اتفاقاته التجارية مع اقتصادات أخرى، بينما تتجه دول عديدة إلى تنويع علاقاتها التجارية والاستثمارية بدلاً من الاعتماد على سوق واحدة.
وعلى رغم هذه الأخطار، أبدى كبير الاقتصاديين في صندوق النقد قدراً من التفاؤل الحذر، مشيراً إلى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة أفضل من المتوقع خلال الأشهر الماضية، وأن النشاط الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى ما زال متماسكاً نسبياً. وأضاف أن الاستثمارات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ما زالت تمثل أحد أهم محركات النمو العالمي، إذ أسهمت في دعم الإنفاق الرأسمالي وزيادة الطلب على أشباه الموصلات ومعدات الحوسبة والبنية التحتية الرقمية، مما خفف جزئياً من آثار تباطؤ التجارة التقليدية.
لكن غورينشاس شدد على أن هذا الزخم لا يكفي لتعويض الأضرار المحتملة إذا تحولت النزاعات التجارية إلى سياسة دائمة، مؤكداً أن حال عدم اليقين تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات الاستثمار وتوسعة الأعمال، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على معدلات النمو وفرص العمل.
انتقال الانقسام التجاري إلى القطاع المالي
وحذر أيضاً من احتمال انتقال الانقسام التجاري إلى القطاع المالي، إذا بدأت الدول في استخدام العملات أو أنظمة المدفوعات الدولية كأدوات للضغط السياسي، موضحاً أن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من التجزئة في النظام المالي العالمي.
وفي المقابل أشار إلى أن الدولار الأميركي لا يزال يحتفظ بمكانته المحورية في التجارة العالمية والاحتياطات الدولية والمعاملات المالية، مؤكداً أن البيانات المتوافرة حتى الآن لا تشير إلى حدوث تحول جذري بعيداً من العملة الأميركية، على رغم تزايد الحديث عن تنويع العملات المستخدمة في التجارة الدولية.
ويرى محللو الصندوق أن استمرار الاعتماد على الإجراءات الحمائية سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، وإضعاف الإنتاجية، وزيادة أسعار السلع للمستهلكين، إضافة إلى تقليص كفاءة سلاسل الإمداد التي استفاد منها الاقتصاد العالمي لعقود، وقد تجد الاقتصادات النامية نفسها الأكثر تضرراً، لأنها تعتمد بصورة أكبر على التجارة الخارجية، كما تملك مساحة مالية أقل للتعامل مع ارتفاع الأسعار أو اضطرابات سلاسل الإمداد.
ويعتقد غورينشاس أن العالم لا يزال يمتلك فرصة لتجنب حرب تجارية واسعة النطاق، لكن ذلك يتطلب تعزيز الحوار بين الاقتصادات الكبرى، وتسوية الخلافات التجارية عبر التفاوض، بدلاً من تبادل الرسوم الجمركية والإجراءات الانتقامية التي لا يخرج منها أي طرف رابح، بينما يتحمل الاقتصاد العالمي كلفة متزايدة من تباطؤ النمو وارتفاع مستويات عدم اليقين.
الاقتصاد العالمي لم يتخلَّ عن العولمة
وقال إن الاقتصاد العالمي لم يتخل عن العولمة، بل يشهد تحولاً في شكلها وطبيعتها. وقبيل مغادرته الصندوق الأسبوع المقبل بعد أربعة أعوام ونصف العام، استعرض غورينشاس مرحلة اتسمت بسلسلة من الصدمات الكبرى، شملت جائحة “كوفيد-19″، والحرب الروسية على أوكرانيا، والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إضافة إلى الحرب في الشرق الأوسط.
وأوضح غورينشاس أنه على رغم هذه الصدمات والاضطرابات التجارية، لا يزال الاقتصاد العالمي قائماً بقوة على نظام مالي يتمحور حول الدولار الأميركي، مع وجود مؤشرات محدودة للغاية على حدوث تحول بعيداً من هيمنة العملة الأميركية. وأضاف أنه لا يستبعد تغير هذا الواقع مستقبلاً، إلا أن تطورات العقد الماضي أظهرت أن التغيرات في هذا الاتجاه كانت طفيفة للغاية.
إعادة تشكيل التجارة العالمية لا انهيارها
ووصف غورينشاس الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وما تبعها من إعادة ترتيب للتجارة العالمية بأنها تستهدف بالدرجة الأولى خفض حجم التبادل التجاري الثنائي بين الولايات المتحدة والصين. وأوضح أن هذه التحولات أوجدت فرصاً لاقتصادات أخرى، قائلاً “دخلت أطراف أخرى لسد الفراغ، وتكيفت سلاسل التوريد، واستفادت دول مثل المكسيك وفيتنام، إلى جانب ما يعرف بالدول الوسيطة، من هذا التحول في حركة التجارة العالمية”.
وأبدى كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي تشككاً في إمكان توسيع استراتيجية فك الارتباط التجاري لتشمل العالم بأسره، قائلاً “إذا كانت الاستراتيجية لا تقتصر على تقليص الاعتماد على الصين، بل تهدف إلى فك الارتباط مع الاقتصاد العالمي بصورة أوسع – وهو ما لا أعتقد أنه الهدف فإنني لا أرى أنها استراتيجية قابلة للاستدامة”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحذر من أن الاقتصاد العالمي يواجه أخطار متزايدة جراء تصاعد الحروب الاقتصادية الانتقامية بين الدول، مع سعي كل طرف إلى استغلال ما يمتلكه من مزايا استراتيجية لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل. وقال “الخطر يكمن في أن ينزلق العالم إلى دوامة من الإجراءات الانتقامية المتبادلة، حيث تحاول الدول باستمرار استغلال المزايا المحدودة التي تمتلكها، بطريقة تنتهي في نهاية المطاف إلى الإضرار بالجميع”.
وجاءت تصريحات غورينشاس قبل وقت قصير من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة على دول أوروبية رداً على الضرائب التي تفرضها على الخدمات الرقمية.
تحديات الاقتصادات الناشئة
وفي ما يتعلق بالاقتصادات النامية أشار غورينشاس إلى أنها تواجه تحديات متزايدة في إيجاد محركات جديدة للنمو في ظل تزايد الانقسام في الاقتصاد العالمي. وقال إن هناك مخاوف من وقوع عديد من اقتصادات الأسواق الناشئة في “فخ الدخل المتوسط”، وهو وضع تعجز فيه الدول عن الانتقال إلى مصاف الاقتصادات المتقدمة بعد بلوغ مستوى معين من النمو. ولفت إلى أن كبير الاقتصاديين في البنك الدولي إنديرميت جيل، وصف العقد الماضي بأنه “عقد ضائع” بالنسبة إلى الدول النامية، في إشارة إلى ضعف معدلات النمو وتراجع فرص التنمية.
وأوضح غورينشاس أن الاقتصادات المتقدمة أصبحت أكثر ميلاً إلى الانغلاق، وهو ما يحد من الفرص المتاحة أمام الأسواق الناشئة لاعتماد نموذج النمو القائم على التصدير، الذي شكل لعقود المسار الرئيس لنجاح عديد من الدول. وأضاف “لم يعد أمام هذه الاقتصادات سوى هامش ضيق للغاية لتبني نموذج نمو يعتمد على الصادرات، وهو النموذج الذي كان أساس التنمية والنجاح في كثير من البلدان”. وأشار إلى أن دولاً مثل الهند لا تزال غير واثقة من قدرتها على تكرار التجربة الصينية في تحقيق نمو اقتصادي سريع يعتمد على التصنيع والتصدير، في ظل البيئة التجارية العالمية الجديدة.
ورأى غورينشاس أن تزايد الاتفاقات التجارية الثنائية خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يمنح بعض الأمل، إذ بدأت الدول تعزز علاقاتها التجارية فيما بينها بصورة أكبر. وقال “عندما تتكامل مجموعة من الدول اقتصادياً، فإنها تخلق مركز جذب خاصاً بها، أشبه بـ(بيتكوين)، كوكب جديد يجذب إليه دولاً أخرى، بدلاً من أن تبقى معزولة في فراغ واسع”.
ومن المقرر أن يعود غورينشاس إلى عمله الأكاديمي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بعد انتهاء مهمته في صندوق النقد الدولي. ويعتزم الصندوق إصدار تحديث لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي في الثامن من يوليو (تموز) المقبل، يتضمن تقديرات جديدة للنمو الاقتصادي في ضوء التداعيات التي خلفتها الحرب على إيران.



