عالمي

أوروبا تفتح أسواقها للبضائع الأميركية واتفاق الرسوم يدخل مرحلة التنفيذ

بدأ الاتحاد الأوروبي اليوم الأربعاء تنفيذ أحد أبرز بنود الاتفاق التجاري المبرم مع الولايات المتحدة، عبر إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الأميركية الداخلة إلى أسواقه، في خطوة تعكس التزام بروكسل الكامل بالاتفاق الذي توصل إليه الطرفان العام الماضي، بعد أشهر من التوترات التجارية والمفاوضات المعقدة، ونُشر القانون الخاص بتنفيذ الاتفاق في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي أمس الثلاثاء، ليدخل حيز التنفيذ رسمياً اليوم الأربعاء، بعد موافقة دول الاتحاد في الـ 25 من يونيو (حزيران) الماضي على الصيغة النهائية للاتفاق.

ويقضي الاتفاق الذي أبرمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في يوليو (تموز) 2025، بفرض رسوم جمركية بنسبة 15 في المئة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، في مقابل إعفاء السلع الصناعية الأميركية المصدّرة إلى دول التكتل الأوروبي من الرسوم الجمركية بالكامل.

محاولة لاحتواء حرب تجارية طويلة

يمثل الاتفاق محاولة لإنهاء أعوام من الخلافات التجارية بين ضفتي الأطلسي، والتي تصاعدت خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع تبادل فرض الرسوم على قطاعات إستراتيجية مثل الصلب والألومنيوم والسيارات والتكنولوجيا، وعلى رغم أن الاتفاق جنّب الطرفين الدخول في حرب تجارية واسعة النطاق، كانت تهدد الاقتصاد العالمي، فإنه أثار جدلاً داخل أوروبا، خصوصاً أن بعض الحكومات والشركات وجدت أن التنازلات الأوروبية أكبر من المكاسب المحققة.

وترى بروكسل أن الاتفاق يوفر قدراً من الاستقرار للعلاقات الاقتصادية مع أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد الدولية، وتسعى المفوضية الأوروبية إلى تجنب أي تصعيد تجاري جديد مع واشنطن، قد ينعكس سلباً على الصناعات الأوروبية، ولا سيما قطاعات السيارات والكيماويات والآلات والطاقة النظيفة.

مكاسب أميركية مباشرة

يمنح الاتفاق الشركات الأميركية ميزة تنافسية كبيرة داخل السوق الأوروبية، إذ ستدخل آلاف السلع الصناعية الأميركية من دون رسوم جمركية، بما يشمل المعدات الصناعية والتكنولوجيا والمنتجات الكيماوية والأجهزة الإلكترونية ومكونات التصنيع، ويتوقع محللون أن تستفيد الشركات الأميركية بخاصة من زيادة قدرتها على المنافسة السعرية داخل الأسواق الأوروبية، في وقت تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع صادراتها الصناعية وتقليص العجز التجاري مع أوروبا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد مراقبون أن واشنطن نجحت في تحقيق هدف إستراتيجي يتمثل في تحسين وصول المنتجات الأميركية إلى السوق الأوروبية الضخمة، التي تضم أكثر من 450 مليون مستهلك، فيما لا تزال الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة تخضع لرسوم تبلغ 15 في المئة على معظم المنتجات، وهو ما تعده بعض الأوساط الصناعية الأوروبية اختلالاً في ميزان المكاسب بين الطرفين.

قلق أوروبي على الصناعة المحلية

يثير إلغاء الرسوم الأوروبية مخاوف داخل بعض القطاعات الصناعية الأوروبية من زيادة المنافسة الأميركية، خصوصاً في الصناعات التي تواجه بالفعل ضغوطاً تتعلق بارتفاع كلفة الطاقة وتباطؤ الطلب، وتراجع النمو الصناعي في عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وكذلك تخشى شركات أوروبية من أن يؤدي تدفق المنتجات الأميركية منخفضة الكلفة إلى الضغط على المنتجين المحليين، خصوصاً في القطاعات الصناعية المتوسطة والصغيرة، وقد حذرت اتحادات صناعية أوروبية من أن استمرار الرسوم الأميركية على صادرات الاتحاد قد يضعف تنافسية الشركات الأوروبية داخل السوق الأميركية، ويؤثر في أرباحها واستثماراتها خلال الأعوام المقبلة، وعلى رغم ذلك تدافع المفوضية الأوروبية عن الاتفاق باعتباره “خياراً واقعياً”، لتجنب مواجهة تجارية أكثر كلفة، مؤكدة أن الاستقرار التجاري مع الولايات المتحدة يمثل أولوية اقتصادية وسياسية خلال المرحلة الحالية.

انعكاسات على التجارة العالمية

يأتي تنفيذ الاتفاق في وقت يشهد الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة في العلاقات التجارية، مع تصاعد السياسات الحمائية والتنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، ويقدّر متخصصون أن الاتفاق الأوروبي – الأميركي يعكس اتجاهاً متزايداً نحو بناء شراكات تجارية انتقائية بين الحلفاء الاقتصاديين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نظام التجارة الحرة التقليدي، ويمكن أن يدفع دولاً أخرى إلى إعادة تقييم علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في ظل سعي الاقتصادات الكبرى إلى حماية سلاسل الإمداد وتأمين الصناعات الإستراتيجية.

ويعتقد محللون أن نجاح الاتفاق أو تعثره سيحدد مستقبل العلاقات التجارية عبر الأطلسي خلال الأعوام المقبلة، خصوصاً إذا واجهت الصناعات الأوروبية ضغوطاً أكبر نتيجة اختلال التوازن الجمركي الحالي، إذ يمثل بدء تنفيذ الاتفاق اختباراً حقيقياً للعلاقة بين بروكسل وواشنطن، فيما تراهن أوروبا على أن يؤدي الانفتاح التجاري إلى تهدئة التوترات الاقتصادية وتحفيز النمو والاستثمارات، ومع استمرار فرض الرسوم الأميركية على الصادرات الأوروبية فقد يبقي الانتقادات قائمة داخل الاتحاد الأوروبي، إذا لم تظهر فوائد اقتصادية واضحة للشركات الأوروبية خلال الفترة المقبلة، وفي ظل تباطؤ الاقتصاد الأوروبي واستمرار التحديات المرتبطة بالطاقة والتضخم والمنافسة العالمية، تبدو بروكسل أمام معادلة دقيقة، تجمع بين الحفاظ على الشراكة الإستراتيجية مع واشنطن، وحماية مصالحها الصناعية والتجارية في الوقت نفسه.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى