“سكة الحجاز” الجديدة تعود بثوب استراتيجي لربط الخليج بأوروبا

في وقت يتسارع إيقاع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية على الساحة الدولية، لم يعد الحديث عن سلاسل الإمداد وممرات التجارة مجرد ترف تحليلي، بل أضحى عصب الاستراتيجيات القومية للدول الشاخصة ببصرها نحو خريطة العولمة الجديدة، لا سيما بعد الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالملاحة البحرية بين عامي 2024 و2026، والتي أدت في بعض فتراتها إلى تراجع حركة المرور عبر قناة السويس بنسب تراوحت ما بين 40 في المئة و50 في المئة بسبب الاضطرابات الأمنية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
ومن هذا المنطلق الجيواقتصادي الصرف، تعود سكة حديد الحجاز إلى الواجهة مجدداً في الفكر الاستراتيجي المعاصر، لا تقدم كعمل تاريخي يثير الحنين، بل كممر لوجيستي بري عابر للقارات يمتلك المقومات الاقتصادية لربط موانئ الخليج العربي بالعمق الأوروبي عبر شبكة موحدة.
وتتجه الأنظار اليوم إلى دراسات الجدوى والخطط اللوجيستية التي تستهدف إحياء وتطوير هذا الخط ليمتد في مسار متكامل يبدأ من سلطنة عمان، مروراً بالسعودية والأردن وسوريا، وصولاً إلى تركيا التي تشكل البوابة الطبيعية والربط السككي المباشر مع القارة الأوروبية، مفسحاً المجال أمام منظومة نقل حديثة قادرة على شحن ملايين الأطنان من البضائع سنوياً وفق أحدث المعايير الفنية المعاصرة.
وارتباطاً بالسياق التاريخي والتقني، يجدر بنا تذكر أن سكة حديد الحجاز الأصلية، التي أُنشئت بقرار رسمي في الأول من مايو (أيار) 1900 وافتتحت رسمياً في الأول من سبتمبر (أيلول) 1908 في عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، كانت تمتد على طول 1308 كيلومترات لربط دمشق بالمدينة المنورة، إذ اعتمدت آنذاك نظام السكة الضيقة بعرض 1050 مليمترات.
وعلى رغم تعطل هذا الخط لعقود طويلة نتيجة التفتت السياسي عقب الحرب العالمية الأولى وتدمير أجزاء واسعة منه، فإن الرؤية الاقتصادية المطروحة اليوم تختلف جذرياً في منطلقاتها الهندسية والمالية، إذ تستهدف بناء أو تحديث خطوط تعتمد العرض القياسي العالمي البالغ 1435 مليمتراً، لضمان التوافق الكامل مع الشبكات الحديثة.
إن هذا التحول التقني يمثل الركيزة الأساس لربط الكتل الاقتصادية، إذ يسعى المشروع إلى دمج شبكة قطارات دول مجلس التعاون الخليجي المشتركة، البالغ طولها الإجمالي المستهدف نحو 2177 كيلومتراً، والتي تمضي دول الخليج في استكمال مراحلها برؤية تنسيقية عالية، مع منظومة النقل البري في المشرق العربي وجنوب أوروبا.
وعلاوة على ما تقدم، فإن القراءة الفاحصة للاستراتيجيات اللوجيستية في سلطنة عمان، والمتمثلة في “رؤية عمان 2040″، تكشف حجم الاستثمارات الموجهة لتطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية الخاصة، مثل ميناءي الدقم وصحار، اللذين يشكلان نقطة الانطلاق البحرية – البرية لهذا الممر.
وقد تجسد هذا التوجه عملياً في تأسيس شركة “حفيت للقطارات” كشراكة استراتيجية بين عمان والإمارات باستثمارات تقدر بنحو 3 مليارات دولار لإنشاء خط سككي بطول 303 كيلومترات يربط ميناء صحار بالشبكة الوطنية الإماراتية.
ومن هذا المنطلق، يصبح ربط هذه الشبكة بالعمق السعودي خطوة منطقية تالية، لا سيما أن السعودية تمتلك بالفعل بنية تحتية سككية متطورة تقترب من تخوم الحدود الشمالية، إذ تشغل الشركة السعودية للخطوط الحديدية خط قطار الشمال الذي يمتد بطول 1242 كيلومتراً من الرياض وصولاً إلى الحديثة والقريات على الحدود الأردنية، وهو ما يعني عملياً أن الجزء الأكبر من البنية التحتية اللازمة للوصول إلى الحدود الشامية بات جاهزاً للتشغيل الفعلي ومستوعباً لقطارات الشحن التي تصل سرعتها إلى 120 كيلومتراً في الساعة وقطارات الركاب بسرعة 200 كيلومتر في الساعة.
وفي المقابل، يستوجب التحليل المالي والجيواقتصادي التوقف عند الدور المحوري للسعودية، التي تضع قطاع النقل والخدمات اللوجيستية كأحد أهم ركائز “رؤية 2030″، مستهدفة رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من ستة في المئة إلى 10 في المئة بحلول نهاية العقد الحالي.
وتدعم الرياض هذا التوجه بمشروع “الجسر البري السعودي” الأضخم إقليمياً، الذي تبلغ كلفته التقديرية ما بين 7 و10 مليارات دولار لربط شرق البلاد بغربها عبر خط حديدي بطول 1300 كيلومتر يمتد من ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام إلى ميناء جدة الإسلامي.
وإن تقاطع هذا الجسر البري مع مسار الحجاز المحدث صعوداً نحو الشمال سيخلق نقطة ارتكاز لوجيستية فريدة تتيح نقل البضائع المقبلة من المحيط الهندي والخليج العربي براً نحو أوروبا من دون الحاجة إلى المرور عبر الممرات البحرية الحرجة، مما يقلص زمن الرحلة اللوجيستية من متوسط 22 يوماً عبر طريق رأس الرجاء الصالح، أو 14 يوماً عبر قناة السويس في الظروف الاعتيادية، إلى ما بين خمسة وسبعة أيام فحسب عبر الشبكة البرية الموحدة.
نفق “مرمراي“
بيد أن الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ الفعلي يواجه المعضلة الأكبر عند عبور الخط الحديدي إلى الأراضي الأردنية والسورية، وهي المنطقة التي تشكل الحلقة الوسطى في هذه السلسلة اللوجيستية الدولية.
فالأردن من جانبه يسعى منذ أعوام إلى تنفيذ مشروع شبكة السكك الحديد الوطنية بطول تقريبي يصل إلى 900 كيلومتر وتكلفة تقدر بنحو 2.5 إلى 3 مليارات دولار لربط ميناء العقبة جنوباً بالعاصمة عمان ثم بالحدود السعودية والسورية، لكن التمويل يظل حجر العثرة الرئيس أمام هذا التطلع.
وتزداد الصورة تعقيداً عند الدخول إلى الأراضي السورية، إذ تعرضت البنية التحتية لشبكة السكك الحديد، التي كانت تمتد قبل عام 2011 على طول 2450 كيلومتراً وتنقل قرابة 10 ملايين طن من البضائع سنوياً، لدمار هائل طاول أكثر من 70 في المئة من مساراتها ومحطاتها ومستودعاتها.
وتشير تقديرات محللي البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار هذا القطاع الحيوي في سوريا وتأهيله ليتوافق مع المواصفات القياسية العالمية سيتطلب استثمارات لا تقل عن 4 إلى 5 مليارات دولار، فضلاً عن ضرورة توافر استقرار سياسي وأمني مُستدام يضمن سلامة الشحنات العابرة للحدود.
وتأسيساً على هذه المعطيات الرقمية، يتضح أن تركيا تمثل الشريك اللوجيستي الأكثر جاهزية في الطرف الشمالي من هذا المسار، إذ تمتلك هيئة السكك الحديد الحكومية التركية شبكة ممتدة تتجاوز 13 ألف كيلومتر، وتستهدف أنقرة في إطار استراتيجيتها لعام 2053 توسيع هذه الشبكة لتصل إلى 28 ألف كيلومتر باستثمارات إجمالية مخطط لها تفوق 190 مليار دولار، يشكل قطاع السكك الحديد الحصة الأكبر منها بنسبة 60 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لتركيا في هذا المشروع بامتلاكها نفق “مرمراي” السككي الشهير تحت مضيق البوسفور، الذي افتتح في الـ29 من أكتوبر (تشرين الأول) 2013 ليربط قارتي آسيا وأوروبا براً للمرة الأولى في التاريخ، وهو النفق الذي يستوعب حالياً قطارات الشحن الدولية العابرة للقارات.
ومن ثم، فإن ربط مسار الحجاز بالشبكة التركية عبر معبر ميدان إكبس التاريخي أو مسارات جديدة سيتيح تدفقاً سلساً للبضائع الخليجية مباشرة نحو المجر والنمسا وألمانيا، مستفيداً من حجم التبادل التجاري الضخم بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، الذي تجاوز حاجز 170 مليار يورو في الإحصاءات الرسمية الأخيرة.
ولعل المتأمل في الخريطة الجمركية والإدارية يدرك أن التحدي الهندسي المتمثل في تشييد القضبان والجسور لا يشكل سوى نصف الحقيقة، إذ يبرز النصف الآخر في البنية التحتية الناعمة والمتمثلة في الأطر التشريعية والاتفاقات الدولية المنظمة للنقل العابر.
فمن المعلوم اقتصادياً أن كلفة التأخير عند المنافذ الحدودية نتيجة الإجراءات الروتينية الجمركية وفحص المستندات يمكن أن تضيف ما يعادل 40 في المئة من إجمال كلفة النقل البري في منطقة الشرق الأوسط.
اتفاق جمركي موحد
ولكي يصبح مشروع سكة الحجاز الحديثة منافساً حقيقياً للشحن البحري، يجب على الدول الخمس المشاركة توقيع اتفاق جمركي موحد يتبنى نظام التخليص المسبق الرقمي، وتطبيق معايير اتفاق النقل البري الدولي المعروف بنظام “التير” لضمان عبور الحاويات المغلقة بالختم الجمركي من دون تفتيش متكرر عند كل حد إداري، إضافة إلى ضرورة إنشاء هيئة سككية عليا مشتركة تتولى إدارة الممر وتوحيد تعرفة الشحن الطني لكل كيلومتر لضمان الجاذبية التجارية للمسار أمام شركات الشحن العالمية التي تبحث عن الاستقرار والوضوح المالي.
وفي محصلة التحليل المقارن مع المشاريع الإقليمية الأخرى، لا يمكن قراءة إحياء مسار الحجاز بمعزل عن “طريق التنمية” العراقي البالغة كلفته 17 مليار دولار لربط ميناء الفاو بتركيا على طول 1200 كيلومتر، والمستهدف إنجازه بحلول عام 2029، أو مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي أعلن عنه في سبتمبر 2023. ومع ذلك، يظهر التحليل الجغرافي المعمق أن مسار الحجاز يمتلك ميزة نسبية فريدة كونه يربط الكتل الاستهلاكية والصناعية الرئيسة في قلب الجزيرة العربية والمشرق العربي بخط بري مستقيم ومستدام، مما يقلل عمليات الشحن متعدد الوسائط التي تتطلب تفريغ الحاويات من السفن إلى القطارات ثم إعادة شحنها، وهي العمليات التي ترفع احتمالات التلف بنسبة 15 في المئة وتزيد الكلفة اللوجيستية الإجمالية.
إن الكلفة التقديرية الإجمالية لربط وتحديث المسار الكامل لسكة الحجاز بين الدول الخمس وتأهيله للمواصفات القياسية العالمية تحوم حول 35 مليار دولار، وهو رقم، على رغم ضخامته، يظل مجدياً تجارياً عند مقارنته بالعوائد الاستراتيجية بعيدة المدى، وتوفير بديل آمن ومستدام يحمي اقتصادات المنطقة من تقلبات المضايق البحرية، ويصوغ فصلاً جديداً للتكامل الجيواقتصادي في المشرق العربي يتناسب مع تحديات وطموحات القرن الـ21.



