رحلة الذهب نحو الصعود فماذا تنتظر الأسواق؟

تتجه أسعار الذهب العالمية إلى إنهاء أغسطس (آب) الجاري بأداء أعاد المعدن النفيس إلى الواجهة، بعدما قفز من نحو 4041 دولاراً للأوقية في نهاية يوليو (تموز) الماضي إلى 4672 دولاراً خلال تعاملات الثلاثاء، بزيادة تقارب 16 في المئة، وهي وتيرة تضعه على مسار أقوى مكسب شهري منذ سبتمبر (أيلول) 1999، إذا احتفظ بمكاسبه حتى نهاية الشهر.
ولم تعد الحركة مجرد استجابة تلقائية للتوترات الجيوسياسية، إذ تسارع الصعود مع تراجع الدولار وهبوط العوائد طويلة الأجل عقب تدخل وزارة الخزانة الأميركية، وانحسار رهانات التشديد النقدي، بالتوازي مع عودة الأموال إلى صناديق الذهب.
ويعيد الصعود الحالي طرح سؤال أعمق: هل عاد الذهب بقوة إلى دوره التقليدي بوصفه ملاذاً آمناً، أم إن المستثمرين والبنوك المركزية يعيدون رسم خريطة توزيع أموالهم واحتياطاتهم؟
فالذهب ارتفع من نحو 253 دولاراً للأوقية عام 1999 إلى قمة تاريخية عند 5594.82 دولار في يناير (كانون الثاني) 2026، مروراً بقفزة تجاوزت 24 في المئة خلال عام جائحة كورونا 2020، ثم مكاسب قاربت 64 في المئة خلال 2025، وهي الأكبر منذ 1979. وعلى رغم هبوطه من قمة يناير إلى دون 4 آلاف دولار في يونيو (حزيران)، فإنه لا يزال مرتفعاً بنحو ثمانية في المئة منذ نهاية 2025.
هبوط الدولار
جمع أغسطس عوامل نادراً ما تتحرك في اتجاه واحد لمصلحة الذهب، فقد هبط مؤشر الدولار 0.84 في المئة إلى 98.80 نقطة في 19 أغسطس، مسجلاً أكبر تراجع يومي منذ مارس (آذار)، بعدما أعلنت الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار للعملية الواحدة.
وفي الجلسة نفسها، انخفضت العوائد طويلة الأجل بما يصل إلى 10 نقاط أساس، بعدما كان عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً قد اقترب من 5.34 في المئة، وهو الأعلى في نحو عقدين. ويدور عائد سندات الـ10 سنوات حالياً قرب 4.71 في المئة، والـ30 عاماً قرب 5.24 في المئة، فيما بقي الدولار قريباً من أدنى مستوياته في أشهر.
وفي الخلفية، خففت بيانات التضخم الأميركية لشهر يوليو الضغوط على الأسواق، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلك 0.1 في المئة فقط، والمؤشر الأساس 0.2 في المئة، مما قلص احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر، وإن كانت الأسواق لا تزال تسعر فرصة تقارب 40 في المئة لذلك.
ويترقب المستثمرون الأربعاء بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساس في الولايات المتحدة، وهو مقياس التضخم المفضل لدى “الاحتياطي الفيدرالي”، إلى جانب أول خطاب لرئيسه كيفن وورش في مؤتمر جاكسون هول الجمعة، بحثاً عن إشارات تتعلق بالارتفاع الأخير في عوائد السندات ومسار أسعار الفائدة ومدى استقلالية الفيدرالي عن إدارة ترمب.
ويرغب وورش في انتظار توصيات فرق العمل الخمس التي شُكلت في بداية ولايته قبل الخوض في تفاصيل خططه، لكن الأسواق بدأت بالفعل تسعير احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، خصوصاً مع بقاء التضخم أعلى من هدف “الفيدرالي” البالغ اثنين في المئة.
تحوط أم تحول؟
وقال متخصصون في تداول المعادن والذهب لـ”اندبندنت عربية”، إن اجتماع ضعف الدولار واضطراب سوق السندات مع تراجع رهانات التشديد النقدي أعاد بناء الطلب على الذهب بوتيرة أسرع من المتوقع.
وأضافوا أن التوترات الجيوسياسية لا تزال تضيف علاوة أخطار إلى الأسعار، لكن مشتريات البنوك المركزية وعودة تدفقات الصناديق تمنح الحركة الحالية عمقاً يتجاوز التحوط الموقت، مشيرين إلى أن الاختبار الحقيقي لقوة هذا التحول سيأتي مع أول عودة قوية للعوائد أو الدولار.
شرارة الصعود
ويرى المتخصص في تداول المعادن والأسهم محمود عطا أن “الشرارة المباشرة” للصعود جاءت من تراجع توقعات رفع الفائدة، تلاها ضعف الدولار وهبوط العوائد، لكنه يعتبر مشتريات البنوك المركزية العامل الأعمق في دعم الأسعار.
وتدعم الأرقام هذه القراءة، إذ بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية 288.9 طن في الربع الثاني، بزيادة 62 في المئة على أساس سنوي، بعد تباطؤ واضح خلال الربع الأول.
وفي المقابل، سجلت صناديق الذهب خروجاً قدره 44.8 طن خلال الربع الثاني من عام 2026 قبل أن تعود التدفقات بقوة في أغسطس. وخلال الأسبوع الماضي، جذبت الصناديق 46.7 طن بقيمة 6.4 مليار دولار، وهي أكبر تدفقات أسبوعية في 10 أشهر.
ويرى عطا أن منطقة 4300 إلى 4400 دولار تمثل دعماً محورياً، فيما يشكل الثبات فوق 4600 دولار إشارة إلى استمرار الزخم، قبل اختبار 4700 ثم 5000 دولار.
وبذلك، يبدو العامل الحاسم خلال الأسابيع المقبلة أقل ارتباطاً بعنوان جيوسياسي منفرد، وأكثر ارتباطاً بمسار العوائد والدولار وما سيقوله وورش عن الفائدة، فإذا استمرت مشتريات المؤسسات والبنوك المركزية بالتزامن مع ضعف الدولار، فقد يبقى الطريق مفتوحاً أمام مزيد من المكاسب، أما عودة التضخم والعوائد بقوة فقد تحول موجة الصعود سريعاً إلى تصحيح واسع.
السندات في قلب المشهد
وفي قراءة موازية، يضع رئيس الأبحاث للمنطقة العربية في شركة HFM عاصم منصور سوق السندات في قلب المشهد، مشيراً إلى أن قفزة عائد سندات الـ30 عاماً إلى أعلى مستوى منذ 2007 دفعت الخزانة إلى مضاعفة عمليات إعادة الشراء، لتستجيب أسعار السندات والعوائد سريعاً.
وتنسجم هذه القراءة مع ارتفاع الذهب بأكثر من أربعة في المئة في 19 أغسطس بالتزامن مع هبوط الدولار والعوائد، بما يعكس اتساع نطاق العوامل المؤثرة في المعدن، ليشمل القلق المرتبط بالدين الأميركي والسياسة المالية، وليس مسار أسعار الفائدة وحده.
4 محركات للصعود
أما المتخصص في الاقتصاد العالمي محمد كرم، فكان قد حدد في قراءة سابقة أربعة محركات لاستمرار الاتجاه الصاعد للذهب، هي مشتريات البنوك المركزية، والتوترات الجيوسياسية، والتحوط من التضخم، وضعف الدولار، محذراً في الوقت ذاته من أن الاقتراب من مستوى 5 آلاف دولار قد يفتح الباب أمام تقلبات أكثر عنفاً.
وأضاف كرم أن حركة الذهب خلال أغسطس تمنح هذه القراءة بعداً جديداً، بعدما أثبت المعدن الأصفر قدرته على التعافي من هبوط تجاوز 25 في المئة من قمة يناير لكن من دون استعادة تلك القمة حتى الآن.
إعادة ترتيب الاحتياطات
ويرى رئيس شركة “تارغت للاستثمار” نور الدين محمد أن صعود الذهب خلال أغسطس يعكس تحولاً يتجاوز الطلب التقليدي على الملاذات الآمنة، إذ بات المعدن جزءاً من إعادة تقييم أوسع للأصول في ظل تغيرات إدارة الدين الأميركي وتزايد حساسية الأسواق لكلفة إعادة تمويله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح أن أهمية التحركات الأخيرة تكمن في تأثيرها بنظرة المستثمرين إلى الأصول المقومة بالدولار، في وقت يمنح استمرار الطلب الرسمي على الذهب من البنوك المركزية الصعود بعداً استراتيجياً يتصل بإعادة توزيع الاحتياطات وتقليل الأخطار المرتبطة بالدين والعملات، وليس فقط بالتحوط من أزمة عابرة.
ويرى محمد أن قدرة الذهب على مواصلة المكاسب ستتوقف على استمرار هذا التحول في المحافظ والاحتياطات، بينما يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تسرع الحركة من دون أن تكون وحدها أساساً لاتجاه طويل الأجل.
إعادة تسعير الأخطار
ومن زاوية أخرى، يرى رئيس الأبحاث للمنطقة العربية لدى “XS” أحمد نجم أن ما يحدث يعكس إعادة تسعير لمفهوم الأخطار داخل المحافظ الاستثمارية، بعدما أصبح الذهب يؤدي دوراً يتجاوز الاستجابة المباشرة للحروب والصدمات السياسية.
وقال إن المستثمرين باتوا ينظرون إلى المعدن ضمن مزيج من الأخطار يشمل التضخم وتقلبات أسواق الأسهم والعملات وعدم اليقين الاقتصادي، مما يزيد أهميته كأداة لتنويع المحافظ وليس كملاذ يستخدم فقط عند اندلاع الأزمات.
وأضاف نجم أن العامل الجيوسياسي يظل الأكثر صعوبة في التسعير، ليس بسبب تأثيره المباشر في الطلب على الذهب فحسب، وإنما لقدرته على التأثير في أسعار الطاقة والتضخم وتوقعات السياسة النقدية في الوقت ذاته، وهو ما قد يفسر سرعة تحركات المعدن خلال فترات تصاعد التوتر.
التصحيح لا ينهي الاتجاه الصاعد
أما رئيس قسم الأسواق العالمية في “Cedra Markets” جو يرق، فيرى أن المكاسب القوية التي سجلها الذهب تجعل موجات جني الأرباح والتصحيح أكثر احتمالاً، لكن حدوثها لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد.
وأشار إلى أن التراجع الحاد قد يعيد تكوين مراكز الشراء إذا ظلت العوامل الأساسية الداعمة قائمة، ولذلك فإن الحكم على المسار المقبل لا يرتبط بحجم التصحيح وحده، وإنما بسرعة استعادة الأسعار لمستوياتها بعد الهبوط واستمرار الطلب عند المستويات الأقل.
وبحسب يرق، تصبح قدرة الذهب على امتصاص عمليات جني الأرباح، إلى جانب تطورات التضخم والعوائد، مؤشراً أكثر أهمية لتحديد قوة الاتجاه خلال المرحلة المقبلة من مجرد تسجيل تراجع سعري بعد موجة صعود استثنائية.
ماذا بعد القفزة؟
وفي المقابل، لا ترى المؤسسات العالمية طريقاً مستقيماً أمام الذهب، فمجلس الذهب العالمي يتوقع أن يكون الاستثمار المصدر الرئيس لنمو الطلب خلال بقية العام الحالي، مع بقاء البنوك المركزية مشترين مهمين، بينما يتوقع بنك “يو بي أس” وصول الذهب إلى 5 آلاف دولار في النصف الأول من 2027، ويرى “مورغان ستانلي” مساراً يتجاوز المستوى نفسه العام المقبل، مع التحذير من استمرار التقلبات.
وفنياً، تجاوز الذهب متوسطه المتحرك لـ200 يوم، في إشارة داعمة للاتجاه الصاعد، إلا أن سرعة المكاسب الأخيرة تجعل جني الأرباح والتصحيح السعري احتمالاً قائماً.
وبين قوة الطلب المؤسسي وضعف الدولار واضطراب سوق السندات، تبدو موجة أغسطس مختلفة عن صعود تحركه المخاوف الجيوسياسية وحدها. لكن الاختبار الأهم لم يأت بعد: هل يستطيع الذهب الحفاظ على زخمه إذا عادت العوائد والدولار إلى الارتفاع، أم أن اقترابه من 5 آلاف دولار سيعيد فتح شهية المستثمرين لجني الأرباح؟



