21 اتفاقية ترسم مرحلة جديدة من الشراكة السعودية – الفرنسية

عكست زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا مرحلة أكثر تقدماً في مسار الشراكة بين الرياض وباريس، بعدما اتسعت العلاقات من دوائر التجارة والطاقة والاستثمارات التقليدية إلى شبكة أوسع من المصالح المشتركة، تجمع التمويل طويل الأجل بالصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، وتفتح في الوقت نفسه مساراً متنامياً للاستثمارات المتبادلة بين البلدين.
وخرجت الزيارة بحصيلة اقتصادية واسعة تمثلت في 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم، توزعت على الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والصحة والثقافة والسياحة والترفيه، إلى جانب خطوط تمويل بمليارات الدولارات ومشروعات استثمارية جديدة في البلدين.
وتكشف طبيعة الاتفاقيات، أكثر من عددها، عن تحول في بنية العلاقة الاقتصادية السعودية – الفرنسية، مع اتجاه الشراكة بصورة أكبر نحو تمويل المشروعات والإنتاج المشترك ونقل المعرفة والتقنيات المتقدمة، بالتوازي مع توسع الشركات الفرنسية في السوق السعودية ودخول الاستثمارات السعودية إلى قطاعات جديدة في فرنسا.
ويبرز حجم الحصيلة في خط ائتماني تصل قيمته الأولية إلى 5 مليارات دولار لتمويل مشروعات تنفذها شركات فرنسية في السعودية، وإطار تمويلي يصل إلى 3 مليارات دولار لمشروعات الكهرباء، واتفاقات لـ”أرامكو السعودية” تتجاوز 3.7 مليار دولار، وعقود في النقل تقارب مليار يورو (1.2 مليار دولار)، في مقابل مشروع استثماري سعودي تقوده “القدية” في فرنسا بقيمة محتملة تصل إلى 6 مليارات يورو (7 مليارات دولار).
وشهد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توقيع عدد من الاتفاقيات، بالتزامن مع عقد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي – الفرنسي، خلال الزيارة التي استمرت يومي 23 و24 أغسطس (آب)، في خطوة تمنح العلاقات إطاراً مؤسسياً أوسع، استكمالاً لـ”خريطة الطريق للعقد المقبل” التي أطلقت خلال زيارة ماكرون إلى السعودية في ديسمبر (كانون الأول) 2024.
وجاء جانب رئيس من الاتفاقات الاقتصادية خلال “الطاولة المستديرة الفرنسي – السعودي للاستثمار” في باريس، بمشاركة مسؤولين حكوميين ورؤساء تنفيذيين ومستثمرين من البلدين، وتركزت المناقشات على تمويل المشروعات والشراكات الصناعية والنقل والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
5 مليارات دولار لتمويل المشروعات
برز التمويل كأحد أهم محاور الحصيلة، بعدما وقعت وزارة المالية السعودية و”بي بي آي فرانس لضمان الصادرات” بياناً مشتركاً لاستكمال الترتيبات التشغيلية لإنشاء خط ائتماني بقيمة أولية تصل إلى 5 مليارات دولار.
ويخصص الخط لتمويل وإعادة تمويل العقود الحالية والمستقبلية التي تنفذها شركات فرنسية في السعودية، مع التركيز على قطاعات البنية التحتية والتنمية العمرانية والنقل والرعاية الصحية.
تكمن أهمية الآلية في أنها لا ترتبط بصفقة واحدة، بل توفر إطاراً تمويلياً يمكن استخدامه في مجموعة من المشروعات على مدى سنوات، بما يمنح الشركات الفرنسية أدوات إضافية للمنافسة على العقود السعودية، وفي الوقت نفسه يوسع مصادر التمويل المتاحة للمشروعات التي تستهدفها خطط التنمية في البلاد.
ويأتي التفاهم ضمن مسار الربط بين مستهدفات “رؤية السعودية 2030” وخطة “فرنسا 2030″، في وقت تتجه العلاقات الاقتصادية إلى زيادة مشاركة الشركات الفرنسية في المشروعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي والبنية التحتية.
وفي مسار مواز، وقع صندوق التنمية الوطني مذكرة تفاهم مع بنك الاستثمار العام الفرنسي “بي بي آي فرانس”، لبحث فرص التمويل والاستثمار المشترك وتبادل الخبرات في التمويل التنموي وتطوير القدرات المؤسسية والبشرية، إلى جانب دعم مشاركة القطاع الخاص وتحويل فرص التعاون إلى استثمارات قابلة للتنفيذ.
3 مليارات دولار للكهرباء
وامتدت الحلول التمويلية إلى قطاع الكهرباء، من خلال اتفاق تعاون لدعم تطوير الشبكة السعودية وتوسعتها وتوفير التمويل للمشتريات ومشروعات البنية التحتية.
ويستند الاتفاق إلى مذكرة تفاهم وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وضعت إطاراً لتسهيل مالي تصل قيمته إلى 3 مليارات دولار لدعم برنامج المشتريات ومشروعات الشبكة، بما في ذلك المعدات المرتبطة باستقرارها.
وتتضمن آلية التعاون ترتيب التمويل بمشاركة بنكي “بي أن بي باريبا” و”أتش أس بي سي”، مع إمكانية توسيع قاعدة المؤسسات الدولية المشاركة في الإقراض.
ويأتي ذلك في وقت تشهد منظومة الكهرباء السعودية توسعاً يرتبط بنمو الطلب وربط مشروعات جديدة للطاقة المتجددة بالشبكة، مما يفتح مجالاً أوسع أمام الشركات والمؤسسات التمويلية الفرنسية في المعدات والتكنولوجيا والبنية التحتية.
“أرامكو” واتفاقات بـ3.7 مليار دولار
وفي الطاقة والصناعة، وقعت “أرامكو السعودية” اتفاقات شراء مع شركتي”فالوريك” و “أس أل بي” المعروفة سابقاً باسم “شلمبرجير” لتوريد مواد حفر آبار النفط والغاز والأنابيب الفولاذية المستخدمة في الحقول، بقيمة إجمالية تتجاوز 3.7 مليار دولار.
وتعطي العقود بعداً صناعياً للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، لارتباطها بسلاسل الإمداد والقدرات التشغيلية لقطاع الطاقة، فيما امتد التعاون في القطاع نفسه إلى التقنيات الرقمية.
ووقعت “أرامكو الرقمية” مذكرة تفاهم مع شركة “داسو سيستمز” الفرنسية للتعاون في الذكاء الاصطناعي وتقنيات التوأم الافتراضي الرقمي، ودراسة تطبيقاتها المحتملة في عمليات النفط والغاز.
وتجمع هذه الحزمة بين احتياجات قطاع الطاقة التقليدية والتحول الرقمي للصناعة، مما يعكس اتجاهاً أوسع نحو دمج المعدات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المشروعات المشتركة، بدلاً من حصر العلاقات في تجارة الطاقة أو عقود التوريد.
مليار يورو للنقل وميناء جدة ومترو الرياض
وحجز النقل والخدمات اللوجستية موقعاً بارزاً ضمن اتفاقات الزيارة، مع عقود ترتبط بمجموعتي “ألستوم” و”CMA CGM” الفرنسيتين تقترب قيمتها الإجمالية من مليار يورو (1.2 مليار دولار).
وتشمل الحزمة توفير قطارات إضافية لمترو الرياض وأعمالاً أخرى مرتبطة بشبكة النقل، بالتوازي مع توجه إلى تطوير قدرات محلية في قطاع السكك الحديد والنقل الحضري.
وفي النقل البحري، وقعت “CMA CGM” ومشغل الموانئ “ريد سي غيتواي تيرمنال” عقداً لتطوير محطة جديدة في ميناء جدة باستثمار يبلغ نحو 434 مليون يورو.
ويتضمن المشروع إنشاء أرصفة في المياه العميقة قادرة على استقبال أكبر سفن الحاويات، وإضافة طاقة مناولة سنوية تقدر بنحو 2.6 مليون حاوية نمطية.
وتنسجم هذه الاستثمارات مع خطط السعودية لتوسيع قطاع الخدمات اللوجستية والاستفادة من موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فيما يمنح تطوير ميناء جدة بعداً إضافياً للشراكة الفرنسية في البنية التحتية المرتبطة بالتجارة الدولية.
وامتد التعاون إلى قطاع الطيران، إذ وقع بنك التصدير والاستيراد السعودي مذكرة تفاهم ثلاثية مع مجموعة “السعودية” ومصرف “كريدي أجريكول” لترتيب حلول تمويلية لاستحواذ المجموعة على طائرات جديدة من “إيرباص”.
وبموجب التفاهم، يوفر بنك التصدير والاستيراد السعودي تغطية تأمينية لأخطار الائتمان المرتبطة بالصفقة، في نموذج يجمع بين التمويل المصرفي الدولي وأدوات ائتمان الصادرات السعودية، ويدعم خطط مجموعة “السعودية” لتحديث أسطولها وتوسيع قدراتها التشغيلية.
“القدية” تنقل الاستثمار السعودي إلى فرنسا
وفي الاتجاه المقابل للاستثمارات الفرنسية في السعودية، برزت مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة “القدية للاستثمار” مع الحكومة الفرنسية لاستكشاف تطوير وجهة ترفيهية جديدة في فرنسا.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن المشروع يستهدف إنشاء ثلاثة متنزهات ترفيهية في منطقة سيرجي – بونتواز، باستثمار محتمل يصل إلى 6 مليارات يورو، مع توقع توفير نحو 22 ألف فرصة عمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتمثل المذكرة بداية لتحديد نطاق المشروع ونموذجه التطويري وإطاره التعاقدي، على أن يخضع للمراحل التنظيمية والموافقات المطلوبة في فرنسا.
وتكتسب الخطوة أهمية باعتبارها استثماراً سعودياً كبيراً في الاقتصاد الفرنسي وفي قطاع غير تقليدي ضمن خريطة الاستثمارات الثنائية، كذلك تعكس انتقال الخبرات التي تطورها “القدية” داخل السعودية إلى سوق دولية.
ومن شأن تنفيذ المشروع بالحجم المعلن أن يمنح الاستثمار المتبادل ثقلاً أكبر في العلاقات الاقتصادية، إذ تصبح فرنسا إلى جانب كونها مصدراً للاستثمارات والخبرات والتكنولوجيا إلى السعودية، وجهة لاستثمارات سعودية واسعة في قطاعات جديدة.
الذكاء الاصطناعي والألعاب
واحتل الاقتصاد الرقمي والتقنيات الناشئة مساحة متقدمة في محادثات الزيارة، سواء عبر الاتفاقات المباشرة أو الاجتماعات التي عقدها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي عبدالله السواحه مع قيادات شركات عالمية في فرنسا.
وشملت الاجتماعات شركات تعمل في الألعاب والترفيه والتكنولوجيا مثل “Ubisof” و”Sony” و”Riot Games” و”Electronic Arts”، وتركزت على توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الألعاب والمحتوى الرقمي، وتنمية المواهب السعودية وتمكين المطورين وصناع المحتوى من تطوير تجارب وملكيات فكرية قادرة على المنافسة عالمياً.
كذلك بحث السواحه مع مجموعة “Thales” أمن تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات ونقل المعرفة، فيما شملت المحادثات توسيع حضور تقنيات الحوسبة الكمية في السعودية وربطها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويشير تنوع هذه المحادثات إلى اتجاه الرياض لاستقطاب المعرفة والبحث والتطوير إلى جانب الاستثمارات، بما يتماشى مع مساعيها لبناء صناعات محلية في الذكاء الاصطناعي والألعاب والتقنيات المتقدمة.
الصحة والثقافة والعُلا
واتسعت دائرة التعاون إلى الصحة، إذ وقعت السعودية وفرنسا مذكرة تفاهم تشمل الصحة العامة والأمن الصحي وحوكمة الأنظمة وجودة الرعاية وسلامة المرضى والاستجابة للطوارئ، إلى جانب الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير والتجارب السريرية والصناعات الدوائية.
وتستهدف المذكرة تبادل الخبرات وتطوير الشراكات بين المؤسسات الصحية، وتنمية القدرات والاستثمارات وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد والأمن الصحي والدوائي.
وفي الثقافة، أعلنت وزارة الثقافة السعودية إنشاء مركز ثقافي سعودي في باريس ليكون منصة للتعريف بالثقافة السعودية ودعم حضور الممارسين والمبدعين في فرنسا، فضلاً عن بناء شراكات بين المؤسسات الثقافية في البلدين.
كذلك اتفق الجانبان على تمديد الشراكة السعودية – الفرنسية في العُلا حتى عام 2035، لتشمل مجالات الآثار والتراث والثقافة والسياحة.
وتعد العُلا من أبرز نماذج التعاون القائم بين البلدين، إذ أسهمت الشراكة خلال السنوات الماضية في دخول شركات فرنسية إلى مشروعات سياحية وثقافية سعودية، وساعدت الوكالة الفرنسية لتطوير العُلا في إبرام أكثر من 170 عقداً للشركات الفرنسية وحشد نحو 1.6 مليار يورو.
قاعدة استثمارية آخذة في الاتساع
وتأتي الاتفاقيات الجديدة وفق قاعدة اقتصادية توسعت خلال الأعوام الماضية، إذ بلغ رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر في السعودية 16.3 مليار يورو (19 مليار دولار) في 2024، بأكثر من ضعف مستواه خلال خمسة أعوام، لتصبح فرنسا رابع أكبر مصدر للاستثمار المباشر إلى السعودية، وفق بيانات أعلنها وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف.
ويملك المستثمرون الفرنسيون أكثر من 650 ترخيصاً استثمارياً موزعة على 18 قطاعاً، بينما اتخذت 39 شركة فرنسية من الرياض مقراً إقليمياً لأعمالها.
وعلى مستوى التجارة، بلغ التبادل بين البلدين نحو 12 مليار دولار في 2025، بزيادة 43.8 في المئة مقارنة بعام 2021، فيما وصل إجمالي التجارة الثنائية خلال الفترة من 2021 إلى 2025 إلى نحو 53.7 مليار دولار، شكلت الصادرات السعودية 53.4 في المئة منها.
وتوفر هذه القاعدة تفسيراً لاتساع نطاق الاتفاقات الجديدة، إذ لم تعد الشراكة مرتبطة بقطاع واحد، وإنما أصبحت موزعة على الطاقة والتمويل والصناعة والنقل والتكنولوجيا والسياحة والصحة والثقافة.
وقال وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولان لوسكور إن الحضور الفرنسي في السعودية لم يعد يقتصر على بيع المنتجات والخدمات، وإنما يتجه بصورة أكبر نحو الإنتاج المشترك والاستثمار طويل الأجل، في توصيف يعكس التحول الذي أظهرته حصيلة الزيارة.
ومن خط ائتماني بقيمة 5 مليارات دولار وإطار تمويلي يصل إلى 3 مليارات للكهرباء، إلى اتفاقات طاقة بـ3.7 مليار دولار وعقود نقل تقارب مليار يورو واستثمار سعودي محتمل بـ6 مليارات يورو (7 مليارات دولار) في فرنسا، ترسم الاتفاقات الـ21 خريطة أوسع للمصالح الاقتصادية بين البلدين.
وتشير طبيعة هذه الحزمة إلى أن المرحلة المقبلة من العلاقات السعودية – الفرنسية ستكون أقل ارتباطاً بالصفقات المنفردة وأكثر اعتماداً على التمويل والاستثمار المتبادل والإنتاج والتكنولوجيا، بما يربط مشروعات “رؤية السعودية 2030” بصورة أوثق بقدرات الشركات والمؤسسات الفرنسية، ويفتح في المقابل مساحة أكبر أمام رأس المال والشركات السعودية داخل الاقتصاد الفرنسي.



