عالمي

الاختراق الصيني يهز أسهم التكنولوجيا الأميركية

دخل مؤشر “ناسداك 100” في بورصة نيويورك مرحلة التصحيح فعلياً، مع استمرار هبوطه منذ مطلع الأسبوع، وسط عمليات بيع كبيرة لأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى المسجلة على المؤشر، إذ ينهي المؤشر نحو شهر من الهبوط بنسبة تقارب 10 في المئة، وهي النسبة التي تعني دخوله مرحلة التصحيح، بحسب تقديرات السوق.

ومن بين الشركات التكنولوجية على المؤشر الأميركي، والتي شهدت هبوطاً كبيراً في أسهمها، شركات إنتاج الرقائق الإلكترونية، مثل “ميكرون” و”إيه إم دي” و”سان ديسك”، وعلى خطى “وول ستريت”، شهدت الأسواق الآسيوية هبوطاً حاداً أول من أمس الثلاثاء، مع وقف تداول مؤشر بورصة كوريا الجنوبية، إثر هبوطه بأكثر من 10 في المئة.

وهوى سهم شركة “إس كيه هاينكس” لإنتاج الرقائق الإلكترونية 15 في المئة، وكذلك أسهم شركة “سامسونغ” بما يفوق 10 في المئة، وكانت أكبر شركتين لإنتاج الرقائق الإلكترونية على مؤشر “كوسبي” قد شهدتا عمليات بيع كبيرة لأسهمهما، وهو ما تكرر في بورصة طوكيو أيضاً، وكذلك هبطت أسهم أكبر شركات إنتاج الرقائق التايوانية “تي إس إم سي” في بورصة تايبيه أول من أمس الثلاثاء، وأصاب فيروس الهبوط الأسواق الأوروبية كذلك.

أسباب عدة للهبوط

تعددت الأسباب التي ذكرها محللو الأسواق والاقتصاديون في شأن تخلص المستثمرين من أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، على رغم بياناتها الإيجابية خلال إفصاحات الربع الثاني التي نشهدها حالياً، وربط بعض المحللين عمليات الهبوط والبيع المكثفة لأسهم شركات التكنولوجيا، بخاصة شركات إنتاج الرقائق الإلكترونية، بزيادة المخاوف في شأن مئات مليارات الدولارات التي تقترضها شركات التكنولوجيا الكبرى للإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وتحديداً على بناء مراكز البيانات الكبرى، بينما ذهب آخرون إلى أن حركة السوق متأثرة بالتذبذب في أسواق الطاقة، نتيجة عودة الحرب الأميركية على إيران ثم توقفها المفاجئ، مما أدى إلى اضطراب سوق النفط والغاز، مشيرين إلى تأثر أسواق الأسهم والسندات عموماً باحتمالات رفع البنوك المركزية أسعار الفائدة، مع توقعات ارتفاع معدلات التضخم.

أما التحليل الغالب لدى الاقتصاديين وشركات الاستشارات فهو أن السوق، بصورة أو أخرى، وصلت إلى مرحلة كان لا بد فيها من التصحيح، بعد المغالاة في أسعار الأسهم وتقييم الشركات، بخاصة التكنولوجية الكبرى التي تعمل في الذكاء الاصطناعي، بمعدلات تتجاوز عشرات أضعاف العائدات المتوقعة، ووسط المخاوف من عدم تحقق تلك العائدات بهذه النسب، يجري التصحيح بالهبوط في أسعار الأسهم الناجم عن البيع المكثف، لتصبح قيمة الشركات بمضاعفات معقولة للعائدات المستقبلية.

وبين سطور كل تلك التحليلات والتعليقات تجد ذكراً للصين، غالباً لتطور قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني كأحد العوامل المتعددة وراء هبوط أسهم الشركات الأميركية والغربية، وتراجع مؤشرات الأسواق المسجلة عليها تلك الشركات.

وشهدت البورصة الصينية، مطلع هذا الأسبوع، الطرح الأولي لأسهم شركة “سي إكس إم تي” لرقائق الذاكرة، لتصبح أكبر شركة تحقق ارتفاعاً في قيمتها لدى الطرح الأولي لأسهمها، وتجمع نحو 9 مليارات دولار من السوق، وارتفعت أسهم الشركة الصينية المقدرة عند الطرح بنسبة تقارب 500 في المئة، في سابقة للسوق الصينية.

كذلك أطلقت شركة “مونشوت إيه آي” الصينية نموذجاً جديداً للذكاء الاصطناعي يضاهي النماذج المتقدمة لشركة “أنثروبيك” الأميركية، مما جعل المستثمرين في القطاع في حال أقرب إلى الذعر، من أن منتجات الذكاء الاصطناعي الصينية، ببرامجها المفتوحة وكلفتها الأقل بكثير من منتجات نظيرتها الأميركية، تعني أن توقعات العائدات والأرباح لاستثماراتهم غير مضمونة.

الاختراق الصيني

نشرت مجلة “إنفورميشن” لأخبار التكنولوجيا، مطلع الأسبوع، تقريراً عن نجاح شركة صينية مدعومة من الدولة في إنتاج ماكينات طباعة الرقائق الإلكترونية التي يحتاجها قطاع الذكاء الاصطناعي، وعلى الفور، هوت أسهم شركة “إيه إس إم إل” الهولندية التي تحتكر تقريباً تكنولوجيا تلك الماكينات، التي يصل سعر الواحدة منها إلى أكثر من 200 مليون يورو (228 مليون دولار)، ثم انتشرت حمى بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية وشركات صناعة الرقائق الإلكترونية الغربية، من أميركا إلى اليابان مروراً بكوريا الجنوبية وتايوان، وهذا الاختراق الصيني في صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي يعني أن بكين كسرت الاحتكار الغربي والهيمنة الأميركية على القطاع، ويمكن أن تبيع تكنولوجيا ماكينات صناعة الرقائق لأي طرف، مما يعني تنافسية لا نهائية تضر بشدة بالعائدات المتوقعة لشركات كبرى، مثل “إنفيديا” و”أوبن أيه آي” و”أنثروبيك” وغيرها.

ومع استعداد الإدارة الأميركية حالياً لتجديد الحظر على بيع الرقائق المتطورة وتكنولوجيا صناعتها للصين، لا يبدو أن ذلك الحظر سيكون له أي تأثير في حماية الشركات الأميركية، إذا كانت الصين بدأت بالفعل إنتاج ماكينات صناعة الرقائق، إذ تكمن أهمية هذا الاختراق الصيني الأخير في جعله الجهود الأميركية لحصار تقدم الصين تكنولوجياً، وتحديداً في مجال الذكاء الاصطناعي، غير مجدية، منذ أن بدأ هذا الحصار على الصين في هذا المجال مع إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2022.

ولم تكتفِ إدارة بايدن بالحظر على التصدير إلى الصين، بل ضغطت على حلفائها، ومنهم هولندا، لوقف إمداد الصين بالتكنولوجيا اللازمة لإنتاج الرقائق الإلكترونية، وفي عام 2024 استجابت شركة “إيه إس إم إل” الهولندية، وتوقفت عن إمداد الصين بالتحديثات البرمجية للماكينات التي كانت باعتها لبكين، إضافة إلى التوقف عن بيع الصين أية ماكينات حديثة.

سباق صيني غربي على الرقائق

تحتكر شركة “إيه إس إم إل” الهولندية إنتاج أهم آلة في صناعة الرقائق الإلكترونية الدقيقة المتقدمة، بخاصة تلك المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي الماكينات التي تقوم بعملية “إي يو في” (EUV) للطباعة على شريحة السليكون، التي تمثل هيكل الرقائق الإلكترونية، وزبونها الأول هو الشركة التايوانية العملاقة لأشباه الموصلات “تي إس إم سي”، وتستخدم الأشعة فوق البنفسجية عالية التردد لطباعة أصغر شبكات الموصلات الدقيقة على الإطلاق لصناعة أقوى الرقائق الإلكترونية، وتحتاج تلك الآلات إلى عمليات صيانة دورية وتحديث لأنظمة تشغيلها، تقوم بها الشركة الهولندية التي تصنعها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وضمن تلك العملية، أي الصيانة وتحديث برامجها، هناك طريقة تشبه ما نعرفه بمفتاح التشغيل والإغلاق، تمكن الشركة في هولندا من تعطيل الآلة، سواء في تايوان أو لدى شركة “إنتل” أو “إنفيديا” أو غيرها، وكانت الصين قد تحسبت باكراً لاحتمالات انضمام هولندا إلى العقوبات الأميركية، وخزنت ما يكفي من معدات تصنيع الرقائق وقطع غيارها، إضافة إلى إلغاء التدخل عن بُعد في تحديثها، باللجوء إلى التشغيل اليدوي لذلك (Override) في حالات الصيانة.

وفي ذلك الوقت، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز”، نقلاً عن مصادر قريبة من عملية الإنتاج الصينية، أن شركة “إس إم آي سي” لإنتاج الرقائق على وشك البدء في إنتاج الرقائق المتقدمة التي صممتها شركة تابعة لشركة “هواوي”، على رغم كل تلك القيود والعقوبات الأميركية والغربية، أي في عام 2024.

أهمية إنتاج الصين ماكينة طباعة الرقائق

ولا تقتصر أهمية الاختراق الصيني الجديد، بإنتاج شركة “يوليانغشنغ”، ومقرها شنغهاي، لماكينة طباعة الرقائق بالأشعة فوق البنفسجية، على قطاع صناعة الرقائق الإلكترونية في الصين، وتطور الذكاء الاصطناعي في البلاد، وإنما الخطر الحقيقي الذي يخشاه المستثمرون الغربيون هو بيع الصين تلك الآلات لأي مشترين خارج نطاق الاحتكار الأميركي والغربي، وهو ما هوى بأسهم شركات مثل “سان ديسك” و”إس كيه هاينكس”.

وبغض النظر عما سنسمع ونقرأ عن “سرقة الصين لتكنولوجيا الشركة الهولندية”، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية لتكنولوجيا صناعة الرقائق الإلكترونية، فإن الواقع أن الصين أصبحت تعتمد على نفسها، من دون حاجة إلى استيراد الماكينات أو التكنولوجيا الأميركية والغربية، وكما هو الحال مع المنتجات الصينية، بخاصة التكنولوجية منها، فهي مفتوحة المصدر بما يسمح بالوصول إلى الجذر التكنولوجي لها من قبل أي مشتر يحصل عليها، لذا يلجأ كثر إلى شراء المنتجات الصينية لهذا السبب، فإضافة إلى رخص الثمن لا يوجد ارتباط مستمر ودفع كلفة إضافية دائمة للشركة المالكة للمنتج، كما يحدث مع الشركات الأميركية والغربية، وهو ما جعل المستثمرين حول العالم، في شركات التكنولوجيا الأميركية والغربية، بخاصة شركات صناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، يتخلون عما لديهم من أسهمها، ولذلك هوت المؤشرات.

وفي النهاية، لا يمكن وقف ذلك التطور الصيني، ليس في سياق تنافسه مع الولايات المتحدة وحسب، وإنما في انتشار تلك التكنولوجيا وإمكان حصول دول أخرى في آسيا وغيرها عليها مباشرة من الصينيين، من دون قيود أو حظر كالذي تفرضه أميركا وغيرها.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى