عالمي

جرس إنذار للاقتصاد الفرنسي: النمو يتباطأ والاستثمار ينكمش

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

ولى زمن “الصمود الاقتصادي” الذي كثيراً ما تباهت به الحكومات الفرنسية خلال الأزمات المتلاحقة، ففي هذه المرة يرزح الاقتصاد الفرنسي تحت وطأة ضغوط شديدة، على النقيض من جيرانه الأوروبيين.

معدلات الاستهلاك لا تزال متدنية، والقدرة الشرائية في تراجع، والاستثمارات شبه متوقفة، في حين يتصاعد كل من التضخم والبطالة.

باختصار، لا شيء يسير على ما يرام وفقاً للتشخيص الذي قدمه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (العمومي) في تقريره حول الوضع الاقتصادي لموسم الخريف، الذي يحمل عنوان “حال تأهب برتقالية في شأن النمو”.

إعلان

بدلاً من نسبة النمو السنوي البالغة 0.7 في المئة التي كانت متوقعة في يونيو (حزيران) الماضي، بل وحتى 0.9 في المئة في التقديرات الأولية، لن تتجاوز نسبة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي 0.4 في المئة بحلول نهاية العام الحالي، أي نصف المعدل المسجل عام 2025 حين بلغ النمو 0.9 في المئة.

وأبدى المعهد الوطني للإحصاء، الذي كان يراهن، شأنه شأن الحكومة، على نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.7 في المئة خلال العام، تفاؤلاً أقل بكثير في تقريره الفصلي حول الوضع الاقتصادي. ويعزى ذلك بصفة خاصة إلى الأرقام الضعيفة المسجلة في النصف الأول من العام، إذ شهد الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً بنسبة 0.2 في المئة في الربع الأول، واستقراراً في الربع الثاني عند مستوى صفر في المئة، مقترباً من الركود.

“على عكس جيرانه، تراجع أداء الاقتصاد الفرنسي، فخلافاً لبقية أوروبا، شهد النشاط الاقتصادي انخفاضاً خلال فصل الشتاء وظل راكداً في الربيع. إنها مفاجأة لم نكن نتوقعها”، هكذا صرح رئيس قسم الظرفية الاقتصادية في المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية دوريان روشيه.

ويشير المعهد إلى أن النشاط الاقتصادي سجل “أرباعاً قوية” في ألمانيا، بواقع 0.4 في المئة في الربع الأول و0.3 في المئة في الثاني، وحافظ على وتيرته في إيطاليا، بواقع 0.3 في المئة و0.2 في المئة، وواصل نموه القوي في إسبانيا، بواقع 0.6 في المئة و0.7 في المئة، واتسم بالديناميكية في المملكة المتحدة، بواقع 0.6 في المئة و0.4 في المئة.

جميع المحركات تعاني

في المقابل، بدا أداء فرنسا باهتاً، إذ تعاني جميع محركات الطلب المحلي من التعثر، بحسب ما يضيف المعهد الوطني، فالاستهلاك الخاص يتسم بالركود، والاستهلاك العام ينمو بوتيرة أبطأ مقارنة بألمانيا وإسبانيا، والاستثمار مثقل بعبء تراجع الاستثمار العام المرتبط بدورة الانتخابات البلدية في فرنسا.

ويطرح المعهد أربعة أسباب رئيسة لهذا التراجع الفرنسي، ومن بينها الانعكاس الحاد في نشاط الأشغال العامة، وتأثير موجات الحر في الاقتصاد، لا سيما قطاع الزراعة، الذي كان أشد وطأة مما هو عليه في الدول الأوروبية الأخرى، إذ قدر الأثر بنحو 0.1 نقطة مئوية من معدل النمو السنوي.

يضاف إلى ذلك سوق عمل أكثر تدهوراً مقارنة ببقية أنحاء أوروبا، حيث ترتفع معدلات البطالة وتتسم الأجور بضعف الديناميكية، فضلاً عن دفع مالي أقل إيجابية ناجم عن تدهور المالية العامة.

ومع ذلك، أشار دوريان روشيه إلى أن فرنسا “ستعود لتحقيق نمو متواضع بحلول نهاية العام، وإن كان هذا النمو من ناحية المتوسط السنوي سيظل بمعدل يقل ثلاث مرات عما يسجله جيرانها في منطقة اليورو أو المملكة المتحدة”.

وتوقع المعهد في تقريره حول الوضع الاقتصادي نمواً بنسبة 0.1 في المئة في الربع الثالث و0.2 في المئة في الربع الرابع.

ضغوط متضافرة

من المتوقع أن يواصل معدل التضخم ارتفاعه ليصل إلى 2.9 في المئة بنهاية العام، مقارنة بـ2.4 في المئة في أغسطس (آب) الماضي، مدفوعاً بشكل خاص بارتفاع موقت في أسعار الخضراوات الطازجة.

ونتيجة لذلك، يتوقع أن تشهد القدرة الشرائية للفرنسيين تراجعاً بنسبة 0.4 في المئة على مدى العام، وذلك تحت تأثير انخفاض معدلات التوظيف ومفاجأة التضخم.

ومن المنتظر أن يبلغ معدل الادخار 17.3 في المئة من إجمال الدخل، مقابل 17.8 في المئة عام 2025، مواصلاً بذلك تراجعه بعدما كان قد بلغ ذروته عام 2024.

ويرجح أن تعود استثمارات الشركات إلى المنطقة السلبية عام 2026، بانكماش قدره 0.3 في المئة، وكذلك استثمارات الأسر بنسبة 1.3 في المئة. وفي ظل هذا المشهد الذي وصف بالكئيب، يشير المعهد الوطني، مع ذلك، إلى بقاء بعض حالات عدم اليقين المتعلقة بتأثيرات موجة الحر في النشاط الاقتصادي في الربع الثالث أو تطورات الوضع في الشرق الأوسط.

ويصف المتخصصون فرنسا بأنها أصبحت الدولة الأقل أداء في أوروبا، إذ يرزح الاقتصاد الفرنسي تحت وطأة ضغوط متضافرة تشمل تدهور المالية العامة، وضعف سوق العمل، وعوامل مناخية مثل موجات الحر الشديدة التي كبدت القطاع الزراعي خسارة تعادل 0.1 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، مما أدى إلى حال من الركود الاقتصادي في وقت تشهد فيه الدول المجاورة تعافياً ونمواً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير الاقتصادي عضو معهد “ريكسكود”، أنتوني مورليه لافيدالي، إلى “وجود سمة فرنسية خاصة، ففي حين تؤثر الصدمات الدولية، مثل الحرب في الشرق الأوسط وأسعار الطاقة، في أوروبا بأكملها بصورة متماثلة، ونجد أن الدول المجاورة تحقق أداء أفضل بكثير، على غرار إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، فإن فرنسا لم يعد لديها كثير من المحفزات الاقتصادية، أما عملية التعافي السريع للمؤشرات في ظل هذه الظروف فهي معقدة للغاية، إن لم نقل مستحيلة”.

وينبه رئيس قسم تحليل الظرفية الاقتصادية، كليمان بورتولي، إلى أن عودة التضخم للارتفاع، والمتوقع أن يبلغ 2.9 في المئة بنهاية العام، بدأت لتوها تؤخذ في الاعتبار ضمن مفاوضات الأجور، ولا تزال موازين القوى غير مواتية للعمال، وذلك بسبب التحول السلبي في وضع سوق العمل.

في حين اعتبر الاقتصادي جمال بن جميع عنوان تقرير معهد الإحصاء “لافتاً وغير معتاد”، وهو “حال تأهب برتقالية في شأن النمو”. وتعد موجة الحر أحد أسباب هذا التراجع، بسبب تأثيرها في القطاع الزراعي، غير أنها لا تكفي لتفسير الركود الفرنسي، فإسبانيا وإيطاليا وألمانيا لا تعيش بالتأكيد في كوكب مناخي مختلف.

وذكر بن جميع أن “المعهد يقوم بانتظام بمقارنة أداء فرنسا بالاقتصادات الأوروبية الكبرى الأخرى ضمن تقاريره حول الظرفية الاقتصادية. وما يثير الانتباه اليوم ليس المقارنة بحد ذاتها، بل التغير الذي طرأ على ترتيب فرنسا”.

فرنسا صامدة نسبياً

على سبيل المثال في مارس (آذار) 2023 أجرى مقارنة بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وبدت فرنسا آنذاك صامدة نسبياً، إذ سجل ناتجها المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 0.1 في المئة في الربع الرابع من عام 2022، في حين شهد الاقتصاد الألماني انكماشاً بنسبة 0.4 في المئة والإيطالي بنسبة 0.1 في المئة، بل إن المعهد أشار إلى أن القطاع الصناعي الفرنسي كان أقل تضرراً مقارنة بنظيره في بعض الدول المجاورة.

وتكرر المشهد ذاته في مطلع عام 2024، إذ ذكر المعهد أن فرنسا وإيطاليا تشهدان وضعاً متقارباً، في حين كان “المحرك الألماني” يواجه صعوبة في استعادة زخمه، بينما تميزت إسبانيا بقوة أدائها. وعلى مدى عام 2023 بأكمله بلغ معدل النمو 1.1 في المئة في فرنسا، مقابل واحد في المئة في إيطاليا، وصفر في المئة في ألمانيا، و2.5 في المئة في إسبانيا، لكن برزت إشارة أكثر إثارة للقلق في 2024، إذ رصد المعهد أن الإنتاجية في فرنسا قد تراجعت بنسبة 3.1 في المئة مقارنة بعام 2019، وهو انخفاض يفوق نظيره في ألمانيا، وهو 1.6 في المئة، في حين أظهرت الإنتاجية صموداً في كل من إسبانيا وإيطاليا.

وهنا يكمن الجانب اللافت في مذكرة سبتمبر (أيلول) الجاري، فالأمر لا يتعلق بمجرد مقارنة أولى، بل ربما تكون هذه إحدى المرات التي تتحول فيها المقارنة ذاتها إلى تشخيص للوضع، فعلى مدى أعوام كان بوسع فرنسا القول “صحيح أن وتيرة نمونا تتباطأ، لكن ألمانيا تعاني أكثر”، غير أن هذا العزاء النسبي يتلاشى حين تجد فرنسا نفسها عند مستوى 0.4 في المئة، بينما تتسارع وتيرة النمو لدى جيرانها.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى