عالمي

هل تواجه فرنسا كارثة اقتصادية وسط صعود اليمين؟

تترقب الأسواق بحذر بالغ ما يجري في فرنسا منذ أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة جديدة بعد الفوز الكبير لليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي.

إلى ذلك، تشير استطلاعات الرأي التي يتابعها المستثمرون والمحللون والاقتصاديون باهتمام شديد إلى أن كتلة الوسط للرئيس ماكرون ستخسر الانتخابات المقبلة، بل ربما يأتي اليمين المتطرف في مقدمة النتائج يليه اليسار المتشدد.

في كل الأحوال، أياً كانت نتيجة الانتخابات، فإن فرنسا تبدو مقبلة على أزمة اقتصادية تصل ربما إلى حد “الكارثة”، كما وصفها وزير المالية الحالي برونو لومير، إذ قال أمام أعضاء حزبه “إذا تمكن حزب التجمع الوطني (اليمين المتطرف) من تطبيق برنامجه فإن أزمة دين عام واردة جداً، وهناك احتمال أن نشهد سيناريو مماثلاً لما حدث مع ليز تراس”، في إشارة

إلى انهيار سوق السندات البريطانية عام 2022 عقب إعلان حكومة ليز تراس التي بقيت في السلطة ستة أسابيع فقط، عن موازنة استثنائية تتضمن خفضاً كبيراً للضرائب وإجراءات أخرى لا تمولها العائدات.

وعلى الفور شهدت الأسواق عمليات بيع مكثفة لسندات الدين السيادي البريطانية، مما أدى إلى ارتفاع هائل في العائد عليها وانهيار قيمتها، واضطر بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) إلى التدخل لتهدئة سوق السندات، حتى سقطت حكومة تراس، بينما يحاول خلفها رئيس الوزراء الحالي ريشي سوناك ووزير ماليته جيريمي هانت منذ ذلك الحين استعادة الثقة بالاقتصاد البريطاني.

أزمة ثقة

وتتركز مخاوف الأسواق على تدهور ثقة المستثمرين بالاستراتيجية والسياسة الاقتصادية الفرنسية، بغض النظر عن نتائج الانتخابات العامة ومن يفوز فيها، إذ تعد ضربة قوية لحكومة ماكرون التي تحاول جاهدة تقديم صورة إيجابية عن الوضع الاقتصادي الفرنسي.

ولا يقتصر التحدي الانتخابي لماكرون الآن على اليمين المتطرف، بل إن المنافسة تأتي أيضاً من اليسار المتشدد، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم “الجبهة الشعبية الجديدة” على حساب كتلة ماكرون.

وفور إعلان الرئيس الفرنسي عن انتخابات جديدة شهدت سوق السندات الفرنسية عمليات بيع مكثفة، رفعت العائد على السندات السيادية متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات إلى 3.33 في المئة، وخفضت مؤسسة التصنيف الائتماني العالمية “ستاندرد أند بورز” الأسبوع الماضي تصنيف الدين الفرنسي إلى) (AA- لتضيف إلى تدهور صورة الوضع المالي.

في غضون ذلك، حذر محافظ البنك المركزي الفرنسي فرانسوا فيلروي ديغالو من أن البلاد في حاجة إلى توضيح خطط الإنفاق المستقبلية بأسرع ما يمكن، وقال في مقابلة مع إذاعة “راديو كلاسيك” إنه “من المهم أياً كانت نتيجة الانتخابات أن تتمكن فرنسا من توضيح استراتيجيتها الاقتصادية بسرعة، خصوصاً في ما يتعلق بالموازنة”، موضحاً أنه “غالباً ما تشهد فترات الانتخابات اضطراباً وعدم يقين”، واستدرك “لكن المستثمرين لا يحبون عدم اليقين”.

في الوقت نفسه، نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن كبير مديري الاستثمار في شركة “بيمكو” العملاقة للاستثمار في سندات الدين أندرو بولز أنه “حين ننظر إلى مؤشرات الدين الفرنسي نجد أن مسألة العجز في الموزانة في غاية الأهمية، وإذا أضفنا إليها عدم اليقين السياسي لا نستغرب زيادة الأخطار على سندات الدين”، معتبراً أن الأسواق تسعر الأخطار بصورة محددة.

يذكر أن العجز في موزانة فرنسا بلغ حدوداً كبيرة عند 5.5 في المئة العام الماضي 2023، متجاوزاً بكثير حدود العجز المقبولة التي تضعها المفوضية الأوروبية عند نسبة ثلاثة في المئة.

ومن شأن أي تيار يفوز في الانتخابات أن يرفع نسبة العجز، إذ تلجأ الحكومة إلى مزيد من الاقتراض لسد الفجوة نتيجة خطط الإنفاق العام التي تشير إليها وعود القوى المختلفة المشاركة في الانتخابات.

إنفاق بالاقتراض

وبالنظر إلى خطط وسياسات اليمين المتطرف واليسار المتشدد المعلنة من قبل يتضح أن الوعود الانتخابية مليئة ببرامج الإنفاق العام التي تفتقر إلى التمويل من دون زيادة العجز(تمويلها بالاقتراض وزيادة الدين العام إلى مستويات هائلة).

وكما تتوقع الاقتصادية في بنك “باركليز” سيلفيا أرداغنا فإن “الأمر يعتمد على هل ستوفق الحكومة المقبلة الأوضاع أم تشط في تصرفاتها؟، موضحة أنه “إذا تصرفت بشطط، فسيكون هناك انهيار هائل”.

إلى ذلك، لم يعلن “التجمع الوطني” برنامجه الاقتصادي بعد، إذ يقول إنه سيكشف عنه قرب يوم التصويت، واستغل رئيس الحزب جوردان بارديلا الذي يسعى إلى أن يكون رئيس الحكومة المقبل، ذلك في الإيحاء بإمكان التراجع عن بعض خطط الإنفاق.

يذكر أن زعيمة التجمع السابقة ماري لوبن خاضت الانتخابات الرئاسية العام قبل الماضي 2022 على أساس وعود إنفاق بلغت قيمتها أكثر من 100 مليار يورو (107.5 مليار دولار)، معظمها يستهدف تخفيف عبء كلفة المعيشة على المواطنين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الآن، فيقول بارديلا إن “أولوية حزبه هي خفض ضريبة القيمة المضافة على الطاقة والوقود، مما يكلف الموزانة نحو 17 مليار يورو (18.3 مليار دولار)، ويعد اليمين المتطرف في حال فوزه بإلغاء رفع سن التقاعد الذي أقره ماكرون والعودة للتقاعد عند عمر 62 سنة بدلاً من 64 سنة حالياً، إضافة إلى عدد من الأولويات الاقتصادية التي يعد بها الحزب الناخبين والتي تبلغ كلفتها مليارات الدولارات، إذ يفيد الحزب بأنه سيموّل تلك البرامج من خلال إجراءات عدة، من بينها خفض مساهمة فرنسا في موزانة الاتحاد الأوروبي بنحو ملياري يورو (2.15 مليار دولار)، إلا أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى خفض بروكسل لمدفوعات الاتحاد السنوية لفرنسا.

وسبق أن أعلن “التجمع الوطني” أنه سيوفر ما يصل إلى 9 مليارات يورو (9.68 مليار دولار) من خلال خفض عدد المهاجرين وإلغاء بعض مدفوعات الرعاية الاجتماعية والصحية للأجانب في فرنسا، ومن الإجراءات التي يعتبرها المحللون مجرد طريقة للتغطية على حقيقة أن الحزب لا يعرف كيف سيموّل برامج الإنفاق، مكافحة الفساد والتهرب الضريبي.

ويقدر الحزب بأن ذلك يمكن أن يوفر 15 مليار يورو (16 مليار دولار)، إلا أن اقتصاديين يشككون في تلك الأرقام، معتبرين أنها مجرد وعود ومزايدات.

خفض الضرائب

ربما يكون من بين سياسات اليمين البارزة السعي إلى خفض الضرائب وتقليل الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والصحية، وتلك سياسات إذا لم تكُن كلفتها متوافرة تعني مزيداً من الدين العام وعجز الموازنة، لكن التنافس الانتخابي يجعل القوى الأخرى تعد أيضاً بإجراءات ربما لا تحل مشكلة فرنسا الاقتصادية بل تزيدها تعقيداً.

على أية حال، تتفق “الجبهة الشعبية الجديدة” اليسارية مع “التجمع الوطني” اليميني في وعدها بإعادة سن التقاعد إلى 62 سنة، وإن كان بعض اليساريين الأكثر تشدداً يريدون إعادته إلى 60 سنة، إلا أن اليسار المتشدد يريد أيضاً رفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد لتساوي الحد الأدنى للأجور. ويمكن أن يكلف ذلك الموازنة الفرنسية 25 مليار يورو (26.8 مليار دولار).

وبحسب ما ذكرته المرشحة الاشتراكية عن الجبهة والمتحدثة الاقتصادية باسمها سابقاً فاليري رابول في مقابلة مع صحيفة “ليزيكو” الفرنسية أن “برامج الإنفاق لليسار المتشدد ستصل إلى 106 مليارات يورو (114 مليار دولار)، في المقابل يرى كثير من الاقتصاديين (بمن فيهم يساريون) ذلك الرقم أقل بكثير من المتوقع بحسب برامج الإنفاق التي يعد بها اليسار.

أما المصدر الأول لتمويل برامج الإنفاق تلك فهي غالباً الضرائب، وتلك الحجة التي يستخدمها اليمين المتطرف وكتلة الرئيس ماركون لانتقاد إدارة اليسار المتشدد للاقتصاد.

وفي كل الأحول، تظل هذه الفترة فترة “سيولة” واضطراب للوضع الاقتصادي للبلاد تجعل الأسواق في حال “عصبية”، وبغض النظر عن الفائز في الانتخابات المقبلة فإن الشعور العام السائد في الأسواق وبين المستثمرين هو بأن فرنسا تتجه نحو مزيد من العجز وربما أزمة ديون حادة تنذر بكارثة.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى