اشتعال تاريخي لفوائد الديون الفرنسية وزيادة حائزيها من الأجانب

شهد النصف الأول من العام ارتفاعاً حاداً بنسبة 19 في المئة في قيمة الفوائد التي سددتها فرنسا للدائنين، لتصل إلى 34.5 مليار يورو (39.6 مليار دولار). ويبدو أن فرنسا قد انزلقت إلى دائرة مفرغة تجمع بين ضعف النمو وتزايد كلفة الدين، وسط خطر خروج الوضع عن السيطرة.
الخميس الماضي، تولت الخزانة الفرنسية، المسؤولة عن إدارة الديون الفرنسية نيابة عن الدولة، مهمة اقتراض مبلغ يراوح ما بين 10.5 مليار يورو (12 مليار دولار) و12.5 مليار يورو (14.3 مليار دولار) على المدى الطويل. وخلال هذه العملية، أظهر المستثمرون والبنوك إقبالاً قوياً مجدداً، إذ أبدوا استعداداً لإقراض مبالغ تفوق بـ2.7 مرة القيمة المستهدفة، مما مكن الخزانة من جمع الحد الأقصى المقرر.
لكن بأي ثمن؟
بالنسبة إلى السندات الحكومية الطويلة الأمد لأجل 10 أعوام، اضطرت فرنسا إلى الالتزام بدفع فائدة سنوية قدرها 3.9 في المئة، وهي واحدة من أعلى المعدلات المسجلة في الأعوام الـ15 الماضية.
وإن لم تسجل فرنسا تعثرات في السداد، فإن معدلات الفائدة تتزايد باستمرار، ومعها يتصاعد تساؤل ملح: هل ثمة خطر من تضخم الدين الذي يأخذ شكل كرة ثلج، نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة لتتجاوز معدل النمو الذي لم يزد على 0.2 في المئة في الربع الثاني من العام؟
في سيناريو كهذا ستخرج المديونية عن السيطرة وتتفاقم ذاتياً، إذ سيضطر البلد إلى الاستدانة أكثر فأكثر لمجرد سداد فوائد القروض السابقة وتغطية الديون القديمة.
وتكلف أعباء الدين 5.3 مليار يورو (6.09 مليار دولار) إضافية مقارنة بالعام الماضي، فقد قفزت أعباء ديون الدولة بنسبة 18.3 في المئة بين يونيو (حزيران) 2025 ويونيو الماضي، وفقاً لوثيقة نشرتها وزارة الاقتصاد والمالية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى خفض العجز العام.
وارتفعت هذه الأعباء من 29.2 مليار يورو (33.5 مليار دولار) خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025 إلى 34.5 مليار يورو (39.6 مليار دولار) في الفترة نفسها من عام 2026.
وتوضح الوزارة في بيان لها أن هذه الزيادة في أعباء الديون “مرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة”، إذ شهدت هذه الأسعار ارتفاعاً حاداً في مطلع العام بسبب التضخم الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى صعود صاروخي في سعر برميل النفط.
الاقتراض عند أعلى مستوياته منذ 2009
وبلغ معدل الاقتراض الفرنسي أعلى مستوى له منذ عام 2009، إذ تجاوز سعر الفائدة على السندات لأجل 10 أعوام حاجز الـ4 في المئة في سوق السندات، مع تداول إصدارات الديون السابقة.
ويعني هذا أن فرنسا قد تضطر، عند إصدار سندات جديدة مستقبلاً، إلى الاقتراض بأسعار فائدة تحوم حول أربعة في المئة.
وبخصوص أسعار الفائدة، وصف الاقتصادي مارك التواتي ارتفاعها بأنه يعكس انعدام ثقة مستمراً تجاه الدين الفرنسي.
واستقر سعر الفائدة على الدين الفرنسي لأجل 10 أعوام عند مستوى 3.95 في المئة في مطلع أغسطس (آب) الجاري، بعدما بلغ 4.24 في المئة في الـ23 من يوليو الماضي.
ويشير التواتي إلى أن “هذا المعدل لم يواكب تراجع أسعار النفط الملاحظ منذ بداية يوليو، وهو ما يعكس علاوة أخطار خاصة بفرنسا، بدلاً من كونه أثراً آلياً مرتبطاً بقطاع الطاقة”.
أما سعر الفائدة لأجل 30 عاماً، فيراوح ما بين 4.6 في المئة و4.7 في المئة، وهو مستوى يضاهي أعلى المعدلات المسجلة منذ سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) من عام 2008.
وفي الوقت نفسه يظل فارق سعر الفائدة مع ألمانيا عند مستوى 80 نقطة أساس تقريباً، وقد تساوى المعدل الفرنسي مع نظيره الإيطالي، في حين تقترض بقية الدول الكبرى في منطقة اليورو بشروط أكثر ملاءمة مقارنة بفرنسا.
وتستخدم عمليات الاقتراض هذه لتمويل العجز العام وتمويل الدين العام الذي يمثل 117 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يزيد على 3500 مليار يورو (4025 مليار دولار).
وسجلت موازنة الدولة عجزاً قدره 106.8 مليار يورو (122.8 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام، بزيادة قدرها 6.4 مليار يورو (7.3 مليار دولار) مقارنة بنهاية يونيو 2025، وهي فجوة تتسع بمقدار يوازي تقريباً قيمة أعباء الدين.
وأصبحت “أعباء” الدين، أي الفوائد المدفوعة للدائنين، البند الأكبر في موازنة الدولة، متجاوزة بذلك موازنة التعليم.
ومن المتوقع أن تبلغ هذه الأعباء 64 مليار يورو (73.6 مليار دولار) عام 2026، مع احتمالية ارتفاعها لتصل إلى 100 مليار يورو (115 مليار دولار)، وذلك وفقاً لتوقعات وزير الاقتصاد رولان ليسكور في أواخر يونيو.
بداية متعثرة لجهود كبح العجز
تسعى الحكومة إلى حصر العجز العام، أي رصيد حسابات الدولة والضمان الاجتماعي والإدارات المحلية، عند مستوى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة بـ5.1 في المئة في العام الماضي. وهي نسبة كانت ثاني أعلى معدل في منطقة اليورو بعد بلجيكا، التي سجلت 5.2 في المئة.
غير أن الأمور لا تبدو واعدة، وهو ما أقر به وزير الاقتصاد رولان ليسكور في مطلع يوليو الماضي، في حين أعرب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن عدم تفاؤله، مشيراً إلى أسعار الطاقة والحرب في الخليج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير وزارة الاقتصاد والمالية إلى أنه بحلول الـ30 من يونيو، بلغت نفقات الموازنة العامة، من دون احتساب عمليات استرداد الضرائب والإعفاءات الضريبية الحكومية، 240.5 مليار يورو (276.5 مليار دولار)، مقارنة بـ228.1 مليار يورو (262.3 مليار دولار) في نهاية يونيو 2025، أي بزيادة قدرها 12.4 مليار يورو (14.26 مليار دولار).
ومع ذلك، ارتفعت الإيرادات بين النصف الأول من عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، من 177.9 مليار يورو (204.5 مليار دولار) إلى 184.6 مليار يورو (212.2 مليار دولار).
فرنسا بمنأى عن التخلف عن السداد
“يقلص النمو الاقتصادي المتعثر الإيرادات الضريبية، في حين يؤدي تضخم الدين العام إلى زيادة أعباء الفوائد الواجب سدادها. وتحد هذه الظاهرة المزدوجة من حيز المناورة المالي المتاح للدولة وتبقي على حلقة مفرغة”، وفق الاقتصادي جمال بن جميع.
ويضيف بن جميع “لا يكمن التحدي الحقيقي في خفض الدين فحسب، بل في إعادة تحقيق النمو على نحو مستدام. ذلك أن الدين يصبح مصدر قلق فعلياً عندما يتزايد بوتيرة أسرع من نمو الثروة الوطنية. وتعد استعادة القدرة التنافسية ومعدلات الاستثمار والثقة الحل الأمثل اليوم للحيلولة دون ترسيخ هذه الحلقة المفرغة بصورة دائمة، فالخطر لا يكمن في حجم الدين فحسب، بل في الديناميكية التي تحكم تطوره”.
وبعيداً من خطر التخلف عن السداد، لا تزال فرنسا تصنف من قبل وكالات التصنيف الائتماني كجهة اقتراض ذات جدارة عالية.
وفي كل عام، تجمع الدولة الفرنسية، من دون صعوبة، مئات المليارات من اليورو لتمويل نفقاتها وسداد جزء من ديونها القائمة، بآجال تسديد تراوح ما بين عامين وأربعة أعوام و10 أعوام.
ولتوفير هذه الأموال تلجأ الخزانة إلى الأسواق المالية، إذ يقرضها المستثمرون والبنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد مقابل الحصول على فوائد.
وبلغت نسبة الدائنين “غير المقيمين” ضريبياً نحو 56 في المئة من إجمال حاملي الدين في نهاية عام 2025، مقارنة بـ50.1 في المئة في ديسمبر (كانون الأول) 2022، وذلك وفقاً لبيانات الخزانة الفرنسية.
أما في ما يتعلق بالدائنين الفرنسيين، فتتوزع حصص حاملي الدين العام الفرنسي بين شركات التأمين بنسبة 9.6 في المئة، والبنوك بنسبة 10.5 في المئة، وهيئات الاستثمار الجماعي بنسبة 1.8 في المئة، وفئة متنوعة تشمل دائنين آخرين بنسبة 22.2 في المئة.



