عالمي

لماذا يبلغ التضخم في إيران 15 ضعف نظيره في روسيا؟

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

يكشف أحدث تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني صورة غير مسبوقة لاقتصاد البلاد، بعدما وجد نفسه عالقاً في حلقة تجمع بين الركود العميق والتضخم المنفلت.

وفقاً للتقرير، انكمش الاقتصاد الإيراني خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 بنسبة 10.1 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في وقت اقترب فيه معدل التضخم على أساس سنوي من 89 في المئة، وسجلت العملة الوطنية مستويات قياسية جديدة من التراجع.

وأعلن مركز الإحصاء الإيراني أن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لعام 2021، بلغ خلال ربيع العام الحالي، مع احتساب النفط، 21 ألفاً و795 تريليون ريال (نحو 9.46 مليار دولار)، مقارنة بـ24 ألفاً و255 تريليون ريال (نحو 10.53 مليار دولار) خلال ربيع عام 2025.

إعلان

سجل النمو الاقتصادي من دون احتساب النفط انكماشاً بنسبة 4.6 في المئة، ومن بين القطاعات الاقتصادية الرئيسة، كان القطاع الزراعي الوحيد الذي سجل نمواً إيجابياً بنسبة 2.3 في المئة، فيما انكمش قطاعا الصناعة والتعدين بنسبة 14.7 في المئة، والخدمات بنسبة 4.8 في المئة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد تقتصر على تراجع صادرات النفط، بل امتدت إلى معظم القطاعات الإنتاجية في البلاد.

الأسر الإيرانية تحت الضغط

وفي الوقت نفسه، اقترب معدل التضخم على أساس سنوي من 89 في المئة، مما يعني أن الأسر الإيرانية باتت تدفع في المتوسط ما يقارب ضعف ما كانت تدفعه قبل عام لشراء المجموعة نفسها من السلع والخدمات.

تجاوز التضخم في أسعار المواد الغذائية والأدوية والسكن وبعض الخدمات الأساسية المعدل العام، وهو ما يجعل الضغط الذي تتحمله الأسر ذات الدخل المنخفض أشد مما يعكسه رقم التضخم الرسمي.

ويضع تزامن التضخم المرتفع مع انكماش الإنتاج الاقتصاد الإيراني في حال “ركود تضخمي”، ففي مثل هذه الظروف تتراجع فرص العمل والدخول الحقيقية للمواطنين من جهة، بينما ترتفع أسعار السلع والخدمات بوتيرة سريعة من جهة أخرى.

ومن شأن استمرار هذا المسار أن يؤدي إلى إغلاق مزيد من الشركات، وارتفاع معدلات البطالة، والتراجع المستمر في القدرة الشرائية لأصحاب الرواتب.

مقارنة مع روسيا

وتثير مقارنة هذه الأوضاع بروسيا، إحدى أبرز حلفاء النظام الإيراني، تساؤلاً حول أسباب الفارق الكبير بين معدلات التضخم في البلدين، على رغم أن كليهما يواجه عقوبات غربية واسعة، ويخوض حرباً ويتحمل نفقات عسكرية ضخمة، ويعد من أكبر مالكي احتياطات النفط والغاز في العالم، فضلاً عن خضوع جزء كبير من اقتصاديهما لسيطرة الدولة والشركات المرتبطة بها.

ووفقاً للتقارير، بلغ معدل التضخم السنوي في روسيا 5.98 في المئة خلال يوليو (تموز) الماضي، فيما توقع البنك المركزي الروسي أن يراوح التضخم في نهاية العام ما بين ستة وسبعة في المئة.

ويتوقع البنك أيضاً عودة معدل التضخم الروسي خلال عام 2027 إلى المستوى المستهدف البالغ أربعة في المئة، وبذلك أصبح معدل التضخم الرسمي في إيران حالياً نحو 15 ضعف نظيره في روسيا.

وبطبيعة الحال، لا تتطابق ظروف البلدين بالكامل، فالاقتصاد الروسي أكبر وأكثر تصنيعاً وتنوعاً من الاقتصاد الإيراني، كما تمتلك روسيا حصة أكبر في الأسواق العالمية للطاقة والحبوب والمعادن والأسمدة.

الفجوة في التضخم

وتمكنت موسكو أيضاً من تحويل جزء كبير من صادراتها نحو الصين والهند ودول آسيوية أخرى، ومع ذلك لا يكفي الاختلاف في القدرات الاقتصادية وحده لتفسير الفجوة الهائلة بين تضخم يبلغ نحو ستة في المئة في روسيا وآخر يصل إلى 89 في المئة في إيران.

وتعد السياسة النقدية من أبرز أسباب هذا التفاوت، فالبنك المركزي الروسي رفع سعر الفائدة خلال عام 2024 إلى 21 في المئة بهدف كبح ارتفاع الأسعار، ثم بدأ خفضها تدريجاً بعد تراجع الضغوط التضخمية، لكنه أبقاها خلال اجتماعه في الـ11 من سبتمبر (أيلول) الجاري عند مستوى مرتفع بلغ 14 في المئة .

وأدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى الحد من الاقتراض والاستهلاك القائم على الائتمان والاستثمار، وأبطأت نمو الاقتصاد الروسي، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في الحد من ارتفاع الطلب ومنع التسارع في خروج رؤوس الأموال.

وعلى رغم الطبيعة السلطوية، يتمتع البنك المركزي الروسي بهامش أوسع في إدارة السياسة النقدية، وأعطى أولوية لكبح التضخم على حساب تحقيق نمو اقتصادي قصير الأجل.

الاقتراض الحكومي المباشر وغير المباشر

أما في إيران، فتحول البنك المركزي عملياً إلى إحدى أدوات تمويل الحكومة والمصارف الخاسرة والمؤسسات الحكومية، وأدى العجز المزمن في الموازنة، والاقتراض الحكومي المباشر وغير المباشر، والقروض الإلزامية، والطباعة غير المنضبطة للنقود، إلى زيادة السيولة بوتيرة أسرع بكثير من نمو إنتاج السلع والخدمات، وظهرت نتائج هذا المسار في صورة ارتفاع متواصل للأسعار وتراجع مستمر في قيمة الريال الإيراني.

ويمثل وضع الإيرادات من العملات الأجنبية فارقاً مهماً آخر بين البلدين، فعلى رغم العقوبات لا تزال روسيا تصدر كميات كبيرة من النفط والغاز والحبوب والمواد المعدنية، وتتمتع بفائض تجاري.

وتمكنت الحكومة الروسية أيضاً من الحد من التراجع غير المنضبط للروبل عبر فرض قيود على خروج رؤوس الأموال، وإلزام المصدرين ببيع جزء من إيراداتهم بالعملات الأجنبية، والتدخل في سوق الصرف.

في المقابل، أدت الحرب والعقوبات النفطية والقيود المفروضة على الملاحة وصعوبة تحويل الأموال إلى تراجع حاد في إيرادات النظام الإيراني من العملات الأجنبية.

الشركات المرتبطة بالحرس الثوري

ويجري تداول جزء كبير من الإيرادات المتبقية عبر شبكة غير شفافة من الشركات المرتبطة بالحرس الثوري والوسطاء وشركات الصرافة الأجنبية، ولا تعود هذه الأموال لداخل البلاد إلا بعد تأخير أو بكلفة مرتفعة.

وتجاوز سعر الدولار في السوق الحرة الإيرانية خلال سبتمبر الجاري 230 ألف تومان (نحو دولار واحد)، وفي ظل اعتماد الإنتاج والاستهلاك في إيران على استيراد المواد الأولية والمعدات والأدوية والأعلاف والسلع الوسيطة، فإن كل موجة من ارتفاع سعر الصرف تنتقل خلال فترة قصيرة إلى أسعار السلع في الأسواق.

وعلى رغم خوضها حرباً لفترة أطول، تتمتع روسيا بالاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة وعديد من المنتجات الزراعية، كما تمتلك بنية تحتية صناعية واسعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما إيران، فعلى رغم امتلاكها ثاني أكبر احتياطات الغاز الطبيعي في العالم وواحداً من أكبر احتياطات النفط، فإنها تواجه نقصاً في الكهرباء والغاز والبنزين، وأدى الانقطاع المتكرر للطاقة إلى تعطيل إنتاج المصانع ورفع الكلفة النهائية للسلع.

ارتفاع الضغوط على الأسعار

ولا يخلو الاقتصاد الروسي بدوره من الأزمات، فنفقات الحرب، ونقص القوى العاملة، وارتفاع الموازنة العسكرية، والهجمات الأوكرانية على المصافي والبنية التحتية للنقل، كلها عوامل ولدت ضغوطاً تضخمية.

وأشار البنك المركزي الروسي في اجتماعه الأخير إلى ارتفاع الضغوط على الأسعار، وقال إن النمو الاقتصادي في البلاد تباطأ بصورة حادة.

ومع ذلك، لم تسمح موسكو حتى الآن بتمرير كلفة الحرب مباشرة إلى المواطنين عبر التوسع الكبير في طباعة النقود.

ويظهر الفارق بين تضخم يبلغ نحو ستة في المئة في روسيا و89 في المئة في إيران أن العقوبات والحرب والاعتماد على النفط لا تكفي وحدها لتفسير انهيار القدرة الشرائية للإيرانيين، إذ لعب عجز الموازنة وطباعة النقود والفساد البنيوي وتدهور بيئة الاستثمار وأزمة الطاقة وخروج رؤوس الأموال وفقدان الثقة العامة بالريال أدواراً أكثر حسماً في تشكيل الوضع الراهن.

وتكشف أحدث بيانات النمو الاقتصادي أيضاً عن أن إيران لم تعد تواجه أزمة غلاء فحسب، بل إن اقتصادها ينكمش في الوقت نفسه.

وفي حين قبلت روسيا بكلفة تباطؤ النمو في سبيل كبح التضخم، يواصل النظام الإيراني تمويل نفقاته من الموارد المصرفية وجيوب المواطنين، دافعاً البلاد نحو مزيج غير مسبوق من الركود والبطالة والتضخم المكون من ثلاثة أرقام.

نقلاً عن “اندبندنت فارسية”




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى