أسعار الطاقة تبقي اقتصاد الحرب الروسي عائما

يتسبب تصاعد الإنفاق الدفاعي في اتساع عجز الموازنة الروسية وزيادة الضغوط على اقتصاد البلاد في زمن الحرب، بالتزامن مع تراجع ثقة الشركات والمستهلكين وتباطؤ النمو الاقتصادي.
لكن خبراء اقتصاد يشددون على أن هذه المتاعب لا تعني أن روسيا تتجه نحو انهيار مالي أو اقتصادي وشيك. فارتفاع أسعار النفط العالمية المرتبط بالحرب مع إيران لا يزال يعزز إيرادات الصادرات الحيوية، ويوفر للدولة الأموال اللازمة لمواصلة تمويل غزوها لأوكرانيا المستمر منذ أربعة أعوام ونصف عام، في الأقل في الوقت الراهن.
وفي موازاة ذلك، يسهم انخفاض معدلات البطالة وسخاء الإنفاق الحكومي في المناطق الروسية الأفقر في كبح الاستياء الداخلي.
وتنسجم هذه الصورة الاقتصادية العامة مع رواية الاستقرار التي يروج لها الكرملين بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية الروسية المقيدة بشدة، التي بدأت الجمعة وانتهت يوم الأحد.
لكن خبراء يحذرون من أن مشكلات أعمق وطويلة الأمد تواصل إضعاف الاقتصاد تدريجاً، بما يخلق أخطار قد تفضي في نهاية المطاف إلى أزمة.
المستهلكون أكثر تشاؤماً
تراجعت مؤشرات ثقة المستهلكين عن الذروة التي بلغتها خلال عامي 2024 و2025، حين أعطت الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري دفعة للنمو والأجور. وفي الآونة الأخيرة، اضطر المستهلكون إلى التعامل مع ارتفاع أسعار الوقود ونقص الإمدادات، بعدما أدت هجمات بطائرات مسيرة أوكرانية إلى تعطيل عمل مصافي التكرير الروسية.
كما خسرت شركات صغيرة كثيرة مخزوناتها وعملاءها نتيجة الهجمات التي طاولت شركتي البيع بالتجزئة عبر الإنترنت “وايلدبيريز” Wildberries و”أوزون” Ozon.
وفي الوقت نفسه، تباطأ النمو بعدما تجاوز أربعة في المئة سنوياً خلال عامي 2023 و2024. وتتوقع الحكومة نمواً لا يتعدى 0.6 في المئة هذا العام، فيما انكمش الاقتصاد خلال الربع الأول، قبل أن يسجل تعافياً نسبياً في الربع الثاني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتراجع مؤشر ثقة المستهلك الذي يعده “مركز ليفادا”، وهو مؤسسة روسية مستقلة لاستطلاعات الرأي، إلى 94 نقطة خلال الصيف، بعدما سجل 116 نقطة في ربيع وصيف عام 2025، وتشير أي قراءة دون 100 نقطة إلى أن مشاعر التشاؤم بين المستهلكين تتغلب على التفاؤل.
وعندما سئل سكان في موسكو عن الانتخابات، تركزت إجاباتهم في معظمها على هموم معيشية أساسية، تتعلق بالمعاشات التقاعدية والأسعار.
وقال ألكسندر فيرتوخين (72 سنة)، وهو مدع عسكري متقاعد، إن على الحكومة التركيز على توفير “مستوى معيشي لائق للمتقاعدين”.
أما عن أوضاعه الشخصية فقال، “أنا بخير، سواء من الناحية المالية أم من جميع النواحي الأخرى”.
وقال دميتري كيريلين (26 سنة)، “عموماً أتمنى أن تصبح المساكن أقل كلفة، وأن يتمكن المتقاعدون من العيش بكرامة بدلاً من مجرد تدبير سبل البقاء”. وأضاف “أتمنى أيضاً أن يصبح السفر داخل بلادنا أقل كلفة. هذه أبرز الأمور التي تخطر لي الآن، ولو فكرت أكثر لاستطعت على الأرجح ذكر أمور أخرى”. وتابع “أتمنى أن ترتفع الأسعار بوتيرة أبطأ، إن كان ذلك ممكناً في ظل الظروف الراهنة”.
ورأى كريس ويفر، الرئيس التنفيذي لشركة “ماكرو أدفايزوري” الاستشارية الناشطة في دول الاتحاد السوفياتي السابق، أن أزمة الوقود والهجمات على “وايلدبيريز” جعلتا تداعيات الحرب أكثر حضوراً في الحياة اليومية للروس، لكنهما لا ترقى إلى مستوى الأزمة. ووصف الاقتصاد بأنه يعيش حالاً من “الاستقرار المقبول”، فيما يقتصر المزاج الشعبي على “التذمر” من دون أن يتحول إلى احتجاج”. وقال ويفر “الاقتصاد يتعرض لضغوط، وهو في حال من الجمود بمعنى أنه مستقر لكنه لا ينمو”. وأضاف “لكنه، في المقابل، لا يواجه انكماشاً اقتصادياً أيضاً”. وبحسب ويفر، فإن حياة معظم الناس “لم تتأثر كثيراً” بالهجمات الأوكرانية، مضيفاً “مجرد اضطراب عادات التسوق لن يغير التأييد الشعبي للكرملين”.
وعلى رغم تراجع نسبة التأييد للرئيس فلاديمير بوتين خلال الأشهر الأخيرة، فإنها لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب عام 2022.
عجز الموازنة الروسية يتفاقم
يتمثل أحد أبرز مؤشرات الضغوط في عجز الموازنة الروسية ومساعي الحكومة إلى العثور على مصادر جديدة للتمويل، فقد لجأ بوتين إلى زيادة ضريبة القيمة المضافة التي يدفعها المستهلكون عند الشراء، ورفع مجموعة واسعة من الرسوم الأخرى، وتشديد الضرائب المفروضة على الشركات الصغيرة، وعلى رغم ذلك، استمر العجز في الارتفاع.
وبحلول نهاية يوليو (تموز) الماضي، أظهرت بيانات الموازنة أن العجز بلغ ما يعادل 2.8 في المئة من الناتج الاقتصادي السنوي، أي ما يقارب ضعف المستوى المستهدف أساساً للعام بأكمله. وفي الوقت نفسه، تراجعت الموارد المتاحة في صندوق الاحتياط الروسي إلى ما يعادل 1.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني أن الكرملين بات مضطراً إلى الاقتراض من المصارف المحلية.
لكن هذا الخيار يحمل كلفة باهظة، إذ تصل أسعار الفائدة على السندات الروسية إلى 17 في المئة، وفق يانيس كلوغه، الخبير في الشؤون المالية الروسية لدى “المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية”.
وكتب كلوغه في تقرير حديث أن الضغوط التي تواجهها الموازنة “تزيد الشكوك في شأن المدة التي تستطيع روسيا خلالها مواصلة تحمل كلفة الحرب”.
وأبقى البنك المركزي الروسي أسعار الفائدة مرتفعة سعياً إلى احتواء التضخم الناجم عن الإنفاق الحربي، لكن هذا النهج يزيد الضغوط على الشركات المدنية، التي لا تحظى بالتسهيلات الائتمانية التي تتمتع بها شركات الصناعات الدفاعية.
وثمة قناة أخرى لتمويل الحرب تتمثل في زيادة القروض التي تقدمها المصارف الروسية القريبة من السلطات إلى الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع، وهو ما يعني أن هذه الديون لا تظهر في أرقام عجز الموازنة.
العقوبات الغربية تنخر في العمق
على المدى البعيد، تحرم العقوبات الغربية روسيا من استثمارات جديدة تحتاج إليها لرفع إنتاجية اقتصادها.
ومع اجتماع عوامل الخطر، من الإنفاق المرتفع والنمو الضعيف إلى تصاعد الديون وكلفة الاقتراض الباهظة، يحذر بعض خبراء الاقتصاد من أنه وإن لم يكن الاقتصاد الروسي قد انهار، فإن أسسه البنيوية تتآكل بصورة مقلقة.
ويرى توربيورن بيكر، الخبير في كلية ستوكهولم للاقتصاد، أن “هذا المسار لا يمكن أن يستمر على هذا النحو”، لكنه أضاف أن “توقيت اندلاع الأزمة يظل غير مؤكد إلى حد كبير”.
ارتفاع أسعار النفط يمنح روسيا متنفساً
كانت عائدات صادرات النفط الروسية قد هبطت إلى أقل من 10 مليارات دولار شهرياً قبيل اندلاع الحرب مع إيران، لكنها عاودت الارتفاع لـ15.8 مليار دولار بحلول يونيو (حزيران) الماضي، ثم بلغت 13.8 مليار دولار في يوليو (تموز) الماضي.
وكتب بيكر أن قيود الموازنة الروسية “قد تتلاشى فعلياً ما دامت أسعار الطاقة المرتفعة مستمرة”.
ورأى أن تغيير هذه المعادلة يتطلب إعطاء الأولوية لإجراءات أكثر صرامة ضد أسطول ناقلات النفط الذي تستخدمه روسيا للالتفاف على العقوبات.
الإنفاق على الحرب ينعش الأقاليم الفقيرة
شكلت الأموال التي تتدفق إلى مصانع الصناعات الدفاعية، إلى جانب المكافآت المالية الممنوحة للمنضمين إلى الجيش، دفعة قوية للأقاليم الروسية وهي مناطق أفقر من موسكو وسان بطرسبورغ. ومع عمل المصانع في كثير من الأحيان بأقصى طاقتها، انخفض معدل البطالة على مستوى البلاد إلى 2.2 في المئة فحسب.
فمصنع “أورالفاغونزافود” Uralvagonzavod للدبابات في نيجني تاغيل بمنطقة الأورال، رفع عدد العاملين لديه من نحو 20 ألفاً إلى أكثر من 38 ألفاً منذ غزو أوكرانيا، بعدما انتقل إلى الإنتاج على مدار الساعة، وفق تقرير حديث صادر عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” حول الصناعات الدفاعية الروسية.
كذلك ضاعفت شركة “كوبول” Kupol، المنتجة للطائرات المسيرة والصواريخ أرض – جو وأكبر منشأة صناعية في جمهورية أودمورتيا المطلة على نهر الفولغا، إنتاجها بأكثر من مرتين خلال عام 2025.
لكن نقص العمالة الماهرة بات يقيد الإنتاج في شركات الدفاع وفي الاقتصاد بصورة أوسع، وتفاقمت المشكلة مع مغادرة مئات الآلاف من الروس البلاد، ومعظمهم من الشباب، هرباً من احتمال التجنيد ومن القمع السياسي.
الكرملين يطمئن.. الاستقرار الاقتصادي “مضمون”
من جانبه، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن أرقام العجز الشهرية عرضة لتقلبات كبيرة، مضيفاً أن “هذا الرقم ليس مما يستدعي القلق، استقرار الاقتصاد الكلي مضمون تماماً”.
لكن كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الحكومي الروسي “في إي بي. آر إف” VEB.RF أندريه كليباتش حذر في خطاب له من أنه بسبب العقوبات والعزلة الاقتصادية، “نتخلف عن ركب المنافسة التكنولوجية والاقتصادية في العالم”، مضيفاً “لا يمكننا الفوز في هذه المنافسة ضمن حرب الاستنزاف هذه”.
وبعد ذلك، أقيل من منصبه.



