وصف الميتا: اتفاق 4+4 يفتح الباب أمام استقرار قطاع النفط الليبي ورفع الإنتاج، وسط تحديات أمنية ومالية وفنية قد تعرقل الوصول إلى مليوني برميل يوميًا.
دخلت ليبيا، عقب توقيع اتفاق لجنة «4+4» أمس، مرحلة جديدة تختبر قدرتها على حماية أهم مواردها الاقتصادية، وهو النفط الليبي.
ويحدد الاتفاق مسارًا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال 24 شهرًا. كما يفترض أن يتم ذلك في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
وفي حال تحول الاتفاق إلى توحيد فعلي للمؤسسات واستقرار أمني، فقد يبدأ قطاع النفط مرحلة مختلفة. فقد عانى القطاع لسنوات من الانقسامات والصراعات.
ونتيجة لذلك، تعرض إنتاج الخام لإغلاقات واضطرابات متكررة.
أما إذا تحقق الاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب توفير تمويل منتظم للقطاع، فقد تتمكن ليبيا من تثبيت إنتاجها عند نحو 1.5 مليون برميل يوميًا.
بعد ذلك، يمكن أن تستعيد مستويات الإنتاج التي سبقت عام 2011. لكن الوصول إلى مليوني برميل يوميًا سيظل هدفًا يحتاج إلى استثمارات ضخمة وسنوات من العمل.
اتفاق 4+4 ودوره في دعم النفط الليبي
تنبع أهمية اتفاق «4+4» لقطاع النفط من ارتباط الانتخابات المرتقبة بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
وقد يساعد هذا الشرط في معالجة أحد أبرز أسباب إغلاقات النفط السابقة. إذ كانت السلطات المتنافسة قادرة على استخدام الحقول والموانئ أو التحكم في تدفقات الإيرادات.
وكان الهدف في كثير من الحالات انتزاع تنازلات سياسية ومالية.
وترى بعثة الأمم المتحدة أن توحيد مؤسسات الدولة لا يمثل قضية سياسية فقط. بل يمكن أن يكون وسيلة لاستعادة قدرة الدولة على إدارة مواردها.
كذلك، يمكن للتوحيد المؤسسي أن يدعم الاستثمار المنسق في البنية الأساسية.
للمزيد حول الاتفاق: ليبيا.. اتفاق «4+4» يعيد ترتيب قواعد الانتخابات وسط تحديات التنفيذ.
أحداث الزاوية تكشف تحديات الأمن
ومع ذلك، تؤكد أحداث الزاوية التي وقعت في العاشر من أغسطس الجاري أن الاتفاق بين المؤسسات العليا لن يكون كافيًا وحده.
فالاستقرار يحتاج أيضًا إلى توحيد المنظومة الأمنية.
وخلال الأحداث، استهدفت طائرات مسيّرة مجمع «الزاوية» النفطي. وأدت إحدى الضربات إلى انهيار خزان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين.
في المقابل، حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من احتمال إعلان القوة القاهرة. كما حذرت من وقف المصفاة بالكامل إذا استمرت الهجمات.
وتبلغ طاقة مصفاة الزاوية 120 ألف برميل يوميًا. وترتبط المصفاة بحقل الشرارة، الذي يعد أحد أهم مصادر الخام في ليبيا.
طالع أيضًا: «مسيّرة الزاوية» تختبر تهدئة ليبيا.. هل يعود النفط بوابة للصراع؟
وبالتالي، فإن إنهاء الانقسام قد يحقق فائدة اقتصادية أساسية. وتتمثل هذه الفائدة في خفض «علاوة المخاطر السياسية» التي تحيط بالمشروعات النفطية في ليبيا.
كما يمكن أن يساعد الاستقرار في حماية المنشآت وتقليص احتمالات الإغلاق.
إضافة إلى ذلك، يضمن توحيد المؤسسات المالية تدفق الإيرادات عبر جهة مالية موحدة. ومن ثم، قد تحصل الشركات الأجنبية على ثقة أكبر في الاستثمار.
وهذا يعني تقليل مخاوف توقف المشروعات بسبب النزاعات بين سلطات متنافسة.
كم يمكن أن يصل إنتاج النفط الليبي؟
لا يرتبط مستقبل إنتاج النفط الليبي برقم واحد. بل يمكن تقسيم السيناريوهات المتوقعة إلى ثلاثة مستويات رئيسية.
المستوى الأول: تثبيت الإنتاج عند 1.5 مليون برميل
يتمثل السيناريو الأول في تثبيت الإنتاج قرب 1.5 مليون برميل يوميًا.
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت في 21 يونيو أن إنتاج الخام وصل إلى 1.438 مليون برميل يوميًا.
ومع إضافة المكثفات، ارتفع الإجمالي إلى نحو 1.488 مليون برميل يوميًا.
لكن وكالة الطاقة الدولية قدرت متوسط إنتاج الخام في يوليو عند نحو 1.35 مليون برميل يوميًا.
وهنا تظهر نقطة مهمة. فالوصول إلى معدل مرتفع في يوم محدد لا يعني بالضرورة القدرة على الحفاظ عليه طوال العام.
المستوى الثاني: العودة إلى 1.6 و1.7 مليون برميل
أما المستوى الثاني، فيتمثل في استعادة إنتاج يتراوح بين 1.6 و1.7 مليون برميل يوميًا.
ويقترب هذا النطاق من مستويات ما قبل عام 2011.
وترى إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن العودة إلى هذه المستويات تصبح ممكنة إذا نجحت الأطراف الليبية في تشكيل سلطة موحدة ومستقرة.
كما تحتاج البلاد إلى جذب استثمارات أجنبية وتوفير التمويل اللازم لإصلاح البنية النفطية المتقادمة.
لذلك، يبدو الوصول إلى نطاق 1.6 و1.7 مليون برميل يوميًا هدفًا أكثر واقعية على المدى المتوسط، مقارنة بالانتقال مباشرة إلى مليوني برميل.
المستوى الثالث: الوصول إلى مليوني برميل يوميًا
أما السيناريو الثالث، فهو الوصول إلى مليوني برميل يوميًا.
ويعد هذا المستوى هدفًا وضعته المؤسسة الوطنية للنفط للمدى المتوسط. لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتطوير حقول ومنشآت جديدة.
كذلك، يتطلب تحقيقه استقرارًا سياسيًا وأمنيًا مستدامًا.
وذكرت «فايننشال تايمز» أن المؤسسة الوطنية للنفط تستهدف جذب استثمارات تصل إلى 40 مليار دولار لتطوير الموارد.
وتهدف هذه الاستثمارات إلى رفع الإنتاج من نحو 1.4 مليون إلى مليوني برميل يوميًا بحلول 2030.
وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك أكثر من 60 حقلًا مكتشفًا دون تطوير.
اقرأ المزيد: «FT»: ليبيا تحتاج 40 مليار دولار لتطوير مواردها النفطية.
وبناءً على ذلك، فإن الاستقرار السياسي يمكن أن يهيئ الطريق أمام هذا الهدف. لكن زيادة الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا تحتاج إلى أكثر من التسوية السياسية.
فليبيا تحتاج أيضًا إلى استثمارات في حفر الآبار وتطوير الحقول. كما تحتاج إلى إعادة تأهيل المنشآت والبنية التحتية.
ويضاف إلى ذلك ضرورة توفير التمويل والقدرات الفنية المطلوبة.
الانقسام السياسي أكبر مخاطر الاقتصاد
ويرى صندوق النقد الدولي أن الانقسام السياسي ظل واحدًا من أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد الليبي.
فالخلافات السياسية يمكن أن تتحول سريعًا إلى صراع. وعندها قد يتعطل إنتاج النفط وصادراته.
كما قد تتأثر الإيرادات العامة والنقد الأجنبي والنمو الاقتصادي.
بل إن استمرار الاضطرابات أصبح يهدد بفقدان نحو مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط العالمية.
جاء ذلك وفقًا لجيمي إنجرام، المحرر الأول لدى مؤسسة «ميس» (MEES)، في تصريحات لـ«اقتصاد الشرق».
تحديات النفط الليبي لا تنتهي بالتسوية
رغم أهمية الاتفاق السياسي، لا تزال أمام قطاع النفط الليبي مجموعة من العقبات.
وتأتي التحديات الفنية والمالية في مقدمة هذه العقبات. إذ تعاني أجزاء من البنية النفطية من التقادم.
كما تؤثر أعمال الصيانة ونقص سعة التخزين وتأخر الاستثمارات في القدرة على زيادة الإنتاج بصورة مستدامة.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن هذه المشكلات، إلى جانب النزاعات وقيود الميزانية، كانت من الأسباب المتكررة لتعطل الإنتاج.
كذلك، تحتاج بعض المنشآت المتضررة منذ سنوات إلى إنفاق رأسمالي طويل الأجل لإعادة تأهيلها.
الأمن يمثل تحديًا رئيسيًا
أما العقبة الثانية، فهي أمنية ومحلية.
فالتسوية بين الفصائل السياسية لا تعني تلقائيًا اختفاء الجماعات المسلحة أو النزاعات المحلية. كما أنها لا تمنع بالضرورة الهجمات على المنشآت النفطية.
وتوضح أحداث الزاوية الأخيرة حجم هذا التحدي.
فقد وقعت الأحداث في وقت كانت ليبيا تسجل خلاله أحد أعلى مستويات إنتاج النفط منذ أكثر من عقد.
وهذا يؤكد أن ارتفاع الإنتاج يمكن أن يتزامن مؤقتًا مع هشاشة أمنية. وقد تؤدي هذه الهشاشة إلى تغيير الاتجاه سريعًا.
لذلك، تحتاج ليبيا إلى سلطة أمنية موحدة تحمي الحقول والموانئ وخطوط الأنابيب. ولا يكفي في هذا الجانب مجرد اتفاق بين المؤسسات السياسية.
الميزانية الموحدة تدعم قطاع النفط
ويتمثل التحدي الثالث في التنفيذ والتمويل.
وفي هذا الإطار، شكلت الميزانية الموحدة لعام 2026 إشارة إيجابية. فقد اتفقت المؤسستان التشريعيتان المتنافستان على أول إطار إنفاق موحد منذ أكثر من عقد.
وتبلغ قيمة الميزانية 190 مليار دينار. وخصص منها 12 مليار دينار للمؤسسة الوطنية للنفط.
ورحبت بعثة الأمم المتحدة بالاتفاق. وأشارت إلى أنه يتضمن مخصصات تشغيلية وإجراءات تهدف إلى دعم الإنتاج.
لكن البعثة حذرت لاحقًا من أن التنفيذ الكامل للميزانية ظل متعثرًا.
وبالتالي، تستطيع الميزانية الموحدة تمويل الصيانة والحفر والتطوير. إلا أن تأثيرها في قطاع النفط سيعتمد على انتظام الصرف والرقابة.
كما يرتبط نجاحها بعدم عودة الانقسام المالي.
احتياطيات ضخمة وإنتاج غير مستقر
ورغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، فإن البلاد لم تتمكن من تحويل هذه الثروة إلى إنتاج مستقر أو دورة استثمار طويلة الأجل.
وتقدر الاحتياطيات النفطية المؤكدة بنحو 48 مليار برميل. وتمثل هذه الكمية نحو 41% من إجمالي احتياطيات القارة.
وبذلك، تحتل ليبيا المرتبة العاشرة عالميًا من حيث الاحتياطيات النفطية.
لكن العقبات السياسية والأمنية والمالية والفنية حالت دون الاستفادة الكاملة من هذه الموارد.
مستقبل إنتاج النفط الليبي
في النهاية، يمكن أن تفتح تسوية الانقسام السياسي المجال أمام زيادة أكثر استدامة في إنتاج النفط الليبي.
وترى إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الإنتاج قد يعود إلى متوسطات ما قبل 2011، والتي تبلغ نحو 1.7 مليون برميل يوميًا.
ويظل ذلك ممكنًا إذا تشكلت حكومة موحدة ومستقرة، وجذبت ليبيا استثمارات جديدة، وتوافر التمويل اللازم للبنية التحتية.
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد رفعت إنتاج الخام إلى نحو 1.44 مليون برميل يوميًا في يونيو الماضي.
وتستهدف المؤسسة الوصول إلى 1.6 مليون برميل يوميًا كمرحلة أولى، ثم رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا على المدى المتوسط.
لكن تحقيق المستوى الأخير يتطلب تطوير الحقول والبنية التحتية، إلى جانب جذب مزيد من الاستثمارات.
وبذلك، لا يمثل اتفاق «4+4» نهاية التحديات أمام النفط الليبي. لكنه قد يكون خطوة مهمة نحو توفير البيئة السياسية والأمنية التي يحتاجها القطاع لتحقيق نمو مستدام.



