عالمي

الحر ينهك الاقتصاد الأوروبي: 230 مليار دولار خسائر في فرنسا وحدها

شهدت أوروبا موجات حر وظواهر مناخية قاسية، شملت حالات جفاف وحرائق غابات في كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومناطق أخرى. 

لا تقتصر الآثار على الصحة، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي، بدءاً من قطاعات النقل والصناعة، وصولاً إلى الزراعة. وبدأت آثارها تظهر في مختلف أنحاء القارة، إذ انخفضت مستويات المياه في ممرات مائية رئيسة، مثل نهري الراين والدانوب، إلى مستويات متدنية للغاية.

وقد يؤدي ذلك إلى صعوبة عمليات نقل البضائع، مما يضطر السفن إلى تقليل حمولاتها، ويؤدي إلى شبه توقف للحركة التجارية في قطاعات معينة من هذه الممرات، أو يجبر المشغلين على اللجوء إلى بدائل أكثر تعقيداً وتكلفة.

إعلان

وبناء على ذلك، قد تواجه القطاعات الصناعية الأوروبية الكبرى، لا سيما قطاعا تكرير النفط والصناعات الكيماوية، اضطرابات حادة. ويجري نهر الراين عبر، أو بمحاذاة، كل من سويسرا وليختنشتاين والنمسا وألمانيا وفرنسا وهولندا، قبل أن يصب في بحر الشمال، ويُعد النهر شرياناً حيوياً للنقل والسياحة والصناعة في هذه المناطق.

وأدى انخفاض منسوب المياه إلى عرقلة حركة الملاحة في نهر الراين بصورة حادة، فبحلول 27 يوليو (تموز) الماضي، لم تعد معظم السفن النهرية قادرة على عبور منطقة “كاوب”، التي تشكل عنق زجاجة للملاحة، وذلك بحسب ما أفاد مشغلو السفن لشركة “أرغوس” المتخصصة في توفير معلومات أسواق السلع. 

وتقلصت أحجام الشحن بصورة كبيرة بالنسبة إلى السفن التي تمكنت من العبور، مما دفع أسعار النقل إلى مستويات قياسية، وفي هذا السياق، ذكرت “أرغوس” أن “الراين العلوي ونهر الماين أصبحا معزولين عن مركز التجارة الرئيس الذي يضم موانئ أمستردام وروتردام وأنتويرب”.

وبالنسبة إلى الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية، يؤدي انخفاض العمق الملاحي إلى تقييد عمليات توريد المواد الخام الأساسية، مثل النافثا وغاز البترول المسال، من موانئ بحر الشمال إلى المصانع الواقعة في المناطق الداخلية.

وتواجه قطاعات النفط والطاقة في المنطقة رسوماً إضافية باهظة نتيجة انخفاض منسوب المياه، وارتفاع كلفة شحن الديزل والمنتجات البترولية ونقلها إلى المناطق الواقعة في أعالي النهر، مما يهدد عمليات التوزيع المحلي.

وبالمثل، تواجه محطات الطاقة التي تعمل بالفحم صعوبات في تأمين إمدادات الوقود، وذلك في ظل الانخفاض الحاد في أحجام الشحنات المنقولة عبر الصنادل النهرية.

تقويض الأمن الغذائي الأوروبي

في قطاع حيوي آخر، أشارت منظمة “وحدة استخبارات الطاقة والمناخ”، وهي منظمة مستقلة غير ربحية، إلى أن موجة الحر التي شهدها يونيو (حزيران) قد تؤدي إلى خفض قيمة محصول الحبوب الأوروبي بنحو ملياري يورو (2.3 مليار دولار).

وتُعزى قرابة ثلاثة أرباع هذه الخسائر المقدرة إلى فرنسا والمجر مجتمعتين، إذ جرى تعديل توقعات محصول الحبوب في فرنسا بالخفض بمقدار 4.1 مليون طن، وهو ما يمثل خسارة في القيمة تبلغ نحو 891 مليون يورو (مليار دولار)، وذلك نتيجة تأثر محاصيل القمح والذرة بموجة الحر الشديدة خلال المراحل المبكرة من نموها. وتضررت المجر بشدة، إذ قُدرت خسائرها بنحو 2.4 مليون طن من الحبوب، بقيمة 444 مليون يورو (510.6 مليون دولار).

ويوضح المحلل في وحدة استخبارات الطاقة والمناخ توم لانكستر، أن موجة الحر ضربت في “توقيت سيئ للغاية بالنسبة إلى مزارعي الحبوب في أوروبا، إذ عرقلت نمو المحاصيل وقلصت معدلات الإنتاجية في جميع أنحاء القارة. وسيؤثر هذا الأمر سلباً على جيوب المزارعين، إذ سيقلص دخلهم، ويقوض في الوقت ذاته الأمن الغذائي الأوروبي”.

وتنطوي الخسائر على خطر زيادة اعتماد أوروبا على الواردات، وقد تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع العالمية، وذلك رهناً بمحاصيل نصف الكرة الجنوبي في وقت لاحق من هذا العام. وتشير التقديرات الأولية إلى خسارة ما لا يقل عن 9 ملايين طن من محاصيل الحبوب.

ويتوقع نظام “مارس” التابع للاتحاد الأوروبي لمراقبة المحاصيل انخفاضاً في إنتاجية المحاصيل الشتوية بنسبة أربعة في المئة مقارنة بتقديرات يونيو، في حين تواجه المحاصيل الصيفية خسائر أكبر. وتُعد محاصيل الذرة وعباد الشمس الأكثر تضرراً، إذ سجلت انخفاضاً في الإنتاجية بنسبة ستة في المئة وسبعة في المئة على التوالي، ومن المتوقع أن ينخفض إجمالي إنتاج الحبوب في أوروبا من 384 مليون طن في عام 2025 إلى 362 مليون طن هذا العام.

وتشهد إسبانيا التراجع الأكبر، إذ من المتوقع أن تنخفض إنتاجية القمح فيها بنسبة 21 في المئة مقارنة بالعام الماضي، كما تتوقع كل من المجر والبرتغال خسائر تتجاوز 10 في المئة، في حين تترقب فرنسا انخفاضاً بنسبة ثمانية في المئة.

أما بالنسبة إلى الذرة، فتتوقع إيطاليا والمجر وفرنسا تسجيل أكبر معدلات الانخفاض، التي تتراوح بين 11 في المئة و22 في المئة.

دمار على أرض الواقع

كانت فرنسا من أكثر الدول تضرراً، إذ أفادت وزيرة الزراعة آني جينيفار، بأن إنتاج الحليب قد انخفض بشدة، بنسبة تصل إلى 30 في المئة في بعض المناطق. 

وتسببت درجات الحرارة المرتفعة للغاية في نفوق أعداد كبيرة من الماشية، وأفادت الحكومة الفرنسية بخسائر في الثروة الحيوانية تجاوزت 9100 طن عقب موجة الحر التي شهدها يونيو، وشملت هذه الخسائر الدواجن بصورة أساسية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أدت أخطار اندلاع حرائق الغابات إلى اضطرار عشرات البلديات إلى حظر عمليات الحصاد في الفترة ما بين الساعة الثانية والسابعة مساء، مما فرض أعباء مالية إضافية على المزارعين.

وفي السياق، أقر رئيس اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة “نوفيل-أكيتين” بفرنسا، ديدييه ماسي، بحجم الضغوط القائمة، قائلاً “هناك مشكلة تتعلق بالإنتاجية”.

وأشار إلى احتمالية الحاجة إلى تطبيق برامج “البطالة الجزئية”، موضحاً “سيكون من المفيد اعتماد نظام للبطالة الجزئية، لأنه حتى لو بدأ العمل في السادسة صباحاً، فإن مواصلته بعد الظهيرة تنطوي على أخطار وتهديدات للسلامة”.

تداعيات على النمو

تؤثر الأزمة الزراعية سلباً في النمو الاقتصادي العام. وقد عدلت فرنسا توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 من 0.9 في المئة إلى 0.7 في المئة، ومن المتوقع أن يؤثر انخفاض إنتاج الحبوب في الدول الأوروبية في أسواق السلع الدولية، لا سيما تجارة الذرة والقمح.

ووفقاً لدراسة أجرتها شركة “أليانز تريد”، قد تتجاوز كلفة الجفاف وموجات الحر في فرنسا 200 مليار يورو (230 مليار دولار) بحلول عام 2030، فقد اضطرت الشركات إلى تعليق الإنتاج موقتاً خلال الصيف بسبب الحرارة الشديدة، كما ألغت شركة السكك الحديدية الفرنسية 10 في المئة من رحلات القطارات أثناء موجة الحر في يونيو، وخفضت شركة الكهرباء معدلات توليد الكهرباء من محطاتها النووية بنسبة 8.7 في المئة، في حين تشير التقديرات الأولية إلى انخفاض في جل المحاصيل الرئيسة.

وتضطرب السلسلة الاقتصادية برمتها، بدءاً من قطاع الصناعات الغذائية إلى الكيماويات، وصولاً إلى النقل، بالتالي المالية العامة، وهو ما سيؤثر في المستهلك، وفق المتخصص جمال بن جميع.

وأضاف “بدأت أوروبا تدرك مدى كلفة موجات الحر، فمع اشتداد الحرارة، يرتفع الطلب على الكهرباء بصورة هائلة بسبب استخدام أجهزة التكييف، وفي الوقت ذاته تتعثر أجزاء من البنية التحتية لتوليد الطاقة، إذ تضطر بعض محطات الطاقة النووية إلى خفض معدلات تشغيلها عندما تعجز الأنهار، سواء بسبب ارتفاع درجات حرارتها أو نقص تدفق المياه، عن توفير التبريد اللازم لها بفعالية”.

وتابع “بالتوازي مع ذلك، ينخفض إنتاج السدود الكهرومائية مع استنزاف موجات الجفاف لمخزونات المياه. وهكذا، لا يقتصر تأثير المناخ على زيادة الحاجة إلى الطاقة فحسب، بل يقوض في الوقت ذاته القدرة على تلبية تلك الحاجات. وتعد هذه إحدى المفارقات الكبرى لظاهرة الاحتباس الحراري، إذ يبلغ الطلب ذروته في اللحظة التي تكون فيها الإمدادات في أقصى درجات ضعفها وتأثرها”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى