عالمي

لماذا ترى البنوك المركزية أن مخاوف التضخم لن تهدأ قريبا؟

في سياق الضغوط وحالة عدم اليقين الاقتصادي، أبدى كبار محافظي البنوك المركزية قدراً من الحذر والتردد بشأن إعلان تراجع المخاوف المتعلقة بالاقتصاد العالمي، على رغم من اتفاق السلام الموقت الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، الذي يُتوقع أن يخفف جزئياً من الضغوط التضخمية.

في تصريحات حديثة، شدد صناع السياسات النقدية، ومن بينهم أندرو بيلي محافظ بنك إنجلترا، وكيفن وارش رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي، على ضرورة مواصلة مكافحة التضخم المستمر، في ظل بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة وتزايد الطلب في الولايات المتحدة.

ووفق صحيفة “فايننشال تايمز” أكد أندرو بيلي أن الضغوط التضخمية لا تزال قائمة، مشيراً إلى أن بنك إنجلترا أبقى أسعار الفائدة عند مستوى 3.75 في المئة مع إبقاء خيار رفعها مطروحاً إذا تصاعد التضخم.

فيما أشار كيفن وارش إلى التزام البنك المركزي الأميركي بمواجهة التضخم، ملمحاً إلى إمكانية رفع أسعار الفائدة الرئيسة قريباً، التي تتراوح حالياً في الولايات المتحدة ما بين 3.5 و3.75 في المئة.

الضغوط التضخمية لم تتراجع بصورة كاملة

ويرى محللون، أن اتفاق وقف التصعيد مع إيران قد خفف من المخاوف بشأن القفزات الحادة في أسعار النفط، التي كانت مرشحة للارتفاع إلى 180 دولاراً للبرميل، إلا أن الضغوط التضخمية لم تتراجع بصورة كاملة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار العقود الآجلة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.

وأشارت الصحيفة البريطانية، إلى أن الحرب على إيران انعكست على أسعار عديد من السلع، من بينها الأسمدة والمعادن، مما قد ينعكس لاحقاً على أسعار الغذاء، بخاصة مع المخاوف المرتبطة بظاهرة “النينيو” المناخية.

وقال رئيس قسم الاقتصادات العالمية في شركة “شرودرز” ديفيد ريس، أن هناك اعترافاً متزايداً بأن ضغوط التضخم تتجاوز قطاع الطاقة لتشمل قطاعات أوسع من الاقتصاد العالمي.

وحذر محللون من أن استمرار التوترات، حتى في حال صمود وقف إطلاق النار، قد يؤدي إلى اضطرابات لوجستية وتأخر في إعادة تشغيل البنية التحتية، بما يحد من عودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية، ويُبقي أسعار الطاقة مرتفعة.

وفي الولايات المتحدة، سجل معدل التضخم الأساس (الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة)  نحو 3.3 في المئة خلال أبريل (نيسان) الماضي، مع توقعات باستقراره خلال العام، بينما يُرجح تراجع التضخم العام إلى 3.6 في المئة.

ويرى اقتصاديون أن تحقيق هدف “الفيدرالي” بخفض التضخم إلى اثنين في المئة قد يستلزم استمرار سياسات نقدية متشددة، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة، في ظل صعوبة كبح الضغوط التضخمية عبر الأدوات الحالية فحسب.

المركزي الأميركي يؤكد أنه لن يتسامح مع التضخم

ومع استمرار الضغوط، فقد زادت الأسواق المالية من رهاناتها على رفع “الفيدرالي” أسعار الفائدة، إذ تتوقع زيادة قدرها ربع نقطة مئوية بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل، وجاء هذا التحول بالأسواق مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط الذي أعاد إحياء المخاوف في شأن التضخم، إلى جانب التوجهات الصارمة للبنك المركزي.

وتشير مقايضات أسعار الفائدة المرتبطة بمواعيد اجتماعات السياسة النقدية إلى زيادات قدرها 25 نقطة أساس، ارتفاعاً من 23 نقطة أساس الخميس الماضي وثماني نقاط أساس فحسب في وقت سابق من الأسبوع، وسجلت هذه التحركات وسط أحجام تداول منخفضة تزامناً مع إغلاق الأسواق الأميركية بمناسبة عطلة رسمية.

ويتوقع المستثمرون تشديداً وشيكاً للسياسة النقدية عقب تصريح رئيس “الفيدرالي” الجديد كيفن وارش، في أول اجتماع له هذا الأسبوع، بأن البنك المركزي لن يتسامح مطلقاً مع مستويات التضخم المرتفعة، مما أدى لقفزة بعوائد السندات، وتأتي هذه التعهدات مفاجأة للمستثمرين الذين ترقبوا سياسة ميسرة تكفل خفض كلفة الاقتراض.

في مذكرة بحثية حديثة، أكد رئيس استراتيجية السوق في شركة “إيبوري” ماثيو رايان، أن الإشارات المتكررة لفشل “الفيدرالي” في تحقيق هدفه التضخمي لخمسة أعوام متتالية تدعم فكرة أن رفع الفائدة بات قريباً، ولا يتطلب الأمر الكثير لترجيح هذه الكفة، لا سيما مع ارتفاع النفط بنحو أربعة في المئة من أدنى مستوياته منذ ثلاثة أشهر وسط شكوك حول اتفاق السلام القائم بين واشنطن وطهران.

نهج صارم للحد من التضخم في إنجلترا

في السياق ذاته، يسعى محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، وأعضاء لجنة السياسة النقدية إلى اتباع نهج صارم للحد من التضخم من دون الإضرار بالنمو وفرص العمل، مستلهمين نظرية مارادونا لأسعار الفائدة التي صاغها المحافظ الأسبق ميرفين كينغ.

وتقوم النظرية على إقناع المتداولين بأن رفع الفائدة مطروح على جدول الأعمال لدفع الأسواق لتشديد الأوضاع المالية ذاتياً من دون الحاجة لرفعها فعلياً، وقد شهد قرار البنك الخميس الماضي تثبيتاً للفائدة عند 3.75 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم من تحسن توقعات التضخم، فإن الأسواق لا تزال تتوقع رفعاً بمقدار ربع نقطة مئوية هذا العام، وأوضحت نائبة كبير الاقتصاديين البريطانيين لدى “كابيتال إيكونوميكس” روث غريغوري، أن اللجنة تتحدث بلهجة متشددة، لكن من غير المرجح أن تفي بوعودها بالرفع الفعلي.

وركز البنك على الأخطار القائمة جراء هشاشة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بدلاً من التركيز على تحسن المؤشرات، وأكد بيلي أن ارتفاع أسعار الطاقة خلال الأشهر الأربعة الماضية يمثل ضغوطاً تضخمية محتملة يجب ضمان عدم تحولها لتضخم مستمر.

وصاحب محضر الاجتماع تصويتاً متشدداً، بعدما طالب عضوان برفع فوري للفائدة إلى أربعة في المئة مع إشارة العضوة كاثرين مان لاقترابها من دعم هذا التوجه في يوليو (تموز) الماضي، وذلك مقارنة بوجود معارض واحد فحسب في أبريل 2026 وهو كبير الاقتصاديين هيو بيل.

البنوك المركزية الكبرى تعاود تشديد السياسة النقدية

وتبع هذا التصويت المتشدد اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وواشنطن الذي دفع أسعار النفط للتراجع لما دون 80 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ ثلاثة أشهر، وهو مستوى أقل بكثير من تقديرات البنك السابقة عند 108 دولارات، وأسهم هذا الانخفاض بتقليص أخطار التضخم، إذ بلغ نمو أسعار المستهلكين 2.8 في المئة في مايو مقارنة بتوقعات البنك البالغة 3.3 في المئة، لتخفض لجنة السياسة النقدية توقعاتها لذروة التضخم إلى 3.25 في المئة بدلاً من 3.6 في المئة.

وأشارت اللجنة إلى أن سوق العمل شهدت تحسناً يمنع حدوث دوامة ارتفاع الأجور والأسعار، لافتة إلى أن ضعف الطلب وسوق العمل يقللان من حدة الآثار الجانبية لأسعار الطاقة العالمية.

ولا تتوقع مؤسسات مثل “نومورا” و”كابيتال إيكونوميكس”، رفع بنك إنجلترا الفائدة بل ترجح خفضها إلى 3.5 في المئة خلال العام المقبل، وعلى رغم من ذلك، تتوقع الأسواق رفعها لأربعة في المئة بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2026، وبما أن أسعار الفائدة السوقية تحدد كلفة الاقتراض للرهون العقارية وقروض الأعمال، فإنها تضغط على الطلب وتخفض الأسعار.

ويمثل هذا التغير بالأوضاع المالية أثراً تراكمياً كبيراً مقارنة بتوقعات فبراير (شباط) الماضي قبل الحرب، التي كانت تشير إلى خفض الفائدة إلى 3.25 في المئة. ويرى معظم أعضاء اللجنة أن هذا التشديد يعزز الاتجاه الهبوطي للتضخم، ولا يقتصر هذا النهج على بريطانيا، إذ أبقى “الفيدرالي” الفائدة ثابتة هذا الأسبوع مع تأكيد محافظه الجديد كيفن وارش على موقفه المتشدد ومكافحة التضخم لتشديد السياسة النقدية تلقائياً بالأسواق.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى