بتريليونات الدولارات… كيف تتم عمليات غسل الأموال حول العالم؟

كشفت دراسة بحثية حديثة، أن المنظومة المالية العالمية المعاصرة، تشهد تحولات متسارعة فرضتها ثورة التكنولوجيا الرقمية وعولمة الأسواق، وهي التحولات التي بقدر ما سهّلت حركة التجارة والاستثمار، بقدر ما منحت شبكات الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود أدوات متطورة لتمويه الأصول وتمرير التدفقات النقدية غير المشروعة.
وقالت الدراسة التي أعدها حصرياً لـ”اندبندنت عربية” المحلل المصرفي أحمد آدم، إن عمليات غسيل الأموال لم تعد مجرد نشاط إجرامي عابر، بل تحولت إلى منظومة هندسية معقدة تعتمد على الملاذات الضريبية الآمنة، والشركات الوهمية، والآليات التكنولوجية المستحدثة لخلط “الأموال القذرة” بالاقتصاد الرسمي.
وأشارت إلى الأهمية الاستثنائية للدراسة في وقت أصبحت إدارة الالتزام المصرفي ومكافحة غسيل الأموال خط الدفاع الأول والأهم لحماية سلامة الأجهزة المصرفية واستقرار الاقتصاد العالمي.
وتهدف الدراسة التي جاءت تحت عنوان “هندسة غسيل الأموال وتحديات الالتزام المصرفي”، إلى تفكيك الأنشطة الرئيسة المولدة لهذه الأموال، ورصد الجغرافيا السياسية للملاذات السرية والقوائم الدولية، وصولاً إلى تحليل الأساليب والقطاعات الأكثر استغلالاً في هذه السوق الخفية.
الجرائم الإلكترونية والسيبرانية تتصدر الأنشطة غير القانونية
يُقدر حجم عمليات غسيل الأموال السنوي عالمياً بنسبة تتراوح بين اثنين وخمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفقاً لتقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
الدراسة أشارت إلى أن حجم الأموال المغسولة عالمياً سنوياً تتراوح ما بين 2.3 تريليون وأكثر من 5.5 تريليون دولار، ويذهب الجزء الأكبر من هذه التدفقات غير المشروعة لتغذية شبكات الجريمة المنظمة، وتمويل الإرهاب، وكارتيلات المخدرات، والتهرب الضريبي العابر للحدود.
وتتصدر الجرائم الإلكترونية والسيبرانية حالياً قائمة الأنشطة غير القانونية التي تولد أرباحاً ضخمة تتطلب غسل أموال مكثف لإدراجها في النظام المصرفي، تليها مباشرة الجرائم السياسية والمنظمة العابرة للحدود.
بالنسبة لأهم الأنشطة المولدة لموارد سوق غسل الأموال، فإن الجرائم الإلكترونية تأتي في الصدارة، وتتمثل في برمجيات الفدية، وهي قرصنة أنظمة الشركات الحيوية وتشفير بياناتها للمطالبة بـ”فدية” غالباً ما تُدفع بالعملات الرقمية المشفرة قبل محاولة تحويلها لنقد تقليدي عبر النظام البنكي.
أيضاً، هناك الاحتيال المالي الرقمي، وهو عمليات التصيد، وسرقة الهويات البنكية، ومنصات الاستثمار الوهمية التي توظف التكنولوجيا لجمع المليارات.
وتتضمن اختلاس أموال الدولة أو تلقي رشاوى ضخمة من مشاريع البنية التحتية من قِبل مسؤولين يُصنفون مصرفياً كـ”أشخاص ذوي أخطار سياسية، يضاف إلى ذلك، استخدام الحسابات السرية والشركات الواجهة لإبعاد الشبهات السياسية والقانونية.
وتعد عمليات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين أحد المصادر المهمة، حيث يتضمن تدفقات نقدية هائلة تُجمع نقداً في دول متعددة، وتدخل النظام المصرفي عبر واجهات تجارية مشروعة (كالفنادق وشركات النقل) لدفع أجور المهربين وإدارة العمليات.
أيضاً هناك التجارة غير المشروعة في الأسلحة، التي تتضمن صفقات تتم في السوق السوداء لمصلحة مجموعات مسلحة أو دول محظورة، ويتم تمرير غطائها المالي في البنوك عبر “تزوير مستندات التجارة الدولية” وفواتير شحن وهمية لمعدات مدنية.
ويضاف إلى ذلك، نهب الموارد الطبيعية والجرائم البيئية، وتشمل التعدين غير القانوني (كالذهب والألماس في مناطق النزاعات) والصيد الجائر، إذ تُخلط عوائدها المالية مع تجارات زراعية وحيوانية مشروعة لشركات مرخصة تملك حسابات بنكية منتظمة.
وأخيراً، التهرب الضريبي والجمركي الجسيم، إذ يتم تهريب السلع ذات الضرائب المرتفعة، وتزييف القوائم المالية للشركات لنقل الأرباح الحقيقية عبر قنوات ملتوية إلى الملاذات الآمنة لتجنب المستحقات القانونية للدول.
ما القطاعات الأكثر استغلالاً في غسل الأموال؟
الدراسة أشارت إلى أن جزر كاريبية وأخرى في المحيطين الهندي والهادئ، تتصدر قائمة المراكز المالية الخارجية التي تُستغل دولياً لإخفاء الثروات وتسهيل عمليات غسيل الأموال، مستغلة منظومة السرية المصرفية وثغرات تأسيس الشركات.
بالنسبة للقطاعات والأنشطة الأكثر استغلالاً في عمليات غسل الأموال، فإنها تعتمد على قطاعات تجارية واستثمارية متنوعة لدمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الرسمي (مرحلة الدمج والإدماج).
وتُصنف هذه الأنشطة عادة إلى قطاعات تعتمد على الكثافة النقدية، أو يصعب فيها تقييم القيمة الفعلية للسلع، أو تتمتع بمرونة رقابية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشمل هذه القطاعات، الكازينوهات وألعاب القمار، حيث يتم شراء رقائق اللعب بمبالغ نقديّة ضخمة من أموال قذرة، وبعد اللعب لفترة وجيزة بمبالغ صغيرة، يتم استبدال الرقائق المتبقية بصكوك مصرفية أو تحويلات بنكية رسمية تحت مسمى “أرباح قمار” شرعية، مما يمنحها غطاء قانونياً عند إيداعها في البنوك.
وتتضمن تجارة الفنون الفاخرة والآثار، حيث تتميز سوق الفن بالذاتية الشديدة والضبابية في تقييم الأسعار وغياب الشفافية، إذ يمكن شراء لوحة فنية بملايين الدولارات وإعادة بيعها، أو استخدامها كضمان لقروض بنكية.
فيما تتيح المزادات العالمية والمستودعات الحرة (مثل مستودعات جنيف) نقل ملكية اللوحات الفاخرة وتخزينها لأعوام من دون الحاجة للكشف عن الهوية الحقيقية للبائع أو المستفيد الفعلي.
هناك أيضاً تجارة الذهب والمعادن الثمينة والألماس، وتمتاز هذه المعادن بكثافة قيمتها وسهولة نقلها وتسييلها في أي مكان في العالم من دون ترك أثر رقمي.
ويتم شراء المجوهرات أو السبائك نقداً، ثم صهرها أو إعادة بيعها لشركات تكرير شرعية، مما يخلط مصدرها تماماً ويمنح النقد الناتج مظهراً قانونياً.
وتتضمن القطاعات، الأنشطة ذات الكثافة النقدية، حيث تُستغل الشركات التي تتعامل يومياً بمبالغ نقدية (الكاش) من المستهلكين لخلط الأموال القذرة بالإيرادات اليومية المشروعة للمشروع.
كيف يتم غسل الأموال عبر التجارة الدولية؟
الدراسة أشارت إلى عمليات غسيل الأموال القائم على التجارة الدولية، حيث يتم التلاعب بالفواتير الصادرة والواردة لشحن البضائع عبر الحدود بأساليب تشمل تضخيم أو خفض الأسعار عبر إصدار فواتير لبضائع بأسعار تختلف تماماً عن قيمتها الحقيقية لنقل وتحويل أموال بين المشترين والبائعين بصورة يبدو تجارياً اعتيادياً.
وأيضاً عبر الفواتير الوهمية، التي تتمثل في دفع قيمة بضائع عبر اعتمادات مستندية بنكية من دون أن يتم شحنها أو استلامها على أرض الواقع أساساً بالتواطؤ بين الأطراف.
يضاف إلى ذلك منصات التكنولوجيا المالية والعملات المشفرة، حيث تُستخدم أدوات متطورة لقطع سلاسل تتبع العملات الرقمية الناتجة عن أنشطة غير مشروعة (مثل برمجيات خلط وتعمية العملات والعملات التي تركز على الخصوصية).
وتشمل سوق انتقالات اللاعبين، إذ يُعد قطاع كرة القدم تحديداً بيئة جاذبة بسبب الضبابية في تقدير القيمة السوقية للاعبين وعقود الرعاية، حيث يتم تضخيم قيم الصفقات أو عمولات الوكلاء والشركات الواجهة لتمرير مبالغ مالية ضخمة غير مبررة عبر النظام المصرفي تحت غطاء استثماري رياضي.



