عالمي

بريطانيا وسط تحديات خفض فاتورة الرعاية الاجتماعية وتقليص الدين

أعلنَت الحكومة البريطانية اليوم الثلاثاء أنها ستعفي الأسر خلال الشتاء المقبل من ضريبة القيمة المضافة على فواتير استهلاك الكهرباء المنزلية، في أول إجراء يهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية يتخذه رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام بعد توليه منصبه أمس الإثنين.

وجاء في بيان بيرنهام “قلت إنني أريد أن أُجعل الناس يرتاحون قليلاً، وهذا ما أُعلنه في ثاني يوم لي كرئيس للوزراء”. ويدخل قرار إلغاء هذه الضريبة حيّز التنفيذ اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ويتوقع أن يؤدي هذا الإجراء الضريبي إلى خفض فاتورة استهلاك الكهرباء لأسرة متوسطة نحو 45 جنيهاً استرلينياً (60 دولاراً) سنوياً، وفقاً لتقديرات الحكومة.

وبعث اختيار رئيس الوزراء البريطاني المفاجئ لجون هيلي وزيراً للخزانة برسالة واضحة إلى أروقة الحكومة مفادها بأن القرار الاقتصادي سيكون بيد مقر رئاسة الوزراء في “داونينغ ستريت”، وليس وزارة الخزانة.

وخلال الأسبوع الماضي، انحصر التكهن في شأن خليفة وزيرة الخزانة السابقة راشيل ريفز بين احتمالين رئيسين، إد ميليباند، المنتمي إلى الجناح اليساري في حزب العمال، أو شبانة محمود التي تمثل الجناح الأكثر يميناً داخل الحزب.

لكن بيرنهام اختار في النهاية شخصية مختلفة تماماً، وزيراً يُتوقع أن يلتزم توجهاته وينفذ رؤيته الاقتصادية، بدلاً من أن يسعى إلى تحديها بدوافع شخصية أو أيديولوجية.

ولا تزال التساؤلات قائمة حول ما إذا كان هيلي الخيار الأول لرئيس الوزراء، إذ أكد مصدر مطلع أن شبانة محمود كانت “محسومة تقريباً” لتولي المنصب حتى الجمعة الماضي، قبل أن “يتغير شيء ما”، كما أن تأخر الإعلان عن وزير الخزانة الجديد أربع ساعات يشير إلى احتمال حدوث تغيير خلال اللحظات الأخيرة.

ومع ذلك، يُعد هيلي، البالغ من العمر 66 سنة اختياراً محسوباً من جانب بيرنهام، إذ يراه مقربون منه شخصية قادرة على تنفيذ السياسات بفاعلية وكفاءة، أكثر من أنه صانع مستقل للسياسة الاقتصادية، فضلاً عن تمتعه بالهدوء والسرية والثقة.

وقال أحد حلفائه إن هيلي سيكون “منفذاً فاعلاً وكفؤاً للسياسات وليس قائداً لها، كما أنه يتمتع بدرجة عالية من التحفظ والموثوقية”.

“لن تكون هناك أزمات داخلية”

وأوضح بيرنهام خلال الفترة الماضية أنه يريد أن يكون صاحب القرار النهائي في ملفات الإنفاق العام، مع طرحه أفكاراً مثل فرض قيود على الإيجارات ورفع حد الإعفاء الضريبي الشخصي وفرض ضرائب على الثروات.

ويرى مراقبون أن هيلي الذي استقال من منصب وزير الدفاع في يونيو (حزيران) الماضي، ليس من الشخصيات التي يُتوقع أن تعرقل توجهات رئيس الوزراء أو تدخل معه في صراع حول أولويات السياسة الاقتصادية.

ويشير اختيار هيلي إلى رغبة بيرنهام في الإبقاء على زمام المبادرة الاقتصادية داخل مقر رئاسة الوزراء، مع الاعتماد على وزير خزانة يتمتع بالخبرة المالية والقدرة على إدارة الملفات، من دون أن يتحول إلى مركز قوة مستقل ينافس رئيس الحكومة في تحديد المسار الاقتصادي.

وقال أحد المصادر المطلعين على شخصيته لصحيفة “ذا تلغراف”، “لن تكون هناك أية دراما داخلية مع جون وزيراً للخزانة، ولا أي نوع آخر من الأزمات. إنه شخصية مستقرة، ويد أمينة، وكفؤ، كما أنه لا يقع في الأخطاء السياسية”.

ويُعرف هيلي بأنه سياسي هادئ وجاد، ولم يُعرف عنه الانتماء إلى أي تيار داخل الحزب أو خوض صراعات فصائلية، وكسب كذلك احتراماً واسعاً بعد قراره الاستقالة من منصب وزير الدفاع قبل أسابيع قليلة فقط، احتجاجاً على قضية مبدئية تتعلق بتمويل القوات المسلحة.

ومن الطبيعي أن يثير تعيينه آمالاً في أن تجد بريطانيا أخيراً التمويل اللازم لزيادة الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة، ويرى مراقبون أنه لم يكُن ليقبل تولي وزارة الخزانة لو لم تكُن هناك مؤشرات على إمكان تحقيق ذلك، خصوصاً أن بيرنهام تحدث في وقت سابق من اليوم عن “الوفاء بالتزامات الدفاع”.

التزامات هيلي تجاه الإنفاق الدفاعي

يضع انتقال هيلي من وزارة الدفاع إلى الخزانة الأنظار عليه لمعرفة ما إذا كان سيحصل، من موقعه الجديد، على الموارد التي طالب بها عندما كان مسؤولاً عن القوات المسلحة، في وقت تواجه بريطانيا ضغوطاً متزايدة لتعزيز قدراتها الدفاعية.

لكن توفير مزيد من الأموال لوزارة الدفاع السابقة لن يكون سوى مهمة واحدة ضمن سلسلة من التحديات المعقدة التي تنتظر جون هيلي، وكان بيرنهام يدرك أنه إذا أراد إقناع الأسواق المالية بقدرته على إدارة الاقتصاد بثقة، فإنه يحتاج إلى شخصية جادة وموثوقة في وزارة الخزانة.

وستكون ردود فعل الأسواق على تعيين هيلي صباح اليوم مؤشراً مهماً على اتجاه المرحلة الأولى من رئاسة بيرنهام للحكومة، وقد تكون حقيقة أن هيلي ليس إد ميليباند كافية لطمأنة المستثمرين.

وكانت شبانة محمود التي احتفظت بمنصب وزيرة الداخلية وستواصل تعزيز صدقية الحكومة في ملف الهجرة، من الأسماء التي طُرحت أيضاً لتولي وزارة الخزانة، باعتبار أن الأسواق يمكن أن تتعامل معها، لكنها كانت تمثل خياراً أقل وضوحاً في ما يتعلق برؤيتها الاقتصادية، نظراً إلى محدودية خبرتها المباشرة في هذا المجال.

أما هيلي، فيملك خبرة أكثر ارتباطاً بالسياسة المالية، إذ شغل منصبي السكرتير الاقتصادي لوزارة الخزانة والسكرتير المالي للوزارة خلال حكومة رئيس الوزراء السابق توني بلير، لفترة امتدت خمسة أعوام عمل أثناءها إلى جانب وزير الخزانة آنذاك غوردون براون الذي ارتبط اسمه بمبدأ “الحذر المالي” والانضباط في إدارة المال العام.

وشغل هيلي منصب وزير الدولة للحكم المحلي خلال حكومة غوردون براون، مما يمنحه فهماً جيداً لخطط بيرنهام الرامية إلى نقل مزيد من الصلاحيات إلى الأقاليم، كما تولى سابقاً حقيبتي الإسكان والتخطيط في عهد براون. وقبل انتقاله إلى وزارة الخزانة، كان وزيراً لشؤون مهارات البالغين، وشغل لفترة منصب وزير الصحة في حكومة الظل خلال قيادة إد ميليباند لحزب العمال.

ويرى بيرنهام أن افتقار هيلي إلى طموحات شخصية لتولي زعامة الحزب وعدم ارتباطه بأي تيار داخل حزب العمال، سيمنحانه القدرة على اتخاذ قرارات صعبة بعيداً من الحسابات الشخصية أو الولاءات الفصائلية.

ومن المتوقع أن يروج مساعدو بيرنهام لهذا التعيين باعتباره تجسيداً وطنياً للشعار الذي رفعه خلال فترة توليه منصب عمدة مانشستر الكبرى، وهو “تقديم المصلحة العامة على مصلحة الحزب”، ودليلاً على جديته عندما قال إن حكومته ستكون أكثر تركيزاً على “حل المشكلات بدلاً من تسجيل النقاط السياسية”.

4 تريليونات دولار من الدين العام

لا تزال تفاصيل كيفية اعتزام بيرنهام خفض فاتورة الرعاية الاجتماعية البالغة 333 مليار جنيه استرليني (447.8 مليار دولار)، أو تقليص الدين العام الذي يقترب من 3 تريليونات جنيه استرليني (4 تريليونات دولار)، غير واضحة. لكن تحقيق أي من الهدفين يتطلب وزير خزانة مستعداً لاتخاذ قرارات قد لا تحظى بشعبية، ويأمل بيرنهام في أن يكون هيلي الذي لا يبدو أنه يسعى إلى منصب أعلى في المستقبل، قادراً على القيام بهذا الدور.

ويقول نواب من حزب العمال إن هيلي يحظى بشعبية داخل البرلمان، إذ يحرص على التواصل مع زملائه في مقهى مجلس العموم، ويرسل رسائل تهنئة لهم بعد مداخلاتهم في المناقشات البرلمانية. ويرى مؤيدوه أن هذه العلاقات قد تساعده في الحفاظ على دعم النواب الخلفيين عندما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات صعبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحتاج كل رئيس وزراء إلى وجود شخصيات داعمة قريبة منه لتعزيز موقعه السياسي، ويبدو أن لويز هايغ ستؤدي هذا الدور في حكومة بيرنهام، بعدما عُينت في ثلاثة مناصب رئيسة هي النائب الأول لرئيس الوزراء ووزيرة دوقية لانكستر ووزيرة مكتب مجلس الوزراء.

وكانت هايغ التي أدارت حملة بيرنهام في الانتخابات التكميلية بدائرة ميكرفيلد، أعادت تقديم صورتها السياسية أخيراً، متخلية عن مظهرها الشبابي المرتبط بمرحلة النشاط الطلابي داخل حزب العمال، لمصلحة إطلالة أكثر رسمية ونضجاً، في محاولة لإظهار أن حكومة بيرنهام جادة في إدارة البلاد.

استبعاد أنصار ستارمر

لا يبدو أن هناك مكاناً في أول حكومة لبيرنهام لأنصار رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، إذ غادر عدد من أبرز حلفائه الحكومة، سواء عبر الإقالة أو الاستقالة، ومن بينهم راشيل ريفز وديفيد لامي وستيف ريد وبيتر كايل واللورد هيرمر وليز كيندال ودارين جونز وهيلاري بن ونيك توماس سايموندز.

في المقابل، احتفظ بات مكفادين، أحد أكثر وزراء حزب العمال خبرة وكفاءة ضمن التشكيلة الحالية، بمنصب وزير العمل والمعاشات، مما يعني أنه سيتولى مهمة شاقة تتمثل في إيجاد طريقة لخفض الإنفاق الإجمالي على برامج الرعاية الاجتماعية.

وستتولى إيفيت كوبر مهمة إصلاح قطاع الرعاية الاجتماعية بعد انتقالها من منصب وزيرة الخارجية إلى وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية. وباعتبارها من جيل السياسيين المخضرمين خلال عهدي توني بلير وغوردون براون، اختارها بورنهام الذي شغل بدوره منصب وزير الصحة سابقاً، لقيادة أحد أكثر الملفات تعقيداً، معتمداً على خبرتها السياسية الطويلة وقدرتها على إدارة الحملات الانتخابية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى