الفقر في فرنسا يسجل أعلى مستوى منذ ثلاثة عقود

تبلغ نسبة الفقر في فرنسا 15.4 في المئة من السكان، ويعني هذا الرقم أن أكثر من 9.8 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر من مجموع 69.1 مليون نسمة، وهو أعلى مستوى مسجل في البلاد منذ عام 1996، وفق المعهد الوطني للإحصاء الذي كشف عن خطورة استمرار الهشاشة، وربط بين الفقر والحرمان معتبراً أنهما خزان للتوتر الاجتماعي.
وبحسب دراسة للمعهد العمومي نشرت في نهاية مايو (أيار) الماضي، أظهرت متابعة السكان على مدى سنوات عدة أن واحداً من كل خمسة أشخاص (22 في المئة) عانى الحرمان المادي والاجتماعي بين عامي 2022 و2025، ومن بين هؤلاء يعيش خمسة في المئة في حال من الهشاشة المستمرة، مما ينذر بالخطر.
توزيع غير متساوٍ للحرمان
ويؤثر الفقر في الناس بصورة غير متساوية في فرنسا بين مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، إذ يبلغ 7.3 في المئة بين العمال مقارنة بـ2.1 في المئة بين الإطارات، وتسير مؤشرات الفقر بالتوازي مع تدني المؤهلات العلمية والتكوين.
وتشير الدراسة إلى أن الحرمان المادي المستمر يتفاقم في سبع من كل 10 حالات، ويؤثر ذلك بصورة خاصة في الأشخاص غير المؤهلين علمياً أو الذين يعانون عدم استقرار وظيفي.
وتُحدد عتبة الفقر في فرنسا بما يعادل نحو 1288 يورو (1494 دولاراً أميركياً) شهرياً للفرد، ويعاني أكثر من ستة من كل 10 أشخاص ممن عايشوا الحرمان المادي والاجتماعي خلال عام معين من هذا الحرمان في العام التالي.
ويُعد معدل استمرار الحرمان المادي والاجتماعي على مدى ثلاث سنوات مرتفعاً، فمن بين الذين عانوا منه عام 2022، ظل واحد من كل اثنين ضحيته حتى عام 2025.
وصرح أكثر من واحد من كل خمسة أشخاص بأنه تعرض لصور من الحرمان المادي والاجتماعي بين عامي 2022 و2025، وخلال هذه السنوات الأربع، عانى 17 في المئة من السكان أزمات مالية متقطعة، وخمسة في المئة حرماناً مادياً واجتماعياً مستمراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترتبط هذه الحالات بالأشخاص الذين يفتقرون إلى موارد الحماية كالأمان الوظيفي، ولوحظ أيضاً أنها اقترنت بغياب المؤهلات لدى هؤلاء.
ويُعد العاطلون من العمل الفئة الأكثر عرضة للحرمان، إذ يعانيه 35 في المئة منهم، وارتفعت نسبة العمال الذين يعانون الحرمان منذ بداية عام 2020، سواء كانوا عمالاً أو موظفين أو مهنيين متوسطي الخبرة.
وفسر الاقتصادي المنجي السمعلي في تحليله لـ”اندبندنت عربية” ذلك بتواصل انعكاسات الأزمة الاجتماعية التي تلت فترة عودة النشاط بعد جائحة كورونا، وإن تمكنت المؤسسات الكبرى من استعادة نسق السوق من ناحية الإنتاج والتصدير، بالتالي التشغيل، فقد عجزت الشركات الصغرى والمتوسطة في الجزء الأعظم من تدارك الصدمة حتى اليوم، وبعد خمسة أعوام.
ويُشار إلى أن الحكومات الفرنسية عجزت عن تقليص قائمة الشركات المحلية المتضررة، وتزداد الأوضاع سوءاً بالنسبة إليها، إذ أعلنت أكثر من 66 ألف شركة إفلاسها عام 2024، وما يقارب 70 ألفاً في 2025، وزادت حالات إفلاس الشركات بنسبة 3.1 في المئة عام 2025، مما يمثل ارتفاعاً تاريخياً متجاوزاً بذلك ذروة عام 2012 المرتبطة بأزمة ديون منطقة اليورو، وذروة عام 2009 التي اندلعت بسبب أزمة الرهن العقاري.
ويؤثر هذا الوضع بصورة خاصة في الشركات الصغيرة جداً والمتوسطة والقطاعات الهشة التي تضررت بشدة من ارتفاع كلفة التشغيل نتيجة التضخم.
وفقد قطاع الوظائف بأجر ثابت نحو 40 ألف وظيفة على أساس سنوي خلال الربع الأخير من عام 2025، مع خطر فقدان 267200 وظيفة، أي بزيادة قدرها 11500 وظيفة (+4.5 في المئة) مقارنة بالعام السابق، وارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى 8.1 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي، وهو أعلى مستوى لها منذ خمسة أعوام، وتمس الآن 2.6 مليون شخص.
تحولات تهدد ملايين الوظائف
ويضيف السمعلي أن صعود نسبة الفقر هو نتيجة بديهية للصدمة التي تلقتها سوق التشغيل وعجزها عن النسق المعتاد لاستيعاب الفئة الناشطة، كما يتجلى بوضوح في فرنسا التي يقودها اقتصاد منفتح على التغييرات الحاصلة في سوق الشغل.
ويهدد الذكاء الاصطناعي 5 ملايين وظيفة في فرنسا بحلول عام 2030، وفق دراسة قامت بها شركة التأمين “كريدي كافاس”، لكن هذا لا يعني عدم اندثار المئات، بل الآلاف من هذه الوظائف في الوقت الراهن. ويعيش المجتمع الفرنسي حالياً هذا التحول العميق نتيجة التكنولوجيا الجديدة والذكاء الاصطناعي، بحكم انفتاح المؤسسات على هذه التطبيقات التي تُعد وسائل إنتاج مستنبطة.
وينتظر أن تقترن هذه التحولات بارتفاع نسبة البطالة واندثار مواطن شغل ونشأة أخرى، لكنها في المقابل تشهد ولادة مهن جديدة تفتقد إلى الهيكلة الاجتماعية من تغطية صحية واجتماعية، وهي عوامل مجتمعة تزيد نسب الفقر.
ويُعرّف الفقر بأنه نقص في الموارد المالية، ويُقيّم بموارد الأسر ورصد ظروف المعيشة، ويتوقع أن تمر هذه الاقتصادات الكبرى ومجتمعاتها بتحولات كبرى نتيجة هذه التغييرات في سوق الشغل، تنشأ عنها أزمات اجتماعية من بينها ارتفاع منسوب البطالة وانتشار المهن الجديدة الهشة غير الرسمية، بالتالي زيادة منسوب الفقر، وفق السمعلي.
ولعل الظاهرة الأكثر إثارة للقلق ليست مستوى الفقر بحد ذاته، بل استمراريته، بحسب المحلل الاقتصادي جمال بن جميع الذي رأى أن المجتمع الفرنسي يشهد بروز حال من الهشاشة المتجذرة التي تقاوم الانتعاش الاقتصادي والسياسات الاجتماعية.
ويقول “بعبارة أخرى، لم يعُد السؤال ببساطة ’كم عدد الفرنسيين الفقراء‘؟ بل أصبح ’كم عدد الفرنسيين المعرضين لخطر البقاء فقراء على المدى الطويل‘؟ ولا شك في أن هذا التحول في التركيز، من الفقر الموقت إلى الهشاشة المزمنة، هو الدرس الأهم من الدراسات الحديثة التي أجراها المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية.
وعام 1995، حذر الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك من وجود انقسام اجتماعي يشكل هوة بين طبقات المجتمع الفرنسي، وعام 2026، يبدو أن فرنسا تواجه فسيفساء من الانقسامات التي من خلال تداخلها تحدد خطر مجتمع يعيش فيه المواطنون جنباً إلى جنب مع اختلافات جوهرية في مستوى المعيشة.
وغالباً ما يؤدي الفقر إلى زيادة خطر الانهيار الاجتماعي والإقصاء، إذ يولد مخاوف اجتماعية واقتصادية متعددة.



