عادت أسعار النفط لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل خلال الأيام الأخيرة، بعدما تلقت الأسواق دفعة قوية من تصاعد الهجمات على الملاحة البحرية في الخليج والبحر الأحمر. وأثار هذا التطور مخاوف جديدة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، في وقت يحذر فيه محللون من احتمالات استمرار موجة الصعود إذا استمرت الاضطرابات في أهم الممرات البحرية لنقل النفط.
لماذا ارتفعت أسعار النفط مجددًا؟
بعد نحو أسبوعين من استئناف الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج، صعد خام برنت ليتجاوز مستوى 100 دولار للبرميل في 24 يوليو، بما يعادل نحو 87.8 يورو للبرميل.
ويمثل هذا المستوى ارتفاعًا يقترب من الثلث مقارنة بأدنى سعر سجله الخام خلال الشهر الماضي، لكنه لا يزال أقل من الذروة التي بلغها في أبريل عند 126 دولارًا للبرميل خلال ذروة التصعيد العسكري.
ويرى مراقبون أن القفزة الأخيرة جاءت نتيجة تصاعد التوتر في البحر الأحمر، وهو ما يزيد من صعوبة تصدير النفط الخليجي عبر المسارات البديلة، خاصة مع استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
هجمات البحر الأحمر تزيد الضغوط على سوق الطاقة
أسهمت الهجمات التي أعلن الحوثيون المدعومون من إيران مسؤوليتهم عنها، والتي استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين في 22 يوليو، في تصاعد المخاوف بشأن سلامة الملاحة التجارية.
كما هددت الجماعة بمواصلة استهداف السفن في البحر الأحمر، وهو ما يضع أحد أهم طرق تصدير النفط في المنطقة أمام تحديات متزايدة.
وخلال الفترة الماضية، تحول البحر الأحمر إلى مسار بديل مهم للسعودية والإمارات، حيث مكّن البلدين من تصدير جزء من إنتاجهما عبر خطوط أنابيب تنتهي في موانئ تقع خارج منطقة الخليج.
الغارات الأمريكية والتصعيد الإيراني
في المقابل، شنت الولايات المتحدة غارات لليلة الثانية عشرة على التوالي ضد أهداف داخل إيران، استهدفت منشآت لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
وتقول واشنطن إن هذه المواقع تُستخدم في تنفيذ هجمات ضد السفن والدول المجاورة في الخليج، بينما تؤكد التطورات الميدانية أن إيران لا تبدي مؤشرات على التراجع عن موقفها.
ماذا يعني تصعيد البحر الأحمر لأسواق النفط؟
يؤكد محللون في قطاع الطاقة أن أي حصار كامل لحركة الملاحة في البحر الأحمر سيمثل ضربة جديدة لأسواق النفط العالمية، تضاف إلى تداعيات أزمة مضيق هرمز.
ويُعد مضيق باب المندب من أكثر الممرات البحرية حساسية، إذ يشكل نقطة عبور رئيسية لصادرات النفط القادمة من الخليج، ويظل معرضًا لمخاطر الإغلاق أو التعطيل بفعل الهجمات.
وقال خورخي ليون، نائب الرئيس الأول ورئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة ريستاد إنيرجي، إن نحو 2.5 مليون برميل يوميًا من النفط السعودي كانت تمر عبر باب المندب قبل بدء الهجمات الحوثية.
وأضاف أن البحر الأحمر وفر منفذًا لتصدير نحو 6.8 مليون برميل يوميًا من النفط الخام السعودي والإماراتي، وهو ما يعادل قرابة نصف الكميات التي كانت تمر عادة عبر مضيق هرمز.
وأشار كذلك إلى أن السعودية استعانت بخطوط أنابيب تمر عبر الأراضي المصرية لتصدير النفط من أحد موانئ البحر المتوسط، مؤكدًا أن اعتماد السوق على هذا المسار يزداد بشكل مستمر، وأن تعطل المسارين معًا قد يؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط.
غولدمان ساكس يتوقع صعود النفط إلى 120 دولارًا
قبل الهجمات التي نفذها الحوثيون، أصدر بنك غولدمان ساكس تحذيرًا من احتمال وصول أسعار النفط إلى 120 دولارًا للبرميل بحلول الربع الرابع من العام إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
ورغم ذلك، لا تزال التوقعات الأساسية للبنك تشير إلى إمكانية استقرار خام برنت قرب مستوى 80 دولارًا للبرميل في حال تحسن الأوضاع الجيوسياسية.
ارتفاع أسعار الوقود بدأ يصل إلى المستهلكين
بدأت آثار صعود النفط تنعكس على أسعار الوقود في عدد من الدول.
ففي الولايات المتحدة، بلغ متوسط سعر جالون البنزين 4.09 دولار مقارنة بـ 3.92 دولار قبل شهر، وفق بيانات الجمعية الأمريكية للسيارات.
وعند سؤاله عن ارتفاع أسعار النفط خلال فعالية قرب مدينة أتلانتا بولاية جورجيا، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الأسعار ستتراجع، وربما تصبح أقل من مستوياتها السابقة، لكنه طلب منح الإدارة مزيدًا من الوقت.
وفي ألمانيا، أعلن نادي السيارات الألماني ADAC ارتفاع سعر لتر البنزين إلى نحو 2.15 يورو، بزيادة بلغت 33 سنتًا مقارنة بأدنى مستوى سُجل بعد إعلان الهدنة المؤقتة.
كما ارتفع سعر لتر الديزل إلى نحو 2.18 يورو مقابل 1.73 يورو قبل شهر.
وسجلت أسواق أخرى، مثل باكستان والفلبين، زيادات مماثلة، بينما بقيت الأسعار في الهند مستقرة نسبيًا مع تحمل شركات النفط الوطنية جانبًا من التكاليف الإضافية.
ما العوامل التي قد تدفع أسعار النفط لمزيد من الارتفاع؟
يرى خبراء الطاقة أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر لفترة طويلة قد يؤدي إلى صدمة جديدة في الإمدادات العالمية.
ورغم إمكانية تحويل السفن مسارها عبر جنوب أفريقيا، فإن ذلك يضيف ما يصل إلى أربعة أسابيع إلى زمن الرحلة، ويرفع تكلفة الوقود بأكثر من مليون دولار للرحلة الواحدة، وهي أعباء تنتقل في النهاية إلى المستهلكين والشركات.
كما ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العاملة في البحر الأحمر بصورة ملحوظة منذ تصاعد الهجمات.
الاحتياطيات الأمريكية والطلب الصيني يضغطان على السوق
خلال الأسابيع الأولى من الحرب، طرحت الولايات المتحدة وعدة دول ملايين البراميل من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية للمساهمة في تهدئة الأسعار.
ومع تراجع هذه الاحتياطيات، يحذر محللون من أن إعادة تكوين المخزونات ستكون أكثر تكلفة في ظل الأسعار الحالية، وهو ما قد يدعم استمرار ارتفاع النفط.
وفي مذكرة بحثية حديثة، حذرت جون غوه، كبيرة محللي النفط في شركة سبارتا كوموديتيز، من احتمال فرض الولايات المتحدة قيودًا على صادرات النفط الخام أو المنتجات المكررة، بهدف إعطاء الأولوية للسوق المحلية.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة، أكبر مصدر للنفط عالميًا، رفعت صادراتها خلال الحرب إلى 5.6 مليون برميل يوميًا في أبريل.
وفي المقابل، خفضت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، مشترياتها إلى أدنى مستوى لها منذ نحو عشر سنوات خلال الأشهر الأولى من الحرب، نتيجة ضعف الطلب وامتلاكها احتياطيات كبيرة.
لكن مع تراجع تلك المخزونات تدريجيًا، يتوقع محللون أن تزيد بكين وارداتها خلال النصف الثاني من العام، وهو ما قد يضيف ضغوطًا جديدة تدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى.



