ملف وسطاء النفط… أين اختفت مليارات الدولارات من أموال إيران؟

دخل ديوان المحاسبات الإيراني على خط التحقيق في ملف تحويل عائدات النفط عبر شبكة تعرف باسم وسطاء النفط (Oil Trustees) في أحدث خطوة رقابية وقضائية تستهدف شبكة تحولت، خلال أعوام العقوبات، إلى إحدى أبرز الجهات الوسيطة في بيع النفط الإيراني ونقل عائداته من العملات الأجنبية.
وأعلن ديوان المحاسبات، في الـ16 من أغسطس (آب) الجاري، فتح ملف 141 وسيطاً نفطياً مدينين، إلى جانب البنوك المرتبطة بهم، كذلك قرر إحالة ملفات تتعلق بأداء وزارة النفط والشركات التابعة لها والبنك المركزي، إلى نيابة الديوان للتحقيق.
وأشار تقرير الديوان إلى وجود تضارب في المصالح، ومنح خصومات غير اعتيادية ومتكررة، والتأخر في تحصيل الإيرادات، وعدم الالتزام بالمتطلبات القانونية للعقود، فضلاً عن تقصير أو تساهل من جانب المسؤولين المعنيين. وتكشف هذه الاتهامات عن أن قضية وسطاء النفط لم تعد تقتصر على وجود عدد من المدينين بعائدات النفط، بل امتدت لتطرح تساؤلات حول آلية إدارة جزء من الإيرادات النفطية الإيرانية.
وتكمن أهمية تقرير ديوان المحاسبات في أنه، للمرة الأولى، يتناول هذه الشبكة من زاوية أوسع. ووفقاً للتقرير، فإنه على رغم توافر إمكان استخدام بعض الآليات المصرفية الأكثر شفافية والأقل كلفة، فإن الاعتماد على وسطاء النفط (Oil Trustees) في تحصيل عائدات النفط والمكثفات الغازية وتحويلها، أدى إلى تفاقم أخطار تجميد الأموال وارتفاع العمولات وتأخر وصول الإيرادات لأشهر، فضلاً عن استفادة الوسطاء من هذه العمليات. وبعبارة أخرى، يطرح الديوان، بوصفه جهة رسمية، تساؤلاً عما إذا كان اللجوء إلى شبكة وسطاء النفط فرضته العقوبات بالفعل، أم أن جزءاً من هذه الشبكة تحول مع مرور الوقت إلى آلية مكلفة تفتقر إلى الشفافية.
من توقيف 22 متهماً إلى ملاحقة وسطاء النفط الفارين
وكانت السلطة القضائية قد بدأت، في وقت سابق، ملاحقة جزء من هذه الشبكة. ففي الـ24 من يوليو (تموز) الماضي، أعلن المدعي العام في طهران علي صالحي، فتح 59 قضية قضائية في حق مديري شركات تعمل ضمن شبكة وسطاء النفط (Oil Trustees)، موضحاً أنه صدرت قرارات بإحالة 43 قضية إلى المحاكمة، وأودع 22 متهماً السجن، فيما أصدرت الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) نشرات حمراء بحق 15 متهماً.
وتشير هذه الأرقام، إلى جانب الحديث عن 141 وسيطاً نفطياً مديناً، وفقاً لما أعلنه ديوان المحاسبات، إلى أن القضية تتجاوز بكثير نطاق عدد محدود من الشركات أو الوسطاء، وتعكس اتساع حجم الشبكة محل التحقيق.
وبعد أيام قليلة، كشف رئيس هيئة التفتيش العامة الإيرانية ذبيح الله خداييان عن جانب آخر من القضية، إذ قال إن بعض وسطاء النفط خانوا الأمانة، مشيراً إلى أن أحدهم استولى على 200 مليون دولار من أموال الدولة وغادر إيران من دون إعادتها.
كذلك أفادت تقارير بتشكيل هيئة قضائية خاصة للنظر في قضايا الفساد المرتبطة بالعملات الأجنبية، ومع ذلك ينبغي التمييز بين إجمالي الالتزامات غير المسددة بالعملات الأجنبية وبين الأموال التي فقدت فعلياً أو جرى الاستيلاء عليها. إذ تشير تحقيقات هيئة التفتيش إلى أن جانباً من الأرقام الكبيرة المسجلة في الأنظمة الرسمية يعود لأخطاء في التسجيل، أو لآلية تسجيل صادرات الشركات الحكومية، أو لإنفاق الأموال عبر قنوات قانونية.
ويفسر هذا الاختلاف في التعريفات صدور تقديرات متباينة في شأن الأموال التي لم تعد للبلاد، فقد سبق أن قدر نائب رئيس لجنة المادة 90 في البرلمان الإيراني حسين علي حاجي دليغاني ديون وسطاء النفط المرتبطة ببيع النفط بنحو 6.7 مليار دولار.
وفي رواية أخرى، قال المتحدث باسم اتحاد مصدري المنتجات النفطية والغاز والبتروكيماويات سيد حميد حسيني إن إجمالي العائدات النفطية التي لم تعد لإيران يبلغ نحو 20 مليار دولار، موضحاً أن نحو 9 مليارات دولار منها لا تزال بحوزة التجار، فيما يحتفظ وسطاء النفط بنحو 11 مليار دولار. وأضاف أن جزءاً من هذه الأموال حول إلى أصول، مثل العقارات والسفن.
وعليه، فإن الأرقام التي جرى تداولها خلال الأشهر الماضية، سواء 6.7 مليار دولار أو 8.11 مليار دولار أو 20 مليار دولار، لا تعبر بالضرورة عن مؤشر واحد، ولا يمكن جمعها أو مقارنتها من دون إجراء تدقيق ومراجعة مالية دقيقة.
أبناء المسؤولين والوسطاء الجدد
وبالتوازي مع التحقيقات، تداولت شبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام قوائم وادعاءات لم يجر التحقق منها، تحدثت عن تورط أبناء أو مقربين من عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين في شبكة تجارة النفط وتحويل عائداته. غير أن وجود بعض أقارب الشخصيات النافذة في تجارة النفط الدولية لا يستند إلى إشاعات محلية فحسب، إذ صدرت في شأن بعضهم تقارير دولية مستقلة.
ويعيد هذا المشهد للأذهان قضية بابك زنجاني، رجل الأعمال الذي تحول، خلال جولة العقوبات السابقة، إلى وسيط رئيس في بيع النفط الإيراني وتحويل عائداته، قبل أن تنتهي القضية باتهامه بالاستيلاء على مليارات الدولارات المستحقة للدولة.
وعلى رغم أن آلية عمل وسطاء النفط (Oil Trustees) اليوم ليست نسخة مطابقة لنموذج بابك زنجاني، فإنها تتشابه معه في عدد من الجوانب الجوهرية. فالعقوبات تحد من استخدام النظام المصرفي الرسمي، مما يدفع الحكومة إلى الاعتماد على وسطاء من القطاع الخاص أو شبه الخاص، في ظل سرية العقود، لتصبح مبالغ ضخمة من الأموال العامة في عهدة أشخاص يصعب لاحقاً مراقبتهم أو استرداد الأموال منهم. وتشير بعض التحليلات الصادرة داخل إيران إلى أن نموذج بابك زنجاني لم يكن، من الناحية الفنية، يندرج ضمن مفهوم وسطاء النفط (Oil Trustees) بصورته الحالية، إلا أن الظاهرتين تعودان في الأساس للمشكلة ذاتها، وهي صعوبة تحويل الأموال خارج المنظومة المالية الرسمية.
وفي هذا السياق، يرى رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية آرش نجفي أن الخطوة الأولى هي تحقيق الشفافية، والثانية فرض رقابة دقيقة على آلية إعادة العملات الأجنبية للبلاد. وحتى قبل بضعة أشهر، كنت أعتقد شخصياً أن هناك رقابة دقيقة، لكن الأرقام التي تتكشف أخيراً، وعدم قيام كثير من وسطاء النفط بإعادة الأموال، والخسائر التي ترتبت على ذلك، تؤكد أن البنك المركزي لم يؤد دوره في ترسيخ الشفافية، والحقيقة أنه لم يحققها أصلاً.
وهنا يبرز السؤال الأهم في هذه القضية، وهو ليس من هو الوسيط المدين، بل من هي الجهة التي منحت هؤلاء الوسطاء صلاحية إدارة هذه الأموال؟ فمن الذي تحقق من أهليتهم المالية والمهنية؟ ومن الذي قرر وضع مئات الملايين من الدولارات، وربما أكثر، من عائدات بيع النفط تحت تصرف وسيط واحد؟ وما الضمانات التي قدمت لاستعادة هذه الأموال؟ ولماذا لا تتحرك السلطة القضائية في بعض القضايا إلا بعد مغادرة الوسيط البلاد أو إخلاله بالتزاماته؟
وتشير تجربة بيع النفط عبر بورصة الطاقة الإيرانية إلى أن اشتراط الضمانات المالية الموثوقة والقابلة للتسييل في صفقات النفط ليس أمراً جديداً، إذ سبق لنواب في البرلمان الإيراني أن أكدوا، قبل أعوام، أن الحصول على ضمانات كافية يمثل أحد أهم السبل لمنع تكرار قضايا مشابهة لقضية بابك زنجاني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسطاء النفط… نتاج العقوبات أم ثمرة الفساد؟
يرى كثير من الاقتصاديين أن إقصاء وسيط نفطي أو مجموعة من الوسطاء لن يحل جوهر المشكلة، فهذه الشبكات لم تنشأ من فراغ، بل أوجدتها القيود التي فرضتها العقوبات على ارتباط البنوك الإيرانية بالنظام المالي الدولي، وما ترتب عليها من صعوبات في تحويل عائدات النفط عبر القنوات الرسمية. وقد وفر هذا الواقع بيئة مواتية لظهور وسطاء يمتلكون حسابات مصرفية وشركات واجهة وشبكات لتحويل الأموال في دول ثالثة.
وفي هذا السياق، كتبت وكالة “تسنيم” أن الآلية التي أنشئت في الأصل للالتفاف على العقوبات تحولت، مع مرور الوقت، وبسبب استمرارها لفترة طويلة، وغياب الأطر التنظيمية الواضحة والرقابة المركزية، إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه إدارة النقد الأجنبي في إيران.
وفي المقابل، أعاد ظهور أسماء بعض المسؤولين المتورطين في هذه القضية داخل الهيكل الإداري لوزارة النفط الحديث مجدداً عن احتمال إقالة أو استقالة وزير النفط محسن باك نجاد، كذلك أن الكشف عن أسماء عدد من الأشخاص الذين أصدرت السلطة القضائية في حقهم نشرات حمراء عبر الإنتربول أظهر بوضوح حجم ارتباط هذه الشبكات ببعض الدوائر التنفيذية داخل الوزارة.
ويعد حسين آقاياري، حتى الآن، الاسم الرسمي الوحيد الذي كشف عنه ضمن هذه القضية، بعدما أعلن حسين صمصامي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، اسمه على الملأ. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن جزءاً كبيراً من العائدات النفطية، التي لم تعد للبلاد، يرتبط بالشبكة المنسوبة إليه.
ووفقاً للمعلومات المنشورة، فإن آقاياري، المولود في طهران عام 1982، يحمل الجنسيتين الإيرانية والأفغانية، وكان يدير نشاطه التجاري من خارج إيران.
وتفيد المعلومات بأنه بدأ نشاطه الاقتصادي من خلال مكتب صغير للصرافة، لكنه انتقل، خلال نحو عامين فقط، إلى صفقات نفطية ضخمة، ليصبح أحد أبرز وسطاء النفط (Oil Trustees) في بيع النفط الإيراني وتحويل عائداته. كذلك تنسب إليه شركة OPS العاملة في مجال النقل والخدمات اللوجستية، وشركةVaio المتخصصة في الأنشطة التجارية.
وتزعم بعض المصادر أيضاً أن آقاياري اشترى، خلال فترة قصيرة، نحو 40 ناقلة نفط وسفينة تجارية، وتسلم خلال عام واحد أكثر من 90 مليون برميل من النفط بغرض بيعها. وفي المقابل، أشارت تقارير إلى أن الضمانات المالية التي قدمها كانت محدودة للغاية مقارنة بحجم الصفقات التي أسندت إليه، وأن السلطات واصلت منحه شحنات نفطية جديدة على رغم تراكم الديون والالتزامات غير المسددة.
وهنا تبرز أبرز علامات الاستفهام في هذه القضية: كيف تمكن آقاياري من دخول سوق الصفقات النفطية التي تقدر بمليارات الدولارات؟ ومن هي الجهات التي وافقت على منحه هذه الصلاحيات؟ ولماذا استمر إسناد شحنات نفطية جديدة إلى شبكته، على رغم الديون والالتزامات المالية غير المسددة؟
ومع ذلك فإن آقاياري ليس المتهم الوحيد في هذه القضية، فقد زعمت بعض وسائل الإعلام غير الرسمية أنها حصلت على قائمة بأسماء متهمين، تضم أبناء محسن رضائي وعلي شمخاني وعدداً من أقارب شخصيات نافذة أخرى في النظام. ويظهر هذا، بحسب تلك المزاعم، كيف أن الجهات الرقابية منحت ثقتها لأشخاص ينظر إليهم على أنهم من أبناء النظام، مما أتاح قيام شبكة واسعة للالتفاف على العقوبات، انتهت، وفق هذه الرواية، إلى هدر جزء من موارد البلاد من النقد الأجنبي.
ومع ذلك، يؤكد اقتصاديون وخبراء باستمرار أن الحديث عن ملاحقة هذه الشبكات لن يكون ذا جدوى حقيقية ما دامت العقوبات المفروضة على إيران قائمة، فاقتصاد اعتاد العمل عبر قنوات غير رسمية وتحت الأرض لا يجد، في ظل الظروف الحالية، وسيلة للتجارة مع العالم سوى الاعتماد على هذه المجموعات والشبكات التي باتت تعرف اليوم باسم وسطاء النفط (Oil Trustees). ويرى هؤلاء أن النظام الإيراني، على رغم إدراكه حجم الفساد الذي يرافق هذا الأسلوب، لا يملك بديلاً عملياً عنه، ولذلك يغض الطرف عن نشاط هذه الشبكات، ويلجأ بين حين وآخر إلى ملاحقات قضائية ذات طابع استعراضي، من دون تغيير البنية التي تنتج الفساد، مكتفياً باستبدال بعض أطرافه بآخرين.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”



