عالمي

من يراهن على التحول الكبير في صعود الذهب؟

لم يعد صعود الذهب مجرد قصة مرتبطة بالخوف من التضخم أو الأزمات الجيوسياسية، بل أصبح يعكس تحولاً أعمق في طريقة تسعير الأسواق للأخطار وتوزيع المستثمرين لأصولهم.

فالمعدن الأصفر عاد بقوة إلى واجهة الأسواق، متفوقاً في جاذبيته على سندات الخزانة الأميركية، رغم أن السندات لا تزال تقدم عائداً دورياً، وهو ما يكشف عن تغير مهم في أولويات المستثمرين.

 ما هي التوقعات؟

في 17 أغسطس (آب) الجاري ارتفع الذهب إلى نحو 4.400 دولار للأونصة، مدعوماً بتراجع الدولار وتراجع توقعات رفع مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة، وفي المقابل، انخفض عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.68 في المئة.

إعلان

لكن السؤال هو: لماذا يفضل المستثمر الذهب، وهو أصل لا يدر عائداً، على سندات أميركية تقدم عائداً يقارب خمسة في المئة؟

ما العائد الحقيقي؟

الإجابة تبدأ من العائد الحقيقي، فعندما يتوقع المستثمرون انخفاض أسعار الفائدة وتراجع عوائد السندات، تنخفض كلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأصول المدرة للفائدة. وهذا ما يحدث حالياً مع تراجع رهانات الأسواق على رفع الفائدة الأميركية، بعد صدور بيانات اقتصادية أضعف من المتوقع.

 العلاقة التاريخية بين العملة الأميركية والذهب لا تزال مهمة، فضعف الدولار يجعل الذهب أرخص لحائزي العملات الأخرى، ويزيد الطلب عليه.
والأهم أن ضعف الدولار أصبح بالنسبة إلى بعض المستثمرين جزءاً من استراتيجية تنويع بعيداً من الأصول الأميركية.

أما المحرك الثالث، وربما الأكثر أهمية على المدى الطويل، فهو البنوك المركزية فقد اشترت البنوك المركزية 289 طناً من الذهب في الربع الثاني من 2026، في واحدة من أقوى موجات الشراء الأخيرة.

كما أظهر استطلاع لمجلس الذهب العالمي أن 45 في المئة من البنوك المركزية تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال العام المقبل.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الذهب والسندات الأميركية، فالسندات تعتمد في جزء كبير من جاذبيتها على الثقة في السياسة النقدية والمالية الأميركية، بينما لا يرتبط الذهب بالتزام مالي على جهة مصدرة.

ولذلك يصبح أكثر جاذبية عندما ترتفع المخاوف بشأن الدين العام أو التضخم أو الاستقرار الجيوسياسي.

ماآثار التوترات؟

المحرك الرابع هو الجغرافيا السياسية فالتوترات في الشرق الأوسط، وعدم اليقين بشأن إيران ومضيق هرمز، إلى جانب التوترات التجارية والسياسية، تدفع المستثمرين إلى البحث عن أصول يمكن الاحتفاظ بها خارج النظام المالي للدولة المصدرة.

وقد أكد مجلس الذهب العالمي أن الأخطار الجيوسياسية كانت من أهم محركات الذهب خلال النصف الأول من العام.

وهناك محرك خامس لا يقل أهمية تغير سلوك المستثمرين الغربيين، فقد عادت التدفقات إلى صناديق الذهب المتداولة، إذ جذبت صناديق الذهب العالمية نحو 3 مليارات دولار في يوليو، مع زيادة الحيازات بنحو 23 طناً.

لذلك فإن التحول في الذهب ليس مجرد هروب موقت من السندات، إنه مزيج من انخفاض توقعات الفائدة، وضعف الدولار، والشراء الرسمي، والأخطار الجيوسياسية، والرغبة في تنويع الاحتياطات بعيداً من الأصول الأميركية.

ما محركات الذهب؟

والخلاصة أن محركات الذهب تغيرت لم يعد الذهب مجرد ملاذ وقت الأزمات، بل أصبح في نظر عدد متزايد من المستثمرين والبنوك المركزية أصلاً استراتيجياً في عالم ترتفع فيه مستويات الدين، وتتزايد الأخطار السياسية، وتتراجع الثقة في بعض الأصول التقليدية. وهذا تحديداً ما يجعل السؤال عن الذهب اليوم أكبر من مجرد سؤال عن سعره: إنه سؤال عن شكل النظام المالي العالمي في السنوات المقبلة.

 التقاطع التاريخي

ويمثل التقاطع التاريخي الذي شهدته احتياطات البنوك المركزية العالمية في عام 2025 (تجاوزت القيمة السوقية للذهب الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود) نقطة تحول هيكلية في النظام المالي الدولي.

يجادل هذا المقال بأنه على رغم من أن تأثيرات التقييم السوقي قد سارعت هذا التحول، فإن المحركات الجوهرية تعود إلى إعادة المعايرة الجيوسياسية والهشاشة المالية.

وتمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من إدارة المحافظ الاستثمارية، لتشمل كلفة الاقتراض السيادي وهندسة النظام النقدي العالمي.
 

تشريح التقاطع

ما بين عامي 2020 و2025، تباعد مسار احتياطات البنوك المركزية بصورة حادة (قفزت حيازات الذهب المقومة بأسعار السوق) من حوالى 1.5 تريليون دولار إلى ما يقارب 5 تريليونات دولار، بينما ركدت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية عند مستويات تراوحت ما بين 3.5 و4 تريليونات دولار.

وهذا التقارب والانعكاس اللاحق ليس مجرد نتيجة لعمليات شراء صافية مكثفة، رغم أن الأسواق الناشئة (وبخاصة الصين وبولندا وتركيا والهند) كانت مضطردة في التراكم، والأهم من ذلك أن الجزء الأكبر من التوسع في القيمة الدولارية للذهب الصعود مقابل الأصول يعود إلى تأثيرات التقييم السوقي

فارتفاع أسعار الذهب مقابل أصول الدخل الثابت أدى إلى تضخيم الوزن النسبي للمعدن النفيس في المحافظ من دون أن يستلزم نمواً مماثلاً في الحجم المادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يستند هذا التحول إلى عاملين هيكليين رئيسين:
الأول: تجميد الأصول السيادية بالعملات الأجنبية بعد عام 2022 أثبت أن سندات الخزانة الأميركية (التي كانت توصف بأنها “خالية من الأخطار)”  أصبحت رهناً بالاعتبارات الجيوسياسية.

وقد حفز ذلك البنوك المركزية على التحرك نحو أصول غير قابلة للتجميد، ولا تحمل أخطار الطرف المقابل، وهي ميزة فريدة للذهب المادي.
 الثاني: تصاعد التقلبات في عوائد سندات الخزانة وارتفاع مستويات الدين الأميركي أدى إلى تآكل الجاذبية المعدلة بحسب الأخطار لأوراق الدين السيادي طويل الأجل. صار مديرو الاحتياطات يزنون الآن ليس العائد فحسب، بل أيضاً خيارية الاحتفاظ بأصول مستقلة عن مسار مالية دولة واحدة.

التداعيات الاقتصادية الجوهرية

ويمكن القول إن التفتت التدرجي للاحتياطات: بدلاً من التخلي الكامل عن الدولار، نشهد تنوعاً متعدد الأقطاب. فالدولار لا يزال مهيمناً في تسوية التجارة والسيولة العالمية، لكن احتكاره بوصفه وعاء ادخار سلبياً آخذ في التآكل. البنوك المركزية تعيد معايرة محافظها باتجاه نموذج يجعل الذهب أداة تحوط استراتيجية، لا سلعة مضاربية.

الطلب المستدام من القطاع الرسمي يحول الذهب من أصل مضاربي إلى مرتكز سياساتي أساسي، هذا الطلب طويل الأجل يوفر دعماً هيكلياً يحمي من الانتكاسات السعرية الحادة.

ولعل الضغط التصاعدي على عوائد السندات السيادية: مع تلاشي الطلب الأجنبي الرسمي على سندات الخزانة، تضطر الولايات المتحدة إلى الاعتماد أكثر على المستثمرين المحليين والخاصين لاستيعاب إصدارات الدين المتزايدة. هذا التحول التركيبي يقلل مرونة الطلب على سندات الخزانة، مما يرفع كلفة الاقتراض طويل الأجل ويعقد إدارة المالية العامة الأميركية.

ما الخلاصة؟

التقاطع الذي حدث عام 2025 ليس شذوذاً إحصائياً عابراً، بل عرضاً لتحول نظامي أعمق. مع استمرار الأخطار الجيوسياسية وعدم اليقين المالي كسمات دائمة للمشهد، تقوم البنوك المركزية بتعديل ميزانياتها بصورة عقلانية نحو أصول توفر الأمان والسيادة معاً. ورغم استمرار هيمنة الدولار في المعاملات، فإن هيمنته الاحتياطية لم تعد فوق المساءلة.

التوازن الجديد (يتسم بارتفاع مخصصات الذهب وارتفاع عوائد السندات السيادية) يتطلب من صانعي السياسات والمستثمرين على حد سواء التكيف مع عالم لم يعد فيه الأصل “الخالي من الأخطار” محايداً سياسياً .

والسؤال التالي الذي يدور في عقول الاقتصاديين، متى يفقد الدولار الأميركي سيطرته الكلية، وبالتالي قيمته الفعلية في الأسواق.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى