“قمة لندن 2026”: الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح الاقتصاد العالمي الجديد

استضافت العاصمة البريطانية لندن اليوم الجمعة في قاعة مدينة كنسينغتون “قمة لندن العالمية للتجارة والاستثمار 2026 (AIMS London 2026)”، تحت عنوان “ربط الأسواق وخلق الفرص وبناء الشراكات”. وهي مؤتمر دولي سنوي ينظمه مركز لندن للتواصل بين الثقافات، ويهدف إلى تعزيز التجارة والاستثمار العالميين، وتعميق التعاون الاقتصادي، وبناء شراكات تجارية واستثمارية مستدامة بين مختلف دول العالم.
وتجمع القمة غرف التجارة، وهيئات تشجيع الاستثمار، والمستثمرين، وصناع السياسات، وقادة الأعمال، لمناقشة سبل تعزيز الشراكات الاقتصادية في ظل التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية وظهور أسواق جديدة، مع التركيز على التعاون العملي، وفرص الاستثمار، والابتكار، وبناء اقتصادات أكثر مرونة واستدامة.
وتتناول القمة مجموعة واسعة من القضايا أبرزها، التجارة والتعاون الاقتصادي، والاستثمار والأسواق الناشئة، ودور غرف التجارة وشبكات الأعمال والابتكار والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ومرونة سلاسل الإمداد، والعلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية، والنمو المستدام والشامل، والذكاء الثقافي في بيئة الأعمال العالمية، وبناء الثقة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمعات، والشراكات العابرة للحدود والتعاون الدولي.
وتكتسب لندن أهمية خاصة لاستضافة هذا الحدث، باعتبارها واحدة من أبرز المراكز العالمية للتجارة والتمويل والاستثمار والحوار الدولي، فضلاً عن دورها في ربط الحكومات والمؤسسات المالية والشركات والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، بما يعزز فرص التعاون الاقتصادي الدولي.
وترتكز رؤية القمة على تعزيز الازدهار العالمي من خلال بناء علاقات قائمة على الثقة، وتوسيع التعاون الدولي، وإقامة شراكات عملية تدعم النمو الاقتصادي المستدام والتواصل بين الأسواق العالمية.
افتتحت القمة بكلمة ترحيبية من رئيس مجلس إدارة “مجموعة السيهاتي” والرئيس الفخري لمركز لندن للثقافات الدكتور عبدالله السيهاتي.
وفي كلمة افتتاحية لأعمال القمة قال عضو مجلس إدارة مركز لندن للتعدد الثقافي، هادي برينجيكي، إن فكرة تأسيس المركز انطلقت من قناعة بأن التفاهم بين الثقافات يجب أن يعامل بوصفه علماً قائماً بذاته، وليس مجرد مهارة تكتسب بصورة عفوية أو من خلال الاحتكاك اليومي.
وأضاف أن هذه الرؤية قادت إلى تأسيس مركز لندن للتعدد الثقافي عام 2022، قبل أن يشهد المشروع نقلة نوعية عام 2023 مع إطلاق “أكاديمية لندن للتعدد الثقافي”، التي تمثل الذراع التنفيذية للتعليم والتدريب، بهدف نقل الخبرات المتراكمة في مجالي البحث والممارسة إلى المؤسسات، وليس إلى الأفراد فقط.
وأوضح برينجيكي أن المركز أدرك مبكراً أن المعرفة التي يطورها في مجال التعدد الثقافي يمكن أن تسهم في تعزيز أداء المؤسسات ورفع كفاءة قياداتها في التعامل مع بيئات العمل المتنوعة، مشيراً إلى أن هذا التوجه أثبت نجاحه على أرض الواقع.
وأشار إلى أن الأكاديمية تنفذ حالياً برامج وأنشطة تدريبية في 38 موقعاً داخل المملكة المتحدة ومنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، في إطار جهودها لتعزيز الوعي بالتعدد الثقافي وبناء قدرات المؤسسات على إدارة التنوع بفاعلية.
وقال الباحث والمفكر الدستوري والدبلوماسي الدولي غابرييل باو-بي أندريوليو، في الكلمة الافتتاحية للقمة، إن العالم يشهد تحولات متسارعة بفعل تطور البنى التحتية المعرفية والتقنيات التنبئية، محذراً من أن التوسع في جمع البيانات وتحليلها بات يفرض ضغوطاً نفسية متزايدة على الأفراد ويقوض خصوصيتهم.
وأضاف أن المجتمعات أصبحت تعيش في ظل أنظمة تجعل الأفراد عرضة للمراقبة المستمرة، مما يخلق شعوراً دائماً بأنهم تحت الرقابة والضغط. وأشار إلى أن فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” (فضيحة سياسية كبرى تفجرت في أوائل عام 2018 عندما جرى الكشف عن أن شركة “كامبريدج أناليتيكا” جمعت بيانات شخصية حول ملايين الأشخاص على موقع “فيسبوك” من دون موافقتهم قبل أن تستخدمها لأغراض الدعاية السياسية) كشفت مبكراً كيف يمكن استغلال البيانات الشخصية للتأثير في الرأي العام والسلوك السياسي.
وأوضح أندريوليو أن أي فرد أو جماعة تحاول الاعتراض أو التعبير عن موقف مختلف قد تتعرض لحملات تشهير وضغوط منظمة، معتبراً أن تراكم البيانات لدى بعض الجهات، وإمكان توظيفها والتلاعب بها، جعل حتى السياسيين والشخصيات العامة أقل قدرة على التصرف بحرية واستقلالية، في ظل تنامي النفوذ الذي تمنحه البيانات لمن يمتلكها.
وختم باو-بي أندريوليو كلمته بالقول “التاريخ يعلمنا أن البشرية دأبت على تطوير تقنيات شديدة القوة قبل أن تطور المؤسسات القادرة على إدارتها وحوكمتها بصورة مسؤولة”، وأضاف أن الفجوة بين سرعة التقدم التكنولوجي وقدرة المؤسسات على تنظيمه أصبحت اليوم تتسع بصورة مقلقة، مما يفرض تحديات متزايدة أمام الحكومات والمجتمعات لضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.
تحديات الخصوصية والأمن الرقمي
انعقدت الجلسة الأولى للقمة تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي، والثقة، والتحول العالمي”، وناقشت دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع والاقتصاد العالمي. الباحث والمفكر الدستوري والدبلوماسي الدولي غابرييل باو-بي أندريوليو شارك أيضاً في مناقشات الجلسة قائلاً إن الخطر لا يكمن في المستقبل، بل في الواقع الذي نعيشه اليوم، مشيراً إلى أن الروبوتات والأنظمة الذكية تجمع البيانات بصورة مستمرة أثناء وجودها بين البشر، مما يثير تحديات متزايدة تتعلق بالخصوصية والأمن الرقمي.
وأضاف أن هذا التحول لم يعد مجرد تصور مستقبلي، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية، إذ يستفيد آلاف الأشخاص حول العالم من التقنيات الذكية والعمل من بعد عبر استخدام أجهزة استشعار وأنظمة مؤتمتة تؤدي مهام منزلية وخدمية مختلفة، وهو ما يوسع حجم البيانات التي تجمع بصورة مستمرة عن الأفراد وأنشطتهم.
فشل 84 في المئة من مشاريع التحول
قالت زميلة الأكاديمية الملكية للإدارة ومتخصصة الذكاء الاصطناعي المسؤول والشراكات الدولية، ريتو كانسال، إن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستواصل التطور بوتيرة متسارعة، لتصبح أسرع وأكثر ذكاءً وانتشاراً في مختلف القطاعات.
وأضافت أن الميزة التنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون من نصيب المؤسسات التي تمتلك أكبر قدر من التكنولوجيا، بل لتلك القادرة على توظيفها بفاعلية وإدارة التحول المؤسسي بنجاح.
وأشارت كانسال، استناداً إلى خبرتها في قيادة مشروعات تحول واسعة النطاق، إلى أن نحو 84 في المئة من مشاريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تفشل، موضحة أن السبب الرئيس لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في تحديات القيادة، وإدارة التغيير، وغياب الجاهزية المؤسسية لتبني هذه التقنيات والاستفادة منها بصورة فعالة.
“اقتصاد الفضول” المحرك الجديد للابتكار
قال المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “فيكتريس”، مارك بامفورد، إن البيانات أصبحت أحد أهم الأصول في الاقتصاد الحديث، مشيراً إلى أن شركته لا تركز فقط على أعمالها التجارية، بل على القيمة التي يمكن استخلاصها من البيانات التي تنتجها.
وأضاف أن العالم يتجه نحو ما وصفه بـ”اقتصاد الفضول”، إذ أصبح الفضول البشري محركاً أساساً للابتكار وتطوير التقنيات والخدمات الجديدة.
وأوضح بامفورد أنه طلب من “تشات جي بي تي” في وقت سابق من اليوم إنشاء صورة تعبر عن مفهوم الفضول، في تجربة تعكس قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على تحويل الأفكار المجردة إلى محتوى بصري.
وأشار إلى أن أهم ما خرج به من جلسة القمة هو ضرورة النظر إلى الفضول باعتباره قوة إيجابية تدفع الإنسان إلى التعلم والاستكشاف والابتكار، مؤكداً أن الفضول سيظل من أبرز السمات التي تميز البشر حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.
الاستثمار في البنية التحتية والموارد المادية والبشرية
قالت المؤسسة المشاركة لشركة “ثوث لندن المحدودة”، ستايسي هانت، إن الاهتمام غالباً ما ينصب على نماذج الذكاء الاصطناعي والإنجازات التقنية التي تحققها، لكن ما يقف وراء هذه الطفرة أقل بريقاً بكثير.
وأوضحت أن هذه الثورة الرقمية تعتمد في جوهرها على بنية تحتية مادية ضخمة تشمل شبكات الكابلات، والخرسانة، والطاقة، والمعادن، إلى جانب الكفاءات البشرية والمنشآت الأساسية التي تجعل هذه التقنيات ممكنة.
وأضافت أن العالم بنى اقتصاده الرقمي على هذه الأسس غير المرئية، مؤكدة أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالبرمجيات وحدها، بل يعتمد أيضاً على الاستثمار في البنية التحتية والموارد المادية والبشرية التي تدعم تطوره واستدامته.
الذكاء الاصطناعي الخفي
قال الشريك في شركة “بالانتينز” للمحاماة، رافيندر سينغ جوهال، إن الموظفين باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة يومية لصياغة رسائل البريد الإلكتروني، وتلخيص الوثائق والسياسات المطولة، وتنظيم جداول البيانات، مما يوفر الوقت ويقلل من الجهد ويعزز الإنتاجية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن هذا الاستخدام يجري في كثير من الأحيان من دون موافقة أو إشراف إدارات تقنية المعلومات، وهي الظاهرة التي تعرف في قطاع التكنولوجيا باسم “الذكاء الاصطناعي الخفي.”
وأوضح أن الموظفين لا يلجأون إلى هذه الأدوات بدوافع ضارة، بل سعياً إلى إنجاز أعمالهم بسرعة وكفاءة أكبر.
وأشار جوهال إلى أنه أمضى ما يقارب 25 عاماً في القطاع العام بالمملكة المتحدة، شغل خلالها منصب رئيس الشؤون القانونية في عدد من السلطات المحلية، مما أتاح له متابعة التحولات المتسارعة في استخدام التقنيات الحديثة داخل المؤسسات، وما تفرضه من تحديات تتعلق بالحوكمة والامتثال وإدارة الأخطار.
البروتوكول قوة عالمية
وناقشت الجلسة الثانية من القمة، التي حملت عنوان “القيادة الإنسانية والدبلوماسية العالمية”، الدور المتنامي للبروتوكول والدبلوماسية في بناء جسور التواصل بين الدول وتعزيز التعاون الدولي.
وتحدث المؤسس والمدير للأكاديمية البريطانية للبروتوكول وزميل الجمعية الملكية للفنون، إريك فرانسيس مانو، عن البروتوكول بوصفه قوة عالمية تسهم في تنظيم العلاقات بين الدول وتعزيز التفاهم المتبادل بين الثقافات.
وتناولت مستشارة البروتوكول الدبلوماسي في شركة “مايندينغ مانرز”، مغدالين نوازيك، دور البروتوكول الاستراتيجي في العلاقات الدولية، وأهميته في دعم العمل الدبلوماسي وإدارة التفاعلات الرسمية بين الحكومات والمؤسسات.
وقالت نوازيك إنها تشعر بالفخر للمشاركة في القمة والمساهمة في النقاش حول الجوانب الإنسانية في عالم يشهد تغيرات متسارعة وديناميكية.
وأضافت أنه بعد النقاشات التي تناولت الذكاء الاصطناعي، من المهم النظر إلى ما وراء الهياكل الظاهرة التي تحكم التفاعلات الدولية، والتساؤل عما يكمن خلف العلاقات بين الأطراف المختلفة، سواء في المفاوضات أو الاتفاقات التجارية أو الشراكات الدولية.
وأوضحت نوازيك أن كثيراً من عناصر العلاقات الدولية والأعمال لا تظهر على السطح، لكنها تؤثر بصورة مباشرة في نجاحها، مشيرة إلى أن البروتوكول الاستراتيجي يمثل أحد هذه الجوانب غير المرئية التي تساعد على بناء الثقة، وتعزيز التفاهم، وإدارة العلاقات بين الدول والمؤسسات بفاعلية أكبر.
أطر حوكمة فعالة للذكاء الاصطناعي
وانعقدت الجلسة التالية للقمة تحت عنوان “الأعمال التجارية العالمية والتعاون الدولي”، إذ ناقشت التحديات التي تواجه الاستثمار العالمي ودور الثقة والشفافية في تعزيز الشراكات الاقتصادية العابرة للحدود.
وتناول مؤسس مجموعة “V7” والمستثمر والمستشار للمكاتب العائلية يوسف حمزة، آليات اتخاذ القرارات الاستثمارية، محذراً من الانجراف وراء الانطباعات السائدة أو المعلومات غير المدققة عند تقييم الفرص والأسواق.
وركزت مديرة الاستثمار في هيئة الاستثمار الدولية أستر ثاكيري، على أهمية بناء الثقة في “البنية التحتية غير المرئية” التي تدعم الاستثمارات الطويلة الأجل، بما يشمل الحوكمة والأنظمة والمؤسسات.
وتطرق المستشار الاستراتيجي والوسيط العالمي كاري تشودري إلى العلاقة بين الثروة والتأثير ومسؤولية الجيل الجديد من القادة في توجيه الاستثمارات نحو أهداف أكثر استدامة.
بدورها، ناقشت رائدة الأعمال والمتخصصة في الامتثال لقوانين العملات الرقمية ألينا يودينا، مستقبل الأعمال العالمية، مشددة على أهمية التعاون الدولي ووضع أطر تنظيمية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والمالية الجديدة.
وانعقدت الجلسة الرابعة والأخيرة للقمة تحت عنوان “لجنة القادة العالميين”، وأدارتها عضو مجلس إدارة مركز لندن للتعدد الثقافي الدكتورة هالة المنياوي، إذ ناقشت دور القيادة العالمية في مواجهة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
وشاركت في الجلسة المؤسسة المشاركة لشركة “بالانتينز” للمحاماة جوانا موكزادلو، التي تناولت أهمية الحوكمة القانونية وتعزيز الثقة في المؤسسات الدولية، إلى جانب المحامية في شركة “وايت بلو ليغال” كاترينا نوميكوس، التي ركزت على دور الأطر القانونية والتعاون الدولي في دعم بيئة أعمال أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات العالمية.
وخلصت “قمة لندن العالمية للتجارة والاستثمار 2026” إلى أن بناء الثقة بين الحكومات والقطاع الخاص، ووضع أطر حوكمة فعالة للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، تمثل ركائز أساسية لمواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وأكد المشاركون أن التكنولوجيا، على رغم دورها المتنامي في إعادة تشكيل التجارة والاستثمار، لن تحقق قيمتها الكاملة من دون قيادة مؤسسية، وبنية تحتية مستدامة، وشراكات دولية قادرة على مواكبة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية.
واختتمت القمة بتكريم رسمي للمتحدثين الدوليين، والمنسقين، وأعضاء اللجان، وجرى منح كل مشارك شهادة تقدير من مركز لندن للتبادل الثقافي، تقديراً لإسهاماته العلمية ومساهمته في أعمال القمة.



