عالمي

إصلاحات الإيجارات تحاصر ملاك العقارات في لندن

تقول راشيل إنها تندم على اليوم الذي قررت فيه أن تصبح مالكة عقار للإيجار في بريطانيا، فعلى مدى العقد الماضي منذ استقبلت أول مستأجرين في شقتها، شاهدت هوامش أرباحها تتآكل مع ارتفاع رسوم الخدمات وأسعار الرهن العقاري، وتشديد القيود التنظيمية، وتراجع الإعفاءات الضريبية.

ما كان في السابق استثماراً مالياً معقولاً ــ وإن جاء بالمصادفة ــ تحول إلى عبء متزايد، في وقت تحاول شراء منزل عائلي مع زوجها وأطفالها الثلاثة الصغار.

ولذلك شعرت براحة كبيرة عندما عرضت شقتها المكونة من غرفة نوم واحدة في منطقة هولواي شمال لندن للبيع في مايو (أيار) من العام الماضي.

لكن بعد ثمانية أشهر من عرضها في السوق، اضطرت إلى إعادة تأجيرها مجدداً بعدما فشلت في العثور على مشترٍ.

والآن، ومع دخول قانون حقوق المستأجرين الذي أقرته حكومة حزب العمال حيز التنفيذ الكامل، تقول راشيل إنها أصبحت “بين المطرقة والسندان”.

وبموجب القواعد الجديدة، إذا جرى طرد المستأجرين فلن تتمكن من إعادة تأجير العقار لمدة 12 شهراً، ما يعني عدم وجود وسيلة لتغطية الفواتير وضريبة المجلس المحلي إذا لم تتمكن من البيع.

أما إذا أبقت المستأجرين في العقار، فلن يكون بإمكانها الاستمرار في البحث الجاد عن مشترٍ.

وتقول راشيل لصحيفة “التيلغراف”، “ليس لدينا أي خيارات جيدة حرفياً. هناك كم هائل من التشريعات الجديدة التي تجعل الاستمرار كمالك عقار أمراً غير قابل للاستمرار، لكننا لا نستطيع فعل شيء لأننا لا نستطيع البيع. وفي الوقت نفسه لا يمكننا تحمل ترك الشقة فارغة”.

تخمة في المعروض من الشقق

منذ بدأت تتضح تفاصيل حملة حزب العمال لتشديد تنظيم سوق الإيجارات العام الماضي، تسابق ملاك عقارات التأجير للخروج من السوق.

ووفق تقديرات شركة “سافيلز”، يعرض الملاك ما يقرب من 700 عقار للتأجير للبيع يومياً، وأدى هذا السباق إلى تخمة في المعروض من الشقق، في وقت تراجع الطلب بسبب ضعف القدرة الشرائية ومخاوف المشترين من رسوم الخدمات المرتفعة.

وأظهرت تحليلات شركة “هامتوزنز” أن 45 في المئة فقط من الشقق التي طُرحت للبيع في لندن خلال يناير (كانون الثاني) من هذا العام تلقت عروض شراء بحلول أبريل (نيسان) الماضي.

وهذا يعني أن ملاكاً مثل راشيل، الذين لم يتمكنوا من بيع عقاراتهم قبل دخول القوانين الجديدة حيز التنفيذ في الأول من مايو الجاري، يواجهون خطر الوقوع في فخ حقيقي: الرغبة الشديدة في البيع مع الخوف من العواقب المالية إذا لم يجدوا مشترياً.

وقال مدير السياسات في “الرابطة الوطنية لأصحاب العقارات السكنية” كريس نوريس للصحيفة إن “الخطر حقيقي جداً، بمجرد اتخاذ قرار الإخلاء لا توجد عودة إلى الوراء. تبدأ حينها فترة الـ12 شهراً التي لا يمكن خلالها إعادة التأجير وتحقيق أي دخل إيجاري”.

بيع عقارات التأجير

في السابق، كان بإمكان المالكين استخدام إشعار الإخلاء المعروف بالمادة 21، ثم اختبار السوق وإعادة تأجير العقار فوراً إذا لم يجدوا مشترياً بالسعر المطلوب، لكن إصلاحات حزب العمال أنهت هذه الممارسة.

وبات على المالكين الآن استخدام البند 1A من المادة 8، الذي يفرض إشعاراً مسبقاً لمدة أربعة أشهر للمستأجرين، إضافة إلى حظر إعادة تأجير العقار لمدة عام كامل.

أي نزاع مع مستأجر يرفض المغادرة في الموعد المحدد يجب أن يمر عبر المحكمة، وهي عملية تستغرق في المتوسط 27 أسبوعاً، وفق بيانات وزارة العدل البريطانية، ما يضيف عقبة جديدة أمام عمليات البيع.

وبررت الحكومة هذه الإجراءات بالرغبة في منع بعض الملاك من إساءة استخدام إشعارات الإخلاء للتخلص من المستأجرين.

لكن نوريس يرى أن القواعد الجديدة جعلت بيع عقارات التأجير “قراراً لا رجعة فيه” ومحفوفاً بالأخطار المالية، خصوصاً في ظل تقلبات الطلب على الشراء.

وأضاف “سوق الإسكان، خصوصاً في لندن، ليس في وضع جيد. وخلال الأعوام الماضية لم يكن غريباً أن يعرض الملاك عقاراتهم للبيع ستة أشهر ثم يكتشفوا أنهم لن يحصلوا على السعر المطلوب، فيعيدونها إلى سوق الإيجارات”.

أما الآن فلم يعد ذلك ممكناً، فالملاك سيضطرون إلى دفع تكاليف الخدمات وفواتير الكهرباء وضريبة المجلس ورسوم الصيانة طوال فترة بقاء العقار فارغاً.

ويقول نوريس إن النتيجة قد تكون بقاء عدد من العقارات خالية لأشهر طويلة على رغم وجود مستأجرين راغبين في استئجارها، وهو ما يعتبر مفارقة لقانون قالت الحكومة إنه يهدف لتحسين أوضاع سوق الإيجارات.

وبالنسبة إلى راشيل، فإن الأخطار المالية كبيرة، إذ تبلغ رسوم الخدمات 4 آلاف جنيه استرليني (5.3 ألف دولار) سنوياً، كما ينتهي عقد الرهن العقاري الثابت لمدة عامين في نهاية مايو الجاري، ما يعني ارتفاعاً كبيراً في الأقساط الشهرية.

وتقول إن فكرة تحملها هي وزوجها لهذه النفقات لمدة عام كامل من دون دخل إيجاري “غير قابلة للتخيل”.

وأضافت “تركنا الشقة فارغة بالفعل ثمانية أشهر، ثم أعدنا تأجيرها لأننا ببساطة لم نعد قادرين على تحمل كلفة بقائها فارغة”.

وهناك خيار آخر أمام الملاك الراغبين بالخروج السريع من السوق، يتمثل في بيع العقار مع بقاء المستأجرين داخله، بحيث تنتقل عقود الإيجار إلى المالك الجديد.

وعلى رغم أن هذا الخيار لا يزال مسموحاً بموجب قانون حقوق المستأجرين، فإن العقارات المؤجرة تُباع عادة بسعر أقل مقارنة بالعقارات الخالية، لأن عدد المشترين المحتملين يكون محدوداً.

وقال مدير وكالة متخصصة في بيع عقارات التأجير في بريطانيا “لانلورد سيلز إيجينسي” ديفيد كوفلين، إن نحو نصف العقارات التي تعرضها شركته تُباع لملاك آخرين، لكنه أشار إلى أن البائعين يضطرون للمفاضلة بين خفض السعر أو الاستمرار في التأجير وتحمل أخطار القوانين الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف “إذا عرضت عقاراً للبيع وهو مؤجر ولم يخضع للتجديد، فعليك خفض السعر وفقاً لذلك… بعض الملاك ببساطة لا يريدون خسارة 30 ألف جنيه استرليني (40.2 ألف دولار)، لذلك يقررون الاستمرار في التأجير والمغامرة مع قانون حقوق المستأجرين”.

خسارة عند البيع

أما راشيل، التي تعيش حالياً خارج بريطانيا، فأصبحت مقتنعة بأنها ستتكبد خسارة عند البيع في نهاية المطاف، إذ خفضت السعر المطلوب لشقتها من 425 ألف جنيه استرليني (570 ألف دولار) إلى 385 ألف جنيه استرليني (516.4 ألف دولار) أي أقل بـ15 ألف جنيه استرليني (20.1 ألف دولار) من السعر الذي اشترتها به عام 2015.

وترى أن مشكلات الكسوة الخارجية للمبنى وارتفاع رسوم الخدمات بشكل مبالغ فيه يبعدان المشترين المحتملين فالمبنى يحتاج إلى أعمال استبدال للكسوة الخارجية، وبعد مرور 18 شهراً لا تزال الأعمال غير مكتملة والسقالات تحيط بالمبنى، ما يشكل “إشارة تحذير ضخمة” لأي مشترٍ جديد.

وتقول “المشترون يريدون معرفة مشكلة الكسوة، لكن ليس لدي أي معلومات أقدمها لهم. لا توجد نهاية واضحة للأعمال”.

ويرى كوفلين أن الوضع يمكن أن يصبح أكثر عدالة عبر إنشاء آلية استئناف تسمح للمالك بإعادة تأجير العقار فوراً إذا أثبت أن ظروفاً خارجة عن إرادته حالت دون البيع.

ويقول إن ذلك سيعكس حقيقة أن “ليس كل الملاك يسعون لاستغلال المستأجرين أو التحايل على القوانين”، وهي الفكرة التي تثير استياء راشيل.

وأضافت “هناك رواية سائدة بأن جميع الملاك جشعون وكأنهم شياطين، بينما الحقيقة أننا لا نجني كل هذا المال من التأجير”.

لكن سيل التشريعات الجديدة أقنعها في النهاية بالمضي في البيع مهما كان الثمن.

وقالت “لدينا الآن ثلاثة أطفال دون الرابعة، ونعيش خارج البلاد، وبصراحة لم أعد أحتمل هذا الصداع. سأفعل أي شيء للتخلص من هذه الشقة”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى