الإيرانيون تحت عبء الحرب الاقتصادي… فهل ينفجر غضبهم؟

تتصاعد المخاوف، حتى بين مسؤولي الحكومة الإيرانية، من أن استمرار التدهور الاقتصادي وصعوبة المعيشة لملايين الإيرانيين قد يؤديان إلى احتجاجات تشبه تلك التي شهدتها البلاد نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي. وكانت تلك الاحتجاجات السابقة ناجمة بالأساس عن ارتفاع كلفة المعيشة، وذلك قبل اندلاع الحرب.
الآن، ومع دخول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران شهرها الرابع، وعلى رغم الهدنة القتالية الهشة، أصبحت الأوضاع الاقتصادية في إيران تفوق قدرة المواطنين على الاحتمال.
صحيح أن الإيرانيين في بداية الحرب تحملوا تدهور الوضع الاقتصادي باعتباره صورة من صور الصمود في مواجهة الحرب على البلاد، لكن خلال الشهر الأخير ازدادت صعوبة المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، وفق ما يذكره تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”.
وتعود تلك الزيادة في الصعوبات الاقتصادية للحصار المشدد الذي تفرضه القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة على إيران، وبدأ المسؤولون الإيرانيون الاعتراف بذلك علناً، وفي مقدمهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يكرر في الآونة الأخيرة “الحرب اقتصادية”، خصوصاً بعد إحكام الولايات المتحدة الحصار البحري على إيران وشبه الإغلاق الفعلي لمضيق مضيق هرمز.
ويعتقد كثير من المحللين أن استمرار التردي الاقتصادي، وارتفاع كلفة المعيشة على الإيرانيين، يمثل وسيلة ضغط فعالة، تدفع طهران إلى القبول باتفاق مع الأميركيين لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز. في مذكرة للعملاء قبل أيام، ذكرت شركة “كابيتال إيكونوميكس” أن “النظام الإيراني سيضطر إلى الموازنة بين تحمل التبعات والأضرار الاقتصادية لتحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية، وبين خطر أن يؤدي استمرار الضعف الاقتصادي إلى تجدد الاضطرابات الداخلية”.
الضغط الاقتصادي عبر الحصار
يقدر المحللون أن الضغط الاقتصادي على الإيرانيين سيزداد بشدة ما دام استمر الحصار العسكري الأميركي، ويرى الباحثون في “كابيتال إيكونوميكس” أن احتياطات النقد الأجنبي المتاحة لطهران حالياً لا تكفي سوى لتغطية الواردات لمدة ثلاثة أشهر فقط.
أدى الحصار إلى توقف عائدات تصدير النفط الإيراني، كما زادت المخاوف من اضطرار إيران إلى وقف الإنتاج في بعض آبار النفط، بعدما استنفدت معظم إمكانات التخزين للإنتاج النفطي.
استهلكت السعة التخزينية بالكامل، بما في ذلك تخزين الإنتاج في ناقلات قديمة قرب السواحل الإيرانية على الخليج.
ويحث المسؤولون الشعب الإيراني على ترشيد استهلاك الوقود والكهرباء والمياه، مما يعني أن الضغط على قطاع الطاقة انتقل إلى المصانع والحياة اليومية للأسر.
ووفق تقرير الصحيفة الأميركية، فإن الصناعات الحيوية في إيران تضررت بشدة، وهناك أكثر من مليون إيراني فقدوا وظائفهم وأصبحوا عاطلين عن العمل، كما انهار سعر صرف العملة المحلية إلى أدنى مستوياته.
ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة جعلت قدرة الأسر الإيرانية على توفير حاجاتها اليومية في غاية الصعوبة، بخاصة مع انهيار الدخول أو انعدامها.
ويدرك المسؤولون الإيرانيون أنه إذا لم تتمكن الحكومة من تخفيف تلك الأعباء عن كاهل المواطنين، فقد تعود الاحتجاجات إلى الشوارع، وهذا ما يجعل الضغط الاقتصادي الناتج من الحصار عاملاً مهماً في دفع طهران نحو التفاوض للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب والحصار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي خطاب ألقاه أمام غرفة التجارة في طهران هذا الأسبوع، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مخاطباً رجال الأعمال الإيرانيين “الحرب الأساسية هي في المجال الاقتصادي، وإذا فشلتم فإن البلد سيفشل”.
وقال الرئيس التنفيذي لمركز الأبحاث الاقتصادية “مؤسسة البورصة والبازار” أصفنديار باتمانغليج، إن إيران “تتجه نحو مسار تدهور اقتصادي شديد سيكون من الصعب التعافي منه، لذا هناك دافع لإيران كي تتفاوض” على اتفاق لوقف الحرب وإنهاء الحصار.
تدهور مستويات المعيشة
وتنقل الصحيفة عن أحد المسؤولين الإيرانيين قوله إن الحكومة تتطلع إلى رفع الحصار وتخفيف العبء الاقتصادي، وأضاف المسؤول أن الاقتصاد استطاع في بداية الحرب الصمود نسبياً، إذ استمر تصدير النفط بصورة محدودة، وكذلك استيراد الحاجات الأساسية من السلع والبضائع.
لكن ذلك تغير منذ بدأت القوات الأميركية منع السفن من الدخول إلى الموانئ الإيرانية أو الخروج منها، وقال المسؤول الإيراني إن “المشاعر الوطنية يمكن أن تصمد إلى حين فقط”.
وحتى العودة الجزئية للإنترنت لم تحل مشكلة تراجع مستويات المعيشة، كما يذكر التقرير، وتصف فنانة إيرانية كيف أصبح تدهور الأوضاع المعيشية أكثر خطورة حتى من فقدانها لوظيفتها عندما قطع الإنترنت بالكامل لمدة شهر، فالتضخم وارتفاع الأسعار جعلا الحياة اليومية في غاية الصعوبة، بينما لم ينجح تخفيف القيود على الإنترنت في تحسين الوضع الاقتصادي.
ويتمثل أبرز ما يعانيه الإيرانيون في الارتفاع المستمر لأسعار الاحتياجات الضرورية بصورة شبه يومية، ففي مارس (آذار) كان سعر رطل الجبن 450 ألف تومان، بينما يبلغ سعر الكمية نفسها الآن نحو 800 ألف تومان، أي ما يزيد على ضعف سعرها السابق خلال الشهر الأول من الحرب، الذي كان يعادل تقريباً 3.5 دولار.
ويعترف المسؤولون في الحكومة الإيرانية بمشكلة تدهور مستوى المعيشة، وكما صرح الرئيس بزشكيان، فإن إيران لا تستطيع تصدير النفط بسهولة في الوقت الحالي، كما تواجه صعوبة في تحصيل الضرائب أو تجاهل المشكلات التي تعانيها الشركات والأعمال.
وقال المتحدث باسم شركة مياه طهران بنهام باخشي إن “كل الجهات التنفيذية والمؤسسات العامة، الحكومية وغير الحكومية، مطالبة بتركيب معدات لترشيد استهلاك المياه وضبط استخدامها”، فإلى جانب تبعات الحرب والأضرار الناجمة عن الحصار، تشهد إيران أيضاً موسم جفاف حاد.
وأعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني هذا الأسبوع أنه يجري بحث زيادة كوبونات الدعم، للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين. وبدت تصريحاتها بمثابة اعتراف رسمي بما يعانيه الشعب من إحباط، إذ طالبت الإيرانيين بالثقة في حكومتهم وقدرتها على مواجهة المصاعب الاقتصادية.



