أزمة البنوك الإيرانية تهز الاقتصاد والثقة

بعد مرور أكثر من 25 يوماً على بدء الاضطراب الواسع الذي ضرب الشبكة المصرفية في إيران، لا تزال بنوك “صادرات” و”ملي” و”تجارت” تعاني مشكلات واسعة، فيما يواصل المواطنون الشكوى من تعثر تحويل الأموال وتأخر صرف فوائد ودائعهم.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى شريحة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، إذ واجهت أعداد كبيرة من الشركات وأصحاب الأعمال تحديات جدية، وبرزت أولى آثارها في التراجع الملحوظ لعدد المعاملات المنفذة عبر شبكة “شابرك” (شبكة المدفوعات الإلكترونية في إيران).
ويرى محللون أن استمرار الأزمة طوال هذه المدة، واتساع نطاق المشكلات الناجمة عنها، يعني أنها لم تعد مجرد خلل تقني أو مشكلة في تكنولوجيا المعلومات، بل تحولت إلى أزمة انعكست آثارها على حركة الأموال، وأنشطة الشركات، وثقة المودعين، وصدقية النظام المصرفي.
وتشير تقديرات استندت إلى بيانات شبكة “شابرك” إلى أن الاضطراب يعطل يومياً معاملات اقتصادية بقيمة تقارب 4 آلاف مليار تومان (نحو 26.7 مليون دولار)، فيما تجاوز إجمال الخسائر 100 ألف مليار تومان (667 مليون دولار).
وذكر موقع “اقتصاد أونلاين” أن نسبة المعاملات غير الناجحة الصادرة خلال الفترة الممتدة من الـ22 من مايو (أيار) إلى الـ21 من يونيو (حزيران) الماضيين، ارتفعت بمقدار 0.63 نقطة مئوية مقارنة بمتوسط الأشهر الـ14 السابقة، وهو ما يعكس بوضوح تأثير الاضطرابات التي شهدها القطاع المصرفي خلال الفترة الممتدة بين الـ13 والـ21 من يونيو الماضي.
وأظهرت البيانات تراجع قيمة المعاملات بنحو 32 ألف مليار تومان (213 مليون دولار) خلال الأيام الثمانية الأولى من الأزمة وحدها، وهو ما يعكس الحجم الكبير للأضرار الاقتصادية، في وقت لا تزال السلطات المصرفية تمتنع عن تحديد موعد واضح لإنهاء الأزمة بصورة كاملة.
وعلى رغم أن المسؤولين أعلنوا، في الأيام الأولى، أن هجوماً إلكترونياً استهدف البنية التحتية للاتصالات في بنوك “ملي” و”صادرات” و”تجارت” و”توسعه صادرات”، مؤكدين أن بيانات العملاء لم تتعرض للاختراق، فإن استمرار الاضطرابات حول الاهتمام من أسباب الأزمة إلى تداعياتها الاقتصادية.
ومنذ الـ13 من يونيو الماضي، عندما أعلن مجلس تنسيق البنوك الحكومية عدم وقوع أي وصول غير مصرح به إلى بيانات العملاء أو تسرب للمعلومات، بدا أن التحدي الأكبر الذي يواجه المؤسسات المصرفية يتمثل في عجزها عن استعادة قواعد البيانات الاحتياطة وإعادة الخدمات إلى وضعها الطبيعي.
وخلال الأسابيع الماضية، حذرت وسائل إعلام اقتصادية ومنظمات تمثل القطاع الخاص مراراً من تداعيات استمرار الأزمة.
وأكد ناشطون اقتصاديون أن تباطؤ تحويل الأموال، وتعطل المدفوعات بين الشركات، وصعوبات تسوية حسابات المتاجر، ومحدودية الوصول إلى السيولة، كلها عوامل رفعت كلفة المعاملات وأثقلت كاهل الشركات.
وفي الثامن من يوليو (تموز) الجاري، انتقد رئيس لجنة التحول والابتكار والإنتاجية في غرفة تجارة طهران مازيار نوربخش استمرار الأزمة، مؤكداً أنها ألحقت أضراراً بمختلف القطاعات الاقتصادية، ولا سيما الشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على خدمات البنوك المتضررة.
وقال نوربخش “تكمن المشكلة الأساس في استمرار حال عدم اليقين، وغياب معلومات دقيقة في شأن موعد عودة الخدمات إلى وضعها الطبيعي، فقد أعلنت السلطات أكثر من موعد لإنهاء الأزمة، لكن أياً من هذه الوعود لم يتحقق، مما صعب على أصحاب الأعمال وضع خططهم التشغيلية”.
وتشير التقارير المنشورة إلى أن كثيراً من الشركات الصغيرة والمتوسطة اضطرت، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى تنفيذ جزء من مدفوعاتها نقداً أو عبر حسابات لدى بنوك أخرى، وهو ما أدى إلى جانب ارتفاع الكلفة التشغيلية، وإلى تراجع الثقة بخدمات الصيرفة الإلكترونية.
وعلى رغم إعلان بنك “ملي” الإيراني الخميس الماضي استعادة جزء من خدمات البطاقات المصرفية والمعاملات الأساس تدريجاً، فإن تقارير ميدانية لا تزال تتحدث عن استمرار الاضطرابات في الخدمات الإلكترونية، وتعثر عمليات تحويل الأموال، وصعوبة الوصول إلى الودائع، واتساع دائرة استياء العملاء، مما أثار تساؤلات في شأن إدارة الأزمة ومستوى استجابة الجهات المعنية، وأثار استمرار تعطل خدمة “بام” المصرفية الإلكترونية التابعة لبنك “ملي”، وتعطل جزء كبير من خدماتها، تساؤلات حول مدى دقة ما تعلنه إدارة البنك في شأن عودة الخدمات إلى طبيعتها، في ظل التباين الواضح بين التصريحات الرسمية وما يعكسه الواقع الميداني.
ودائع مجمدة وفوائد متأخرة ومخاوف متزايدة بين المودعين
ومن أبرز تداعيات الأزمة المشكلات التي واجهت المودعين لدى بنوك “ملي” و”صادرات و”تجارت”، فقد تداول العملاء، خلال الأيام الأخيرة، تقارير عديدة تحدثت عن عدم صرف فوائد الودائع طويلة الأجل، وفرض قيود على سحب أصل الودائع، إضافة إلى تعثر تحويل الأموال إلى بنوك أخرى.
وعلى خلاف ما أعلنته السلطات المصرفية في شأن انتهاء الأزمة وبدء صرف فوائد الودائع، لم تسجل، حتى ظهر اليوم، أي عمليات صرف، وفق ما أفادت به تقارير محلية، وأدى ذلك إلى تفاقم معاناة عدد من المواطنين الذين يعتمدون على عوائد هذه الودائع بوصفها مصدر دخلهم الأساس.
ونقلت وسائل إعلام محلية، استناداً إلى شكاوى العملاء، أن بعض البنوك امتنعت خلال الأيام الماضية عن صرف فوائد الودائع طويلة الأجل، بل تعذر عليها، في بعض الحالات، تمكين العملاء من سحب أصل ودائعهم، في تناقض مع تأكيدات المسؤولين المصرفيين في شأن عودة الخدمات إلى طبيعتها.
وبحسب هذه التقارير، أبلغت فروع بنوك “ملي” و”تجارت” و”صادرات” عملاءها بأن عملية استعادة البيانات لا تزال مستمرة، وأن فوائد الودائع التي لم تُصرف ستودع في حسابات أصحابها بعد الانتهاء من استكمال إجراءات استعادة البيانات، وإعادة تشغيل الأنظمة بصورة كاملة.
أزمة الثقة… الخسارة الأكبر للنظام المصرفي
من الناحية القانونية، تلتزم البنوك بتمكين عملائها من الوصول إلى أموالهم والتصرف بها، إلا أن كثيراً من المودعين يؤكدون أنهم لا يزالون يواجهون قيوداً فنية تحول من دون تحويل أموالهم إلى بنوك أخرى.
وقد زاد ذلك من المخاوف في شأن سهولة تسييل الودائع، ودفع عدداً من العملاء إلى إعلان نيتهم نقل أموالهم إلى مصارف أخرى فور عودة الخدمات بصورة كاملة.
ولعل أبرز تداعيات هذه الأزمة لا تتمثل في الخسائر المالية المباشرة، بل في الضرر الذي لحق بثقة الجمهور في القطاع المصرفي.
ويرى محللون مصرفيون أن الثقة تمثل الركيزة الأساس لأي نظام مالي، وأن استعادة الخدمات التقنية، حتى وإن تمت خلال فترة قصيرة، تبقى أسهل بكثير من استعادة ثقة المودعين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلن عدد كبير من العملاء، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، أنهم يعتزمون سحب أموالهم من البنوك المتضررة بمجرد انتهاء الأزمة.
وعلى رغم عدم صدور بيانات رسمية في شأن حجم الودائع التي غادرت تلك البنوك، فإن عاملين في القطاع المصرفي يرجحون حدوث انتقال واسع للحسابات بين البنوك، وهو ما قد يرفع كلفة استقطاب الودائع بالنسبة إلى المصارف المتضررة، ويدخل المنافسة على جذب المودعين مرحلة جديدة.
وفي ظل هذه الظروف، لا يبدو أن استعادة الخدمات الإلكترونية وحدها ستكون كافية، إذ ستجد البنوك نفسها مضطرة إلى اعتماد سياسة أكثر شفافية في التواصل مع العملاء وتعويض المتضررين، وتقديم ضمانات تقنية تعيد بناء الثقة التي تضررت خلال الأسابيع الماضية.
ويؤكد محللون أن ما ضاعف من غضب أصحاب الحسابات، ورسخ حال انعدام الثقة، لم يكن تعطل الخدمات المصرفية بحد ذاته، بقدر ما كان ضعف التواصل مع العملاء وغياب الشفافية، وعدم تقديم المسؤولين المصرفيين إجابات واضحة.
كما أن التناقض بين الوعود الرسمية، وتضارب الروايات في شأن أسباب الأزمة والجدول الزمني لإنهائها، عُدَّ في نظر كثر استخفافاً بحقوق المواطنين الذين أودعوا مدخراتهم لدى هذه البنوك.
ومن بين الأسئلة التي لا تزال مطروحة أيضاً، طول المدة التي استغرقتها عملية استعادة الأنظمة المصرفية. ويشير متخصصون في أمن وتقنيات المعلومات المصرفية إلى أن التعافي من الهجمات السيبرانية الواسعة لا يقتصر على استعادة النسخ الاحتياطية للبيانات، بل يتطلب التحقق من سلامة البيانات، وتأمين البنية التحتية، والتأكد من إزالة البرمجيات الخبيثة بالكامل، وإعادة اختبار الأنظمة، وضمان عدم تكرار الهجوم، وهي إجراءات قد تستغرق أسابيع.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة “خدمات المعلوماتية” قد أوضح، خلال الشهر الماضي، أن جزءاً كبيراً من الأنظمة المصرفية الإيرانية يعمل على الحواسيب المركزية العملاقة التابعة لشركة “آي بي أم” (IBM)، وهي بنية تحتية صممت للعمل بصورة متواصلة ومن من دون انقطاع، مما يجعل إعادة تشغيلها بعد حدوث أعطال كبيرة عملية معقدة قد تستغرق، حتى في الظروف الطبيعية، أسابيع، وربما أشهراً.
ومع دخول أزمة القطاع المصرفي أسبوعها الرابع، كان من المتوقع أن تقدم وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية والبنك المركزي تقارير دورية توضح حجم الأزمة، والجدول الزمني لاستعادة الخدمات بصورة كاملة، وآليات تعويض المتضررين.
غير أن ما صدر حتى الآن اقتصر على بيانات مقتضبة وتصريحات متفرقة، من دون تقديم صورة شاملة عن مسار معالجة الأزمة.
وفي المعايير الدولية المعتمدة في إدارة الأزمات المصرفية، كان من شأن أزمة بهذا الحجم أن تفضي، في كثير من الأحيان، إلى استقالة أو إقالة مسؤولين كبار تولوا إدارة الملف.
إلا أنه، حتى الآن، لم يعلن في إيران عن استقالة أي مسؤول معني، كما لم ترد معلومات عن محاسبة أو إقالة المسؤولين عن أمن الأنظمة المصرفية، على رغم الانتقادات التي توجهها أوساط من الرأي العام إلى آليات التعيين وإبرام العقود في هذا القطاع.
ويرى كثير من المراقبين أن هذا النهج، الذي يصفونه بـ”سياسة الصمت” إزاء واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها البنية التحتية المالية في البلاد، لا يقتصر أثره في الخسائر الاقتصادية، بل يمتد أيضاً إلى تقويض رأس المال الاجتماعي، وتعميق أزمة الثقة في النظام المصرفي الإيراني.



