عالمي

الغلاء يطاول الأضاحي في مصر والجزارون في عداد الضحايا

أمام ارتفاع أسعار اللحوم، يشكو الجزار عادل حمدان كيف تراجع نشاط الجزارة خلال موسم الأضاحي هذا العام، فمن كان يضحي بثلاثة رؤوس من الماشية العام الماضي اكتفى هذا العام برأسين وأحياناً واحدة، مع اتجاه كثير لتقاسم الأضحية الواحدة بنظام الأسهم.

في هذه الأيام، تنشط عمليات ذبح غالبية الأضاحي والاكتفاء بأضحية واحدة صبيحة العيد، لكن ليس الوضع كما كان عليه قبل عام، فأسعار الأعلاف شهدت منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي ارتفاعاً حاداً بفعل أزمة الطاقة والأسمدة والشحن، وهو ما انعكس بدوره على أسعار الغذاء والبروتين.

تراجع الأضاحي

يقدر حمدان، في حديثه إلى “اندبندنت عربية” نسبة التراجع في أضحيات هذا العام بنحو الثلث مقارنة بالعام الماضي بفعل ارتفاع الأسعار 15 في المئة، ويقول إنه اضطر إلى رفع أجره لتعويض النقص في عدد رؤوس الأضحية، مشيراً إلى أن الطلب على الخراف أعلى بكثير هذا العام على رغم ارتفاع الأسعار لكنها تمثل بديلاً أقل كلفة عند المقارنة بالأبقار.

الأزمة كانت حاضرة على شاشات التلفزة، إذ كثفت جمعيات المجتمع المدني من دعوات التبرع والتضحية بنظام الأسهم والمشاركة للحيلولة دون تراجع أعمال التبرع هذا العام، مع ارتفاع معدلات التضخم وتأثر القدرة الشرائية لكثير من الأسر.

تدخل حكومي

وتدخلت الحكومة للحد من فورة أسعار اللحوم في مصر عبر طرح أطنان من اللحوم المدعمة عبر منافذها الاستهلاكية المنتشرة في محافظات الجمهورية، بأسعار تراوح ما بين ٢٥٠ و400 جنيه للكيلوغرام (4.71 و7.53 دولار)، بعد التعاقد على استيرادها حية من السودان وجيبوتي، والخضوع لفترة رعاية وتأهيل داخل البلاد تمتد من ثلاثة إلى أربعة أشهر.

وبدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية في تجهيز 20 شادراً لبيع الخراف الحية بعدد من المحافظات، وتوفير نحو 2300 رأس ماشية، و1500 أخرى جارٍ استلامها، إلى جانب توفير لحوم ضأن مجمدة بكمية تقدر بنحو 6 آلاف رأس مذبوح، إضافة إلى توفير نحو 669 طناً من اللحوم المجمدة.

حل للأسر

ربما هذا التدخل شكل حلاً لكثير من الأسر التي تجد مشقة في تكبد أسعار اللحوم البلدية لدى محال الجزارة، التي تصل إلى نحو 550 جنيهاً (10.36 دولار) للكيلوغرام الواحد، كما تقول أسماء أبو عيد.

“مبلغ كهذا يكفي لشراء كيلوغرامين من لحوم المنافذ الاستهلاكية بدلاً من كيلوغرام واحد” تضيف ربة المنزل الأربعينية، مشيرة إلى أن الأسعار تضاعفت تقريباً خلال آخر عامين.

التضخم في مصر

وسجل التضخم السنوي في مدن مصر 14.9 في المئة خلال أبريل (نيسان) الماضي، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، متأثراً بتداعيات حرب إيران وارتفاع كلفة الطاقة.

ويتوقع البنك المركزي المصري، أن يتسارع التضخم بداية من الربع الثاني من العام الحالي حتى نهايته، رافعاً تقديراته للمعدل السنوي من 11 في المئة إلى متوسط 17 في المئة، بسبب تداعيات الحرب.

اللحوم بالتقسيط

وعرفت مصر في السابق مبادرات شعبية لمواجهة ارتفاع أسعار اللحوم، إذ دعا بعض الجزارين إلى بيع اللحوم بالتقسيط وبالآجل، مما أثار جدلاً حيال أوضاع كثير من الفقراء ومحدودي الدخل في البلاد.

لكن الغلاء ألقى بدلوه على أوزان لحوم الأضاحي، إذ كانت تتلقى أم أحمد، وهي أرملة خمسينية وأم لثلاثة من الأبناء قبل عامين من إحدى الأقارب كيلوغرامين من لحوم الأضاحي ومثلها تقريباً من بعض فاعلي الخير كل عيد لكن هذا الرقم تقلص اليوم إلى النصف تقريباً.

الكل يعاني

وتضيف “نتفهم الظروف، الوضع مختلف، والكل يعاني الغلاء على رغم تفاوت الدخول، والأسعار في السماء، كنت أتلقى كل عيد أربعة كيلوغرامات من اللحوم لكن هذا الرقم ربما أصبح يذهب إلى أسرتين بدلاً من أسرة واحدة، والأزمات الاقتصادية خلفت أعداداً أكبر من المحتاجين”.

مدخلات أقل

إحصاءات وزارة التخطيط التي تشير إلى تراجع معدل الادخار المحلي في مصر خلال السنة المالية 2024 – 2025، ليهبط إلى نحو 218 مليار جنيه (4.13 مليار دولار) بما يعادل 1.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع حوالى 848 ملياراً (16.05 مليار دولار) تمثل 6.1 في المئة في السنة المالية قبل السابقة.

رئيس شعبة القصابين بالغرف التجارية هيثم عبدالباسط شكا كيف تأثر الجميع بارتفاع معدلات التضخم، وقال إن الجزارين يعانون اليوم أكثر من أي وقت مضى، بفعل تراجع البيع والقدرة الشرائية.

الغلاء يذبح الجزارين

ينفي عبدالباسط عن الجزارين تهم الاستغلال والجشع، ويقول إن هذه الفئة مضارة مما يحدث، فلا يتجاوز هامش أرباحه حدود سبعة في المئة، وأن العبء الأكبر يقع على عاتق من يشتري نصف عجل أو ذبيحة كاملة بفعل تباطؤ حركة البيع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح رئيس شعبة القصابين بالغرف التجارية أن مصر لا تنتج اللحوم محلياً بصورة كافية، وتستورد حوالى 60 في المئة من الخارج، وهو ما يفسر تأثرها بارتفاع أسعار الأعلاف والشحن.

ما علاقة الجنيه المصري؟

وبحسب دراسة صادرة عن الإدارة العامة للبحوث الاقتصادية بالغرفة التجارية بالشرقية، ثمة علاقة عكسية قوية بين سعر صرف الجنيه وأسعار الأضاحي، إذ أدت موجات خفض العملة خلال الأعوام الأخيرة إلى زيادات متتالية في أسعار الماشية ومستلزمات الإنتاج.

وقفز سعر صرف الدولار الأميركي أمام الجنيه المصري إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، ليسجل مستويات قاربت 55 جنيهاً من 47 قبل اشتعال الصراع الأخير، وسط تخارج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة من السوق المصرية.

وفي استطلاع أجرته “رويترز” لهذا العام والعام المقبل، توقع المحللون انخفاض قيمة الجنيه المصري قليلاً إلى 51.58 للدولار بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل، مقارنة بسعره الحالي البالغ 51.06 جنيه، ومن المتوقع أن يصل إلى 51.50 بحلول نهاية يونيو 2027، ثم إلى 51.85 بنهاية يونيو 2028.

تباطؤ تضخم الأسعار

نقيب عام الفلاحين حسين عبدالرحمن أبو صدام، أكد أن ارتفاع كلفة التربية والإنتاج إلى جانب تراجع قدرة الأسر على الشراء يقفان وراء تباطؤ تضخم أسعار الأضاحي هذا العام.

ويلفت أبو صدام، إلى أن متوسط أوزان عجول الأضاحي في مصر بين 500 و600 كيلوغرام، موضحاً أن أسعار العجول الكبيرة الوزن قد تصل إلى 200 ألف جنيه (3.77 ألف دولار)، لكن مع ذلك يرى المتحدث أن الأسعار لا تزال قريبة من مستوياتها في العام الماضي.

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات للمؤسسة الدولية ببلوغ التضخم في عام 2026 متوسط 13.2 في المئة.

الصكوك حلاً للأزمة؟

بحسب بيانات مجلس الوزراء المصري، خدم مشروع “صكوك الأضاحي”، أكثر من 10 ملايين أسرة منذ أن أطلقته وزارة الأوقاف عام 2015، وأتاحت الوزارة إمكانية تقسيط “صكوك الأضاحي” على ستة أشهر، تتحمل خلالها الوزارة الفائدة، مع ضمان وصول الصك كاملاً لمستحقيه من دون خصومات.

في المحصلة، لم يعد الغلاء في مصر مجرد أرقام تعكسها تقارير التضخم وأسعار الصرف، بل تحول إلى واقع يومي يطاول تفاصيل الحياة وطقوسها الاجتماعية والدينية، من موائد الطعام إلى شعائر العيد نفسها. وبينما تحاول الحكومة احتواء الأزمة عبر المنافذ المدعومة ومبادرات التقسيط وصكوك الأضاحي، يبقى تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الاحتياج التحدي الأكبر أمام ملايين الأسر، في وقت تبدو فيه الأسواق أكثر حساسية لتقلبات الحرب والطاقة والدولار من أي وقت مضى.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى