أزمة الشرق الأوسط تنخر الاقتصاد الباكستاني

وصلت تبعات الحرب الأميركية – الإيرانية وما لحقها من أزمات في الشرق الأوسط إلى باكستان، إذ بدأت تنخر الجسد الاقتصادي الباكستاني الهزيل وكشفت مواطن ضعفه مع مرور الأيام. وفضح توقف إمدادات الطاقة العالمية من مضيق هرمز وتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل الخلل الهيكلي في النظام المعيشي الباكستاني.
ويعد سعر الصرف للروبية الباكستانية المدعوم من الحكومة أكبر مثال على التوجه الخاطئ للطبقة الحاكمة، التي ترجح حلولاً موقتة على قرارات صعبة لإصلاح المشكلات البنيوية في النظام الاقتصادي، إذ يحافظ البنك المركزي على قيمة الروبية بينما قللت الدول المجاورة من قيمة عملتها.
وانخفضت قيمة الروبية الهندية إلى أقل مستوياتها على الإطلاق لتصل إلى 96 روبية مقابل الدولار الواحد، مما يعني أنها فقدت سبعة في المئة من قيمتها منذ بداية العام الحالي. ويقول أشوكا موديي في هذا السياق “سمحت الهند لعملتها الروبية بالانخفاض مع انخفاض أسعار النفط، وهو قرار مؤلم ولكنه واقعي”، أما السلطات الباكستانية التي ترفض هذا النهج فقد حافظت على استقرار الروبية من خلال تدخل إداري.
وتؤدي الاضطرابات في سلاسل إمداد الغاز الطبيعي المسال في دول الخليج إلى تفاقم الخسارة الناتجة من الضغط على قيمة العملة، إذ تستورد باكستان نحو ثلث حاجاتها من الطاقة.
من جانب آخر، يواجه قطاع النسيج الذي يعتبر العمود الفقري لعائدات التصدير زيادة متزامنة في كلف الإنتاج وتراجعاً في القدرة التنافسية، إذ قدم المنافسون في الهند وبنغلاديش أسعاراً أقل من المنتجات الباكستانية في الأسواق الدولية بسبب إدراكهم القيمة الواقعية للعملة.
القرار الباكستاني لدعم العملة المحلية ليس خطوة اضطرارية، بل هو تفضيل سياسي يعكس المصالح التي تختار الدولة حمايتها، إذ يعد ارتفاع قيمة العملة دعماً للمستوردين والطبقات الشرائية في المدن، بينما يشكل ضريبة على المصدرين والعمال والغالبية العظمى ممن يعتمدون في معيشتهم على اقتصاد تنافسي، كذلك التردد في خفض قيمة العملة هو في الواقع تردد في إعادة توزيع الثروة.
مشكلة الاحتياطات الأجنبية
من جانب آخر، لا تزال احتياطات النقد الأجنبي متقلبة على رغم برامج القرض من صندوق النقد الدولي المستمرة، التي وفرت استقراراً مالياً موقتاً من دون إحداث تغييرات هيكلية في بنية النظام الاقتصادي. أيضاً تمثل القروض السعودية نصف الاحتياطات الأجنبية في البنك المركزي، مما يعني أن الدولة لم تكسب هذه الأصول من خلال الصادرات أو الخدمات، بل هي ودائع من الدول الصديقة.
وتعتبر التحويلات المالية من قبل العمال الباكستانيين في الخارج، الذي يبلغ عددهم نحو 9 ملايين عامل في دول الخليج فحسب، أحد أهم مصادر الدخل للدولة، لكن الحساب الجاري يتعرض لضغوط متزايدة بسبب ارتفاع فواتير الاستيراد والوضع غير المستقر، اللذين يواجهان التحويلات المالية من العمال الباكستانيين المقيمين في دول الخليج.
الأمر المثير للقلق هو احتمالية عودة البعض منهم للوطن، وهو ما سيشهد زخماً أكبر خلال الأيام المقبلة، وتوجههم نحو أسواق العمل في الحواضر الباكستانية، التي تعاني أصلاً صعوبة مواكبة النمو السكاني السريع في باكستان. يزيد الوضع الخارجي لباكستان من تعقيد هذه الصعوبة، ففي وقت يتزايد فيه النفوذ الإقليمي للصين ويتسارع فيه التراجع الاستراتيجي الأميركي، تثقل كاهل باكستان ديون الصين الضخمة، ولا تستطيع التهرب من تبعات هذا التغيير.
وستبقى مسؤوليات الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني والديون الناتجة من مشاريعها قائمة بغض النظر عن مآل مضيق تايوان، أما اليوان النفطي الذي ظل فترة طويلة مجرد نظرية فقد أصبح الآن واقعاً عملياً مع سعي دول الخليج إلى إيجاد بدائل لتجارة الطاقة القائمة على الدولار.
واقع اقتصادي جديد
وفي ظل تنامي النفوذ الاقتصادي للصين كقوة اقتصادية كبرى في المنطقة مع انحسار القوة الأميركية يتشكل واقع جديد للاقتصاد العالمي، إذ يتعين على الدول إعادة النظر في سياساتها الخارجية المتعلقة بالاقتصاد، بما يوافق التغييرات الجيوسياسية الجديدة.
والسؤال المطروح بالنسبة إلى إسلام آباد هو ما إذا كان بإمكانها أن تتكيف بصورة فعالة مع الظروف الجديدة، وأن تربط تعافيها بالشبكات التي تبنيها الصين في جميع أنحاء المنطقة.
تحتاج باكستان إلى إدارة هيكل تحالفاتها بمهارة للتكيف مع الظروف الجديدة، إذ لا يمكن تجاهل العلاقات الدفاعية والأخوية بين باكستان والسعودية، أي التزام باكستان أمن الأماكن المقدسة في المملكة، الذي يعود تاريخه إلى أزمات السبعينيات، وقد يجري توسيعه الآن بصورة أكبر، لكن بالتوازن مع العلاقات الإقليمية الأخرى.
وتمثل إيران دولة مهمة في هذا السياق، إذ إن التقارب الجغرافي لباكستان والتركيبة السكانية والمنطق التجاري، إضافة إلى الحدود المشتركة والروابط العميقة على جانبي الحدود واحتمال استئناف التجارة العابرة، تجعل من إقامة علاقة نشطة مع طهران ضرورة وليست مجرد خيار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل ستتعلم إسلام آباد درسها؟
إن الأسباب الهيكلية وراء خيبة الأمل حقيقية للغاية، فالروبية المبالغ في قيمتها مثلاً، والإصلاحات المتعثرة والتحالف الضيق بين النخب الذي يتحكم في السياسة، ليست نتيجة ضغوط خارجية بل مشكلات داخلية نتجت من قرارات اتخذها الباكستانيون بأنفسهم، لكن ربما الجانب المضيء في هذا هو في حقيقة أن القرارات يمكن التراجع عنها أيضاً.
واجهت باكستان صدمات خارجية شديدة من قبل، وعلى رغم الأضرار التي لحقت بها بفعل هذه الصدمات، فإنها خرجت منها سالمة، ولديها من الخبرة المؤسسية ما يكفي لمحاولة تصحيح المسار، وهو ما نعول عليه في الوقت الحالي لكن كلفة أي تأخير إضافي الآن أعلى بكثير، وفرصة التغيير المتاحة أقل بكثير من السابق.
التاريخ يعلمنا من خلال التجارب المتكررة أن الصدمات الخارجية تدفع الشعوب إلى إصلاحات لم يلتفتوا إليها من قبل، وتجبرهم على اتخاذ قرارات كانت ضرورية لكنها لم تكن ملائمة سياسياً أبداً، الأزمة الحالية قد تكون إحدى هذه الصدمات لباكستان.
ومن أجل استغلال هذه الفرصة والخروج من الأزمة بصورة أقوى من قبل، يجب على إسلام آباد تعديل سعر الصرف بصدق وتنويع مصادر الطاقة لديها والوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها من خلال الاستقلال الاستراتيجي، بدلاً من الاعتماد المستمر عليهم. هذه النتيجة ليست مضمونة، لكنها ممكنة بالتأكيد، وفي النهاية، يعتمد الفرق بين المأساة والمأساة التي جرى تجنبها على ما إذا كان من الممكن إيقاظ الإرادة السياسية في الوقت المناسب لاختيار مسار مختلف.
أبلت إسلام آباد بلاءً حسناً في عملية المفاوضات، وأثبتت أنها تستطيع النهوض مرة أخرى حتى في أحنك الأوقات، وتثبت جدارتها وأهميتها للعالم، في وقت حاولت فيها الدول الجارة والبعيدة عزلها عن المشهد العالمي، لتكون محط أنظار العالم وعنوان نقاشات الإعلام والصحف، لكن هذا الزخم الإعلامي والقوة الناعمة لا يمكن تحويلهما إلى أداة نفوذ حقيقية من دون إصلاح الوضع الاقتصادي في الداخل، الذي يتطلب اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بهيكلة النظام الاقتصادي، بحيث لا يعتمد على المنح الخارجية، بل على سواعد أبناء الوطن وعلى الصادرات المكافئة في السعر والجودة للمستوى الدولي.



