عالمي

أزمة الفولاذ تضرب سوق الأجهزة المنزلية في إيران

تواجه صناعة الأجهزة المنزلية في إيران واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، بعدما تحول اضطراب إنتاج وتوريد صفائح الفولاذ إلى أزمة جديدة لهذا القطاع.

يحذر ناشطون صناعيون من تأثير هذه الأزمة على انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار وتفاقم الركود، حتى إغلاق الوحدات الإنتاجية.

السوق التي كانت تعاني أساساً ضغوط التضخم وتراجع القدرة الشرائية والتهريب الواسع وأزمة السيولة، تواجه الآن نقصاً في المواد الأولية وارتفاعاً حاداً في أسعار صفائح الفولاذ، وهي مشكلة يقول متخصصون إنها ستقود إلى سلسلة من النتائج تشمل تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة، واتساع الأنشطة الاقتصادية غير الشفافة في الصناعات المرتبطة.

وتشير تقديرات نشرتها وسائل إعلام محلية إلى أن اضطراب توازن عرض صفائح الفولاذ خفض القدرة الإنتاجية لصناعة الأجهزة المنزلية بنسبة تراوح ما بين 20 و40 في المئة. ويهدد هذا الوضع خصوصاً الوحدات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تمتلك مخزوناً كافياً من المواد الأولية ولا القدرة المالية اللازمة لشراء المواد الخام بالأسعار الجديدة.

في الوقت نفسه تتحدث التقارير عن ارتفاع صفائح الفولاذ بنسبة تراوح ما بين 50 و100 في المئة، وهو ما رفع كلفة الإنتاج بصورة كبيرة ودفع السوق نحو تعدد الأسعار وظهور سلوكات غير شفافة. وتعد صناعات الأجهزة المنزلية والسيارات والصناعات المعدنية من أكثر القطاعات تضرراً من هذا الوضع.

أزمة الفولاذ تهديد مباشر لصناعة الأجهزة المنزلية

يقول متخصصون صناعيون إن صناعة الأجهزة المنزلية في إيران تعتمد بصورة واسعة على صفائح الفولاذ، وإن أي خلل في سلسلة إنتاج أو توريد الفولاذ ينعكس مباشرة على حجم إنتاج المصانع في هذا القطاع.

وبحسب ناشطين في الصناعة، فإن تراجع إنتاج الفولاذ يؤدي إلى انخفاض توافر المواد الأولية الأساس، ثم إلى ارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج، وفي النهاية إلى انخفاض القدرة الإنتاجية للصناعات المرتبطة، ومنها الأجهزة المنزلية.

وتأتي هذه الأزمة خلال وقت كانت فيه صناعة الأجهزة المنزلية في إيران تعاني مشكلات اقتصادية مزمنة، فالركود الحاد في السوق والانخفاض الكبير في القدرة الشرائية للأسر وتراجع الطلب من جهة، والارتفاع المستمر في كلفة الإنتاج من جهة أخرى، وضعت كثيراً من الوحدات الصناعية في وضع حرج.

ويقول المنتجون إن نقل كامل الكلفة الجديدة إلى المستهلك غير ممكن، لأن السوق لم تعد تتحمل مزيداً من ارتفاع الأسعار، وهو ما تسبب في تراجع هامش الربح لدى كثير من الوحدات الإنتاجية.

وتعكس المؤشرات الرسمية عمق الركود في هذا القطاع، ففي أغسطس (آب) 2025 سجل مؤشر قطاع الأجهزة المنزلية 34.5 نقطة، وهو رقم يشير إلى ركود حاد في الأنشطة الصناعية.

وانخفض مؤشر حجم الإنتاج إلى 28.4 ومؤشر الطلبات الجديدة إلى 28 ومؤشر التوظيف إلى 33.4، وفي الفترة نفسها بلغ مؤشر سرعة تنفيذ وتسليم الطلبات 53.8، وهو رقم أكد الخبراء أنه لا يعكس ازدهار الإنتاج بل يعود إلى انخفاض الطلبات وفراغ خطوط الإنتاج.

ويؤكد ناشطون اقتصاديون أن ارتفاع سعر الصرف فرض ضغوطاً إضافية على هذا القطاع، فارتفاع الدولار زاد في الوقت نفسه من كلفة صفائح الفولاذ والقطع المستوردة والنقل وسائر المواد الأولية، مما سرع من وتيرة انخفاض الإنتاج.

وعدت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إيرنا) أن سعر الصرف وقيود الطاقة وتراجع إنتاج الفولاذ من أهم أسباب ارتفاع أسعار صفائح الفولاذ، محذرة من أن أزمة السيولة عمقت ركود السوق.

وفي هذه الظروف، تتمكن الشركات الكبرى من مواصلة نشاطها بسبب وصولها الأسهل إلى الموارد المالية والتسهيلات المصرفية وحصص المواد الأولية، بينما تواجه كثير من الوحدات الصغيرة والمتوسطة خطر توقف خطوط الإنتاج.

ويحذر ناشطون نقابيون من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى موجة جديدة من تسريح العمال وارتفاع البطالة في الصناعات المرتبطة، وهي صناعات توفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في الاقتصاد الإيراني.

سوق عالقة بين الركود والتهريب والتجميع

لا تقتصر أزمة صناعة الأجهزة المنزلية الحالية على اضطراب سوق الفولاذ، بل إن هذه الصناعة تعرضت خلال الأعوام الماضية إلى سلسلة من الصدمات الاقتصادية والهيكلية، وتواجه اليوم مجموعة من الأزمات المتزامنة.

ويقول ناشطون في السوق إن الانخفاض الحاد في القدرة الشرائية دفع شريحة واسعة من العائلات إلى التخلي عن شراء الأجهزة الجديدة، والاتجاه نحو إصلاح الأجهزة القديمة. ووفقاً لتجار السوق، فإن مخازن كثير من المنتجين والموزعين مليئة بالبضائع غير المبيعة، مما زاد من حدة أزمة السيولة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن الأمين العام لجمعية الأجهزة المنزلية الإيرانية أن ذلك العام كان من أصعب الفترات على الصناعة، وأن الركود الحاد في الطلب أدى عملياً إلى خروج السلع المعمرة من سلة استهلاك كثير من العائلات.

إلى جانب الركود، لا يزال التهريب من أبرز تحديات هذه السوق. وكان مسؤولون في صناعة الأجهزة المنزلية أعلنوا سابقاً أن حجم التداول المالي لتهريب الأجهزة المنزلية في إيران يصل إلى مليارات الدولارات.

ويقول ناشطون في هذا القطاع إن جزءاً من السوق أصبح بيد البضائع المهربة أو شبه المهربة، سواء تلك التي تدخل البلاد بصورة كاملة، أو التي تباع تحت عنوان الإنتاج المحلي والتجميع.

ويرى خبراء اقتصاديون أن حظر الاستيراد الرسمي للأجهزة المنزلية الأجنبية على رغم أنه طبق بهدف دعم الإنتاج المحلي، أدى عملياً إلى نشوء أسواق احتكارية واتساع نشاط التجميع.

ويؤكد منتقدون أن بعض الصناعات الكبرى اتجهت بدلاً من الاستثمار في البحث والتطوير والتوطين الحقيقي للإنتاج إلى تجميع القطع المستوردة، والاستفادة من الامتيازات الناتجة من قيود الاستيراد وتخصيص العملة الأجنبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحدثت تقارير إعلامية عن احتجاجات من منتجين صغار يرون أن الجزء الأكبر من العملة المدعومة والامتيازات الاستيرادية ذهب إلى عدد محدود من الشركات الكبرى، التي تحولت إلى شركات استيراد وتجميع، لا إلى منتجين حقيقيين.

ويعتقد هؤلاء أن نتيجة هذه السياسات كانت إضعاف المنافسة وتراجع جودة الإنتاج المحلي، وزيادة اعتماد السوق على القطع الأجنبية.

وفي الوقت نفسه، يحذر بعض الناشطين الاقتصاديين من أن البنية غير الشفافة في سلسلة توريد وتوزيع الأجهزة المنزلية وفرت بيئة مناسبة للفساد والامتيازات غير المشروعة وحتى غسل الأموال.

ويقولون إن الفارق بين سعر العملة المدعومة والمواد الأولية المدعومة وأسعار السوق الحرة، عزز الأنشطة الوسيطة وغير المنتجة، ودفع جزءاً من الموارد الاقتصادية نحو المضاربة.

مستقبل غامض للصناعة وخطر تعميق الركود

يحذر ناشطون في صناعة الأجهزة المنزلية من أنه إذا استمرت أزمة الفولاذ ونقص المواد الأولية، فقد تدخل هذه الصناعة واحدة من أصعب مراحلها. ويقولون إن تزامن ثلاث أزمات هي “نقص المواد الأولية” و”ارتفاع كلفة الإنتاج” و”ضعف الطلب” سيؤدي إلى إغلاق واسع لخطوط الإنتاج، وتراجع أكبر في القدرة الصناعية للبلاد.

ويؤكد بعض الخبراء أن مشكلة صناعة الأجهزة المنزلية لا تقتصر على نقص الفولاذ، بل تشمل مجموعة من الأزمات الاقتصادية المتزامنة كتقلبات سعر الصرف وانقطاع الكهرباء وقيود الطاقة، إلى ضعف الاستثمار وغياب السياسات الاقتصادية المستقرة.

وكان المتحدث باسم جمعية منتجي الأجهزة المنزلية أعلن سابقاً أنه في حال حل مشكلات سوق المواد الأولية، فإن هناك قدرة كبيرة على زيادة الإنتاج داخل البلاد، لكن سوق المواد الأولية في إيران تعاني غياب التنظيم الفعال، وهو ما تسبب في اضطراب سلسلة التوريد.

ويرى بعض المحللين الاقتصاديين أن استمرار الركود سيدفع سوق الأجهزة المنزلية أكثر نحو الأنشطة الوسيطة وغير المنتجة. وفي هذه الظروف، سيتراجع الإنتاج الحقيقي، بينما ستصبح شبكات التوزيع غير الرسمية وشركات التجميع والمستوردون غير الشفافين أكثر نشاطاً، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى مزيد من إضعاف الإنتاج الصناعي داخل إيران.

ومن جهة أخرى، فان ارتفاع الكلفة النهائية للإنتاج سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع المحلية، وهو ما سيقلل القدرة الشرائية للمستهلكين أكثر فأكثر، في حلقة يقول الخبراء إنها ستفاقم الركود التضخمي في سوق الأجهزة المنزلية.

نقلاً عن اندبندنت فارسية




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى