تراجع عن الضرائب الجديدة في لبنان: هدنة أم تأجيل للمواجهة؟

بذريعة “الرسوم البيئية” حاولت الحكومة اللبنانية التسلل إلى جيب المواطنين، وفرض ضرائب إضافية تراوحت بين واحد وثلاثة في المئة على مئات من السلع المستوردة من الخارج والمصنعة ضمن فئة “المواد المنتجة للنفايات”، وهو ما كان ينذر بحدوث “فقاعة تضخم جديدة” بعد تلك التي سببتها ضريبة 300 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين في فبراير (شباط) الماضي.
وأحدث المرسوم موجة من الاعتراض في البلاد التي لم تتعاف بعد من آثار الحرب المدمرة في السنوات الماضية، إذ أعلنت الهيئات الاقتصادية وقطاعات المستوردين وموظفي القطاع العام اعتراضهم على القرار المستجد، وصولاً إلى التهديد بإطلاق سلسلة من التحركات الاعتراضية.
هذا الوضع دفع الحكومة للتراجع عن القرار موقتاً و”تعليق المرسوم” في انتظار فرصة سانحة لتأمين مداخيل إضافية، يفترض أن تترافق مع خطة كاملة للتعافي المالي والاقتصادي بعد سنوات من “أزمة الانهيار الكبير” وصدمة الحروب المستمرة منذ عام 2006 وصولاً إلى تدمير واحتلال أجزاء واسعة من أراضي البلاد في 2026.
المرسوم المفاجأة
في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، أصدرت الحكومة اللبنانية المرسوم رقم 3214 الرامي إلى تعديل الرسوم على “المواد المنتجة للنفايات”، بناء على اقتراح وزير المالية ياسين جابر ووزيرة البيئة تمارا الزين، وبعد استشارة مجلس شورى الدولة.
جاء المرسوم مقتضباً بمادتين اثنتين، وملحق لتعداد مئات من السلع، إذ أشارت المادة الأولى إلى تعديل الرسوم على بعض المنتجات نسبة لكمية أو نوعية النفايات المنتجة خلال تصنيعها أو من جراء استخدامها. وبغية تغطية تكاليف معالجة النفايات الواقعة على الدولة، فرضت ضريبة على عدد كبير من السلع المستوردة والمصنعة، في مقدمها تلك التي تمس حياة الإنسان العادي والمواطن مباشرة مثل مواد الألبان والأجبان والبيض والطيور والعسل والخضر والنباتات والبن والشاي والحبوب ومنتجات المطاحن والشحوم والدهون والزيوت والسكر ومستحضرات اللحوم والأسماك والأدوات المنزلية والتحف والأدوات الموسيقية والأسلحة ولعب الأطفال وغيرها عشرات من السلع، التي تضمنها هذا المرسوم الذي نشر في الجريدة الرسمية.
قبل أن تعلن الحكومة تعليق العمل فيه بناء لطلب الهيئات الاقتصادية التي أصدرت بياناً أشادت فيه بالأجواء الإيجابية والاتصالات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء التي أعلنت التراجع عن القرار، إذ أعلن وزير الإعلام بول مرقص تعليق الحكومة العمل بالمرسوم 3214 والرسوم الجمركية المتعلقة بالمنتجات التي تخلف نفايات ضارة بالبيئة.
و”دعت الهيئات الاقتصادية الحكومة والوزراء المعنيين إلى تعزيز التشاور والتنسيق مع الجهات الاقتصادية والاجتماعية قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بالضرائب أو الرسوم، نظراً إلى ما تتركه من انعكاسات مباشرة على المؤسسات والعمال، ولا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتحديات التي تواجه مختلف القطاعات”.
تراجع الاستهلاك
أثار المرسوم رقم 3214 حفيظة رجال الاقتصاد وأصحاب المؤسسات في لبنان والمواطنين اللبنانيين بأكملهم، نظراً إلى تأثيرها الشديد على كلفة الحياة وزيادة أسعار السلع الأساسية في البلاد التي تستورد غالب احتياجاتها من الخارج.
وبرزت المخاوف من تكرار تجربة فرض زيادة ضريبية قبل أشهر بقيمة 300 ألف ليرة لبنانية على كل صفيحة بنزين من أجل تأمين اعتمادات إضافية، لتغطية الزيادات على الرواتب والأجور لموظفي القطاع العام والمتقاعدين.
يقول الدكتور جورج براكس نقيب أصحاب المحطات في لبنان إلى أن المرسوم المعلق التنفيذ تضمن رسماً إضافياً على الوقود بنسبة اثنين في المئة، التي تشكل قرابة 28 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين، و31 ألف ليرة على كل صفيحة مازوت، إضافة إلى الضريبة على القيمة المضافة، ليصبح مجموع المبالغ الإضافية 2.28 في المئة، تقول الحكومة إنها لمعالجة النفايات والتلوث البيئي، مستغرباً فرض تلك الرسوم التي “جاءت في توقيت مريب”، وهي ستزيد الأعباء على المواطن الذي يعاني أصلاً، إذ “تبحث شريحة كبيرة عن كيفية إطعام أولادها”.
هو ما أحدث موجة اعتراض كبيرة بسبب فقدان المواطن لقدرته الشرائية، وتوقف عمل المؤسسات، وهي بحاجة إلى التحفيز للانطلاق وليس عرقلات إضافية.
يحذر براكس من التأثير السلبي للزيادة في المحروقات وانعكاسه على مختلف القطاعات، لأن “كل زيادة على النفط تتسبب بارتفاع أسعار جميع السلع الاستهلاكية على المستويين المحلي والعالمي، وستزيد من نفقات النقل، وأعباء إنتاج الطاقة للتبريد والتشغيل”، منوهاً إلى “تراجع استهلاك الوقود في كل مرة تزداد الأسعار والضرائب، إذ يلجأ المواطن إلى التقنين في استعمال البنزين للنقل أو المازوت للتدفئة في المناطق الجبلية. وهو ما كان ملاحظ عند ارتفاع سعر طن المازوت خلال الحرب من 650 دولاراً أميركياً إلى 1400 دولار، وتراجع الاستهلاك وتقنين عمل المولدات الخاصة.
ويكشف أنه خلال الحرب الأخيرة تراجع استهلاك البنزين في لبنان بمعدل 30 في المئة، ففي عام 2025 كان معدل الاستهلاك اللبناني نحو 8 ملايين ليتر بنزين يومياً، أما في عام2026 الحالي فتراجع إلى نحو 6 ملايين ليتر يبنزين يومياً بسبب ارتفاع أسعار البنزين بسبب الضريبة وارتفاع الأسعار عالمياً”، ومشدداً على أن أصحاب المؤسسات يفضلون بقاء الأسعار منخفضة، لأنها تعزز الاستهلاك وتزيد الأرباح.
كما يحذر من ضرب إمكانات التعافي لدى المؤسسات، لأن زيادة الضرائب غير المدروسة تؤدي إلى ركود اقتصادي، كما تؤدي إلى ضغوط متزايدة على الطبقة العمالية التي تحتاج إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، مستغرباً الاستعجال في فرض الضرائب على السلع الاستهلاكية والوقود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فقاعة التضخم
تنذر الزيادات الضرائبية بآثار عكسية، ويعتقد الدكتور بلال علامة الخبير الاقتصادي أن الحكومة تستعجل الرسوم والضرائب المباشرة “لتأمين واردات كيفما كان”، مشيراً إلى أن الصيغة المقترحة كان لتؤدي إلى زيادة في الأسعار لا تقل عن 10 في المئة. وينبه علامة إلى أن “الضرائب العشوائية تقود إلى ازدهار عمليات التهريب والتهرب الضريبي في ظل الانكماش، كما أنها تضرب القدرة الاستهلاكية في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة وانخفاض الأجور”.
يطرح علامة “علامات استفهام على هذا “المرسوم البيئي” وتوقيته، لأنه “الحكومة كانت قد أخذت على عاتقها عدم زيادة أية ضريبة أو مرسوم”، ولكن “يبدو أن ثمة حاجة إلى تأمين إيرادات سريعة، وبما أنه وفق القانون لا يمكن تخصيص الضرائب لخانة معينة، لأن العوائد الضريبية تجبى لصالح الخزانة الذي تنفق الحكومة منه على القطاعات كافة”.
ويشكك بأن “المشروع في حقيقته ليس ذا غايات بيئية كما هي تسميه، وقد لا تحصل البيئة على قرش منه، وقد تكون الغاية منه تأمين اعتمادات للرواتب والأجور والمساعدات الاجتماعية ودعم النزوح، وقد بدأت ملامح التوجه من خلال بشارة وزير الصحة راكان ناصر الدين بتغطية نفقات الاستشفاء للنازحين كافة بنسبة 100 في المئة بالمستشفيات كافة، وهو ما سيشكل عبأ إضافياً على خزانة الدولة”.
كما يذكر علامة بأن “الضريبة التي فرضت على البنزين كانت بذريعة زيادة أجور الموظفين، ولكن في الحقيقة لم يحصل هؤلاء على قرش واحد إضافي على رواتبهم، فيما الضريبة سارت ويدفعها المواطن”، وبالتالي فإن “في باطن الرسوم البيئية شيء من الابتزاز لبعض الشركات الكبرى بحجة معالجة النفايات، علماً أن الدولة لم تقدم على أية استراتيجية لذلك، وتقوم بتلك المهمة البلديات بالاتفاق مع شركات الفرز الخاصة”، متحدثاً عن فوضى مالية، وعدم وضوح في مستويات العجز، أو أوجه الإنفاق التي تقوم بها الحكومة بسبب الحرب. ويقدر نسبة النمو السلبي بـ10 في المئة بسبب الدمار، والقضاء على الموسم السياحي الصيفي وإغلاق المؤسسات الموسمية، والضغوط على الاحتياطات المالية وتراجع الحوالات المالية.
شفافية الرسوم
في فبراير 2026، أعلنت الحكومة نيتها زيادة أجور الموظفي القطاع العام في الأسلاك المدنية والعسكرية، وأقرت بموجبها الضريبة على الوقود، قبل أن تباغتها حرب الإسناد الثانية في بداية مارس (آذار) الماضي وما نجم عنها من نزوح نحو 1.4 مليون مواطن لبناني، وبالتالي توجيه تلك العائدات لتأمين الحاجات الأساسية للفئات الهشة التي هجرت قسراً من بيودتها وديارها.
في المقابل، يتخوف موظفو القطاع العام من ضرائب تطيح بما تبقى من قيمة شرائية لأجورهم من دون إقرار الزيادات الموعودة، ويرى وليد جعجع، نائب رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة، أن “تصرفات الحكومة غير مفهومة”، رافضاً أية زيادات ضريبية عشوائية. ويتحدث عن خلل كبير في العلاج، ففي وقت تمت دولرة الضرائب أي مضاعفتها 60 مرة كما هو سعر صرف الدولار، منبهاً من أية زيادة إضافية على القيمة المضافة أو البنزين لأن ضررها عام، وتضغط على معدلات الفقر في البلاد.
ويضيف “من غير المقبول دفع الأجير للعمل في وظيفة ثانية موازية، أو طلب بدلات إضافية عن الخدمات، لأنه لا بد من الحفاظ على مكانة الموظف.
من جهته، يؤكد جمال عمر رئيس رابطة الأساتذة في التعليم الثانوي الرسمي أن “الضريبة تعني الجميع، ورابطة التعليم الثانوي بوصفها عضواً ضمن تجمع روابط القطاع العام، تعارض هذا الأمر”، كاشفاً عن “التحضير لموقف بخصوص الضرائب والرواتب الستة التي انحدرت قيمتها بفعل الغلاء الكبير في الأسعار”. ويعتقد عمر أن “التحرك في الشارع بات ضرورياً بعد توقف الحرب بصورة نسبية”، لافتاً إلى أنه “خلال الحرب وبفعل أزمة النزوح وتردي الوضع المالي على مستوى الجباية والإيرادات قد توقفت الروابط عن التحرك، ولكن الآن أصبح لزاماً التحرك والمطالبة بالحقوق بجميع الوسائل المشروعة”.
المتقاعدون متضررون
تشي الضرائب المباشرة بآثار شمولية على مكونات المجتمع كافة، ويزداد عبئها على المتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود الذين علقوا آمالاً كبيرة عندما فرضت زيادة 300 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين بأن أجورهم ستزداد. يشير العميد المتقاعد جورج نادر من حراك العسكر المتقاعدين الذي كان له أثر واضح في الضغط على الحكومة والبرلمان من أجل إقرار زيادة الأجور إلى أن “ثمة مشروع لمنح ستة أجور إضافية بحسب أصل الراتب الأساسي لموظفي القطاع العام، ولكن جاءت الحرب المدمرة التي حالت دون إمكان المطالبة والضغط لأسباب أخلاقية وإنسانية وطنية واتساع دائرة الدمار والنزوح”.
ويتحدث نادر عن “ربط نزاع بين المتقاعدين والحكومة إلى حين وبانتظار جلسة مجلس النواب المقبلة، إذ طالب حراك العسكريين بأن يكون بند الأجور في رأس قائمة جدول أعمال الهيئة العامة، لا أن يتم تطيير الجلسة بحجة الخلاف حول ملف العفو العام الموجود على الجدول نفسه”. ويتحدث نادر عن “تلقي الوعود من الكتل النيابية كافة بدعم مطالبهم في مجلس النواب، التي في حال إقرارها تلزم الحكومة بدفعها بمفعول رجعي بدءاً من شهر مارس 2026″، مشيراً إلى أن “ضريبة البنزين كانت من حصة موظفي القطاع العام، ولكنها لأسباب إنسانية خصصت للنازحين، ولكن ما إن يستقر الحال لا بد من الوفاء بالعهود وإعطاء الموظفين”. ويأسف نادر لتآكل قيمة الأجور بين فرض الزيادات وموعد استحقاقها بسبب تأخر الحكومة، والاتجاه دائماً نحو الضرائب المباشرة السريعة، واستسهال مد اليد إلى جيب المواطن الفقير، فيما تترك الاعتداءات على الأملاك العامة البحرية والبرية سائبة، وتحت وطأة الاعتداءات من كبار المسؤولين والنافذين، وعدم فرض ضريبة على تراكم الثروات ورأس المال”، مشبهاً ما حصل من ضريبة مقطوعة على البنزين بـ”سرقة المواطن الفقير لإطعام مواطن فقير آخر”.



