كيف استجابت أسواق المال للهدنة بين أميركا وإيران؟

اجتاحت موجة من التفاؤل الأسواق المالية العالمية، مما دفع الأسهم إلى الارتفاع وتحقيق مكاسب قوية، في حين هبطت أسعار النفط بأكبر وتيرة في نحو ست سنوات، عقب توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
أدى تعافي شهية المخاطرة إلى صعود مؤشر “ستاندرد أند بورز 500” بنسبة 2.5 في المئة، بينما استقر النفط الخام دون مستوى 95 دولاراً، مما خفف المخاوف في شأن أزمة طاقة وأعاد إحياء الرهانات على أن مجلس الاحتياط الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة في عام 2026.
كما تذبذبت سندات الخزانة، ومع تراجع الطلب على الملاذات الآمنة، فقد الدولار مكاسبه المسجلة منذ بداية العام، فيما تجاوزت عملة بتكوين مستوى 71 ألف دولار.
كيف تفاعلت مؤشرات الخوف والأسهم العالمية مع التطورات؟
انخفض مؤشر التقلبات المعروف في “وول ستريت” باسم “مقياس الخوف” إلى مستويات ما قبل الحرب، كما قفزت أسهم شركات الطيران، التي كانت قد تعرضت لضغوط بسبب المخاوف من ارتفاع أسعار الوقود، بينما سجلت أسهم الأسواق الناشئة أكبر مكاسب لها منذ مارس (آذار) 2020.
قال فؤاد رزاق زادة من “فوركس دوت كوم”، “جاءت ردود الفعل وفق السيناريو الكلاسيكي للأسواق الكلية، إذ ارتفعت الأصول عالية الأخطار، وتراجعت أسعار النفط، وفقد الدولار جزءاً من علاوته كملاذ آمن”.
هل أثرت التوترات في مضيق هرمز على الأسواق؟
على رغم تقارير عن توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز وسط هجمات إسرائيلية على لبنان، لم يكن ذلك كافياً لزعزعة الأسواق.
وأشار رزاق زادة إلى أن “المستثمرين واثقون من إمكان تراجع أسعار النفط بصورة أكبر، وإعادة فتح مضيق هرمز”.
من جانبه، قال مارك هاكيت من “ناشيونال وايد” إن “وقف إطلاق النار عامل إيجابي واضح، لكنه ليس حلاً نهائياً. اللافت هو مدى سرعة تحول السوق بمجرد تراجع الضغوط، عندما تصبح المراكز الاستثمارية مزدحمة بهذه الصورة، لا يتطلب الأمر الكثير لإشعال انعكاس الاتجاه”.
ما تأثير تحركات صناديق التحوط في الأسواق؟
في بنك باركليز، قال إيمانويل كاو إن الأسهم كانت عرضة لـ”ضغط شراء قوي على المكشوف”، مع قيام صناديق التحوط بإزالة التحوطات التي وضعتها للحماية من أخطار الحرب.
وأفادت وحدة التداول في بنك غولدمان ساكس بأن صناديق التحوط تسارع إلى إغلاق رهاناتها ضد الأسهم الأميركية، بوتيرة لم تسجل منذ تعافي السوق من الانهيار الناجم عن جائحة كورونا.
هل بدأت إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية عالمياً؟
بحسب سام ستوفال من مركز أبحاث “سي أف آر إيه”، فإن الهدنة الموقتة سمحت للمستثمرين العالميين بالبدء في إعادة هيكلة محافظهم وإعادة تدوير القيادة القطاعية تحسباً لوقف أطول للأعمال العدائية.
وأضاف أن رد فعل الأسواق عقب الركود والسوق الهابطة التي تزامنت مع غزو العراق للكويت عام 1990 قد يوفر دليلاً، إذ ارتفع مؤشر “ستاندرد أند بورز” 500 بنسبة 12.4 في المئة بعد ثلاثة أشهر من بلوغ أسعار النفط ذروتها ثم تراجعها.
وأوضح “الأهم من ذلك أن القيادة القطاعية تحولت من القطاعات الدفاعية إلى القطاعات الدورية، وقد يحدث تحول مماثل هذه المرة إذا استمر وقف إطلاق النار”.
كيف ينظر الاحتياط الفيدرالي إلى تداعيات الحرب؟
من الناحية الاقتصادية، أظهرت محاضر اجتماع الاحتياط الفيدرالي في مارس (آذار) أن معظم المسؤولين كانوا قلقين من أن تؤدي حرب طويلة إلى الإضرار بسوق العمل، مما قد يستدعي خفض أسعار الفائدة، في حين أشار عدد من صناع السياسات إلى أخطار التضخم.
وقال ديفيد راسل من تريد ستيشن “هذه المحاضر تعكس نظرة إلى الوراء بصورة كبيرة، وانفراج سوق النفط يزيل التضخم كأخطار جوهرية في الوقت الراهن”.
وأظهر محاضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة يومي الـ17 والـ18 من مارس (آذار) أن صناع السياسة ناقشوا سيناريوهات متباينة بشدة للاقتصاد الأميركي عقب اندلاع الحرب، وكذلك ردود السياسة المحتملة.
هل يمكن أن ترتفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها؟
أبدى عدد متزايد من مسؤولي الاحتياط الفيدرالي قلقهم من أن حرب إيران قد تؤدي إلى تفاقم التضخم، وأرادوا التأكيد بعد اجتماع مارس على أن البنك المركزي قد يضطر إلى التفكير في رفع أسعار الفائدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان معظم المسؤولين قلقين من أن تؤدي حرب مطولة إلى الإضرار بسوق العمل، مما يستدعي خفض الفائدة، لكن في الوقت نفسه أشار كثيرون إلى أخطار التضخم التي قد تتطلب رفعها.
ما تقييم الاقتصاديين لموقف الفيدرالي؟
قال ستيفن ستانلي، كبير الاقتصاديين الأميركيين في “سانتاندر يو أس كابيتال ماركتس”، إن اللجنة رأت تصاعد الأخطار على التضخم والتوظيف معاً، وكانت حذرة من تداعيات حرب أطول.
وأضاف “صراع مطول، وهو ليس السيناريو الأساسي، قد يزيد من تفاقم هذين الخطرين، مما أبقى اللجنة في وضع الانتظار”.
هل هناك توجه لتغيير لغة السياسة النقدية؟
دعا بعض المسؤولين الأكثر قلقاً في شأن التضخم إلى إضافة صياغة في البيان الختامي، تشير إلى احتمال رفع الفائدة في ظل ظروف معينة.
وأشارت المحاضر إلى أن “بعض المشاركين رأوا مبرراً قوياً لوصف مزدوج لمسار الفائدة في المستقبل، يعكس إمكان رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة إذا ظل التضخم أعلى من المستهدف”.
هل تغيرت موازين الآراء داخل الفيدرالي؟
لوحظ توجه مماثل في محاضر اجتماع يناير (كانون الثاني)، لكن عدد المؤيدين لهذا الطرح ازداد. وفي مصطلحات الاحتياط الفيدرالي، فإن كلمة “بعض” تشير إلى عدد أكبر من “عدة”، التي استخدمت في يناير (كانون الثاني).
كما أظهرت المحاضر أن “الغالبية العظمى” من المسؤولين يرون أن عودة التضخم لهدف اثنين في المئة قد تستغرق وقتاً أطول.
عقد الاجتماع بعد نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً، مما ضغط على التضخم وهدد في الوقت نفسه بتباطؤ النمو الاقتصادي.
ومنذ ذلك الحين، أشار عدد من صناع السياسات إلى رغبتهم في تثبيت الفائدة لحين تقييم تداعيات الحرب.
ماذا تقول توقعات الفيدرالي في شأن الفائدة؟
أظهرت توقعات صناع السياسة بعد الاجتماع ترقب خفض واحد للفائدة في 2026، من دون تغيير عن توقعات ديسمبر (كانون الأول)، بينما يشكك المستثمرون في حدوث أي خفض هذا العام.
وأشار معظم المسؤولين إلى أن معدل البطالة سيظل مستقراً إلى حد كبير، لكنهم أقروا بأن الأخطار تميل نحو التراجع في سوق العمل، وجاء في المحضر “في ظل ضعف صافي خلق الوظائف، تبدو سوق العمل عرضة للصدمات السلبية”.
هل يشكل التضخم خطراً مستمراً؟
في الوقت نفسه حذر صناع السياسات من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى ارتفاعات مستمرة في أسعار الطاقة، مما قد يدفع التضخم الأساسي إلى الارتفاع.
كما أشار بعضهم إلى أن استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف لخمسة أعوام، قد يجعل توقعات التضخم طويلة الأجل أكثر حساسية لارتفاع أسعار الطاقة.
ما الذي يحدث في مراكز صناديق التحوط؟
في سياق متصل، تسارع صناديق التحوط إلى إغلاق رهاناتها ضد الأسهم الأميركية بوتيرة لم تشهد منذ تعافي السوق من صدمة الجائحة في مارس 2020.
وأفادت وحدة التداول في غولدمان ساكس أن مديري صناديق التحوط كثفوا بصورة حادة عمليات تغطية مراكز البيع على المكشوف المرتبطة بالمنتجات الكلية، مثل المؤشرات وصناديق المؤشرات المتداولة، عقب إعلان ترمب الهدنة الموقتة.
هل يمثل ذلك نقطة تحول في مسار الحرب؟
قال جون فلود، رئيس خدمات تنفيذ الأسهم في الأميركيتين لدى البنك، “هذا هو المخرج الذي كانت الأسواق تنتظره”، مضيفاً أن المستثمرين يرون احتمالاً كبيراً بأن تمثل هذه الخطوة “بداية النهاية” للصراع.



