سوق عقارات إيران تئن: ركود تضخمي وارتفاع اسمي في الأسعار

شهدت سوق العقارات في إيران خلال العام 2025 أحد أكثر مراحلها تباطؤاً وتعقيداً، إذ اجتمعت فيها حال ركود عميق في حجم الصفقات، وتراجع في النمو الحقيقي للأسعار، وتبدل في سلوك المستثمرين، مما أدى إلى اهتزاز موقعها التقليدي باعتبارها ملاذاً آمناً لرأس المال، وتحولها إلى حال من الضبابية والقلق لدى المستثمرين.
وتشير بيانات رسمية وتقارير صادرة عن مؤسسات إحصائية ووسائل إعلام محلية إلى أن حجم معاملات العقارات في عدد كبير من مناطق طهران شهد خلال عام 2025 انخفاضاً غير مسبوق، لدرجة أن بعض المحللين وصفوا الوضع بأنه سوق بلا صفقات، وهو ما يعكس تراجعاً واضحاً في الطلب الفعال مقابل مستويات الأسعار المرتفعة وتآكل القدرة الشرائية للأسر.
وفي أغسطس (آب) 2025 أعرب الأمين العام لمكتب اقتصاد الإسكان عن تشككه في بعض الأرقام الاسمية المتداولة، مشيراً إلى أن عدد الصفقات المسجلة في طهران انخفض من متوسط شهري يراوح ما بين آلاف عدة إلى أقل من 1000 صفقة فقط، وهو رقم استند إليه عدد من المتخصصين في تحليلاتهم، وبناء على ذلك، خلص عديد من المختصين إلى أن السوق العقارية فقدت مرونتها السعرية، وأن الطلب الحقيقي فيها تراجع بصورة حادة.
وفي السياق ذاته، أوضحت المتخصصة في قطاع الإسكان نرجس رضوان، استناداً إلى بيانات مسجلة في أنظمة رسمية من بينها منصة “خودنویس”، أن عدد صفقات العقارات في مدينة طهران تراجع من متوسط شهري يراوح ما بين 7 و8 آلاف صفقة خلال العقد الماضي إلى أقل من 1000 صفقة عام 2025، وأضافت أنه في بعض الأشهر هبط الرقم إلى نحو 400 صفقة فقط، مما يعكس تراجعاً غير مسبوق في نشاط هذه السوق.
وفي المقابل، يعزى تركز عدد محدود من الصفقات في بعض المناطق إلى مشاريع التطوير العمراني الكبرى وعمليات التخصيص الحكومية، وهو ما يشير إلى أن السوق الحرة للعقارات باتت شبه متوقفة، وأن الجزء الأكبر من التداولات بات مرتبطاً بمشاريع محددة وخارج ديناميات العرض والطلب التقليدية.
ويرى متخصصو الاقتصاد العقاري أن ارتفاع أسعار الفائدة على القروض المصرفية، واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، إضافة إلى تراجع الثقة في الآفاق الاقتصادية، تمثل أبرز العوامل التي أدت إلى هذا الركود، مما دفع كلاً من المشترين والبائعين إلى الانسحاب التدريجي من السوق.
تذبذب الأسعار… ارتفاع اسمي في ظل تراجع فعلي
في الوقت الذي كانت فيه التوقعات الاقتصادية الكلاسيكية تشير إلى أن الركود في حجم الصفقات سيقود بالضرورة إلى انخفاض ملموس في أسعار العقارات، اتخذت سوق الإسكان في إيران مساراً مغايراً، فعلى رغم أن نمو الأسعار في عديد من الأشهر جاء من دون معدل التضخم العام الذي يقترب من 50 في المئة سنوياً، فإن الأسعار الاسمية في إعلانات البيع والعروض العقارية واصلت تسجيل زيادات متكررة.
وتظهر البيانات الرسمية أنه منذ النصف الأول من العام الماضي، بلغ متوسط سعر المتر المربع للشقق السكنية في طهران نحو 109 ملايين تومان (750 دولاراً). في المقابل، سجل معدل التضخم السنوي في قطاع الإسكان خلال خريف العام نفسه نحو 36.6 في المئة، أي أقل بنحو 15 نقطة مئوية من التضخم العام في البلاد، مما يعكس تراجع أداء هذا القطاع مقارنة ببقية أسواق الأصول.
ومع ذلك، تكشف أسعار العروض المنشورة في الإعلانات العقارية عن استمرار تمسك عديد من المالكين بتسعير مرتفع لأصولهم، إذ يمتنع كثيرون عن البيع وفق مستويات السوق الفعلية، ويعود ذلك، بحسب متخصصين، إلى غياب بدائل استثمارية آمنة من جهة، واستمرار التوقعات التضخمية من جهة أخرى، مما يدفع البائعين إلى طرح أسعار تفوق القيمة السوقية الحقيقية، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين أسعار العرض وأسعار التنفيذ الفعلي للصفقات.
وفي هذا السياق تتركز المعاملات القليلة التي تسجل فعلياً على العقارات التي يضطر أصحابها للبيع بدوافع مالية ملحة، ويعرف هؤلاء في الأدبيات العقارية بـ”البائعين المضطرين” أو “المحتاجين إلى السيولة”، إذ يقبلون بأسعار أدنى من مستويات السوق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الأشهر الأخيرة من العام الإيراني الماضي، تزامناً مع تصاعد التوترات السياسية، والاحتجاجات الواسعة في يناير (كانون الثاني) الماضي، إضافة إلى اضطرابات الإنترنت، شهدت السوق زيادة في عدد ملفات البيع المعروضة، وأسهمت هذه التطورات في رفع الأسعار الاسمية للعروض، في حين بقي حجم الصفقات الفعلية منخفضاً من دون تغيير يذكر، ونتج عن ذلك ترسخ حال الركود التضخمي في سوق العقارات، وهي حال ترتفع فيها الأسعار على الورق، بينما يظل النشاط التجاري الفعلي في حال شلل شبه كامل.
تأثير التحولات السياسية في تعميق الركود
أدت التحولات السياسية والأمنية خلال عام 2025 دوراً محورياً في تعميق حال الركود في سوق العقارات الإيرانية، إذ أسهمت في زيادة مستويات عدم اليقين وتراجع شهية المخاطرة لدى المستثمرين، ومن أبرز هذه التحولات ما أشار إليه محللون في شأن الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، والتي يعتقد أنها تسببت في توقف جزء مهم من الصفقات العقارية، إلى جانب رفع مستوى الأخطار المرتبطة بالأصول غير السائلة مثل العقارات.
وفي هذا المناخ فضل عدد من المستثمرين تحويل رؤوس أموالهم إلى أسواق أكثر سيولة وسرعة في التداول، مثل سوق العملات الأجنبية والذهب، ويشير متخصصون إلى أنه في بيئات تتسم بعدم الاستقرار والأخطار الأمنية، تتراجع جاذبية العقار كملاذ آمن، وتصبح السيولة المعيار الحاسم في قرارات الاستثمار.
بالتوازي مع ذلك أسهمت احتجاجات يناير الماضي والانقطاعات الطويلة في خدمات الإنترنت في زيادة حال عدم اليقين الاقتصادي، مما انعكس سلباً على مختلف الأنشطة الاقتصادية، وفي مقدمها سوق العقارات، التي شهدت مزيداً من التقييد في حركة البيع والشراء.
ومن أبرز النتائج المترتبة على هذه التطورات اتساع الفجوة بين أسعار العرض والأسعار الفعلية للصفقات، ففي الوقت الذي يواصل فيه البائعون تحديد أسعارهم استناداً إلى توقعات تضخمية مرتفعة، يعجز المشترون عن مجاراة هذه المستويات نتيجة تراجع قدرتهم الشرائية، وقد أدى ذلك إلى نشوء سوق مزدوجة المعايير، إذ تنفصل الأسعار المعلنة في الإعلانات العقارية بصورة متزايدة عن الأسعار الحقيقية التي تنفذ بها الصفقات فعلياً.
سيناريوهات محتملة لسوق الإسكان في عام 2026
مع بداية العام الإيراني الجديد (بدأ في الـ21 من مارس “آذار” الماضي)، يطرح محللون اقتصاديون عدداً من السيناريوهات المختلفة لمستقبل سوق العقارات في إيران، تقوم جميعها على فرضية استمرار حال عدم اليقين، وارتباط هذه السوق الوثيق بالمتغيرات الاقتصادية والسياسية الكلية.
في السيناريو الأول يتوقع استمرار حال الركود في حجم المعاملات، وفي هذا السياق تبقى حركة البيع والشراء عند مستويات متدنية، مع استمرار ما يشبه التعطل الجزئي في السوق، ويؤدي ارتفاع الأخطار في الأسواق الأخرى، إلى جانب تراجع الثقة بالاستقرار الاقتصادي، إلى دفع المالكين للاحتفاظ بأصولهم العقارية وتجنب الدخول في صفقات جديدة.
أما السيناريو الثاني فيفترض بقاء مستوى المعاملات منخفضاً، مع حدوث ارتفاع تدريجي في الأسعار نتيجة زيادة كلفة البناء، بخاصة بفعل ارتفاع أسعار مواد البناء وتضرر بعض البنى التحتية الصناعية، وينعكس ذلك بصورة واضحة على أسعار الوحدات الجديدة، خصوصاً في المدن الصغيرة والمناطق المحيطة بطهران، إذ يؤدي هذا المسار إلى رفع المستوى العام للأسعار بصورة تدريجية، وإن كان هذا الارتفاع في معظمه اسمياً أكثر منه حقيقياً.
ويرتبط السيناريو الثالث بالتحولات السياسية والأمنية، إذ يفترض أن تؤدي تداعيات الحرب واستمرار حال عدم الاستقرار إلى تغير في أنماط السكن وارتفاع موجات الهجرة الداخلية، وفي هذه الحال قد تشهد المدن الكبرى زيادة في العرض، مقابل ارتفاع الطلب في المناطق الأكثر استقراراً، مثل المحافظات الشمالية، وقد ينعكس ذلك في شكل تذبذبات سعرية إقليمية واضحة.
وبدأت بوادر هذا الاتجاه بالظهور فعلياً خلال الأشهر الأخيرة في محافظات الشمال مثل مازندران وجيلان، إذ أدى ارتفاع الطلب إلى قفزات مفاجئة في أسعار الأراضي والعقارات، ومع ذلك، يؤكد المتخصصون أن محدودية القدرة الاستيعابية لهذه المناطق، إلى جانب التركز السكاني في المدن الكبرى، سيحول دون تشكل موجة هجرة واسعة النطاق.
وفي المحصلة، تشير هذه السيناريوهات إلى أن غياب إصلاحات جذرية في المتغيرات الاقتصادية والسياسية الكلية يجعل من احتمال خروج سوق العقارات من حال الركود في المدى القريب أمراً غير مرجح، وحتى في حال استمرار الارتفاع الاسمي للأسعار، فإن ضعف الطلب الفعلي وتواصل حال عدم اليقين سيبقيان عائقاً أمام تشكل انتعاش حقيقي ومستدام في هذه السوق.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”



