حرب إيران تضغط على موازنات دول العالم

قال النائب الأول للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي دان كاتز إن العالم يمر بمرحلة أصبح فيها الدين العام أحد أبرز القيود التي تواجه السياسات الاقتصادية.
وأشار إلى ارتفاع الدين العام العالمي إلى مستويات قياسية تقارب 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مُحذراً من اقترابه من 100 في المئة بحلول 2030، مشيراً إلى أنه مستوى لم يُسجل إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مما يعكس حجم الضغوط المالية المتزايدة على الدول.
وأوضح أن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أضاف مصدراً جديداً للضغوط المالية على الموازنات العامة التي تعاني بالفعل إجهاداً، مشيراً إلى أن التحدي في المرحلة المقبلة يتمثل في قدرة الدول على حماية اقتصاداتها من الصدمات من دون التخلي عن الانضباط المالي.
وأكد كاتز أن الشفافية المالية أصبحت عنصراً أساساً للحفاظ على الصدقية، بخاصة في ظل تزايد تعقيد عمليات الاقتراض وتجزئتها، إذ تلجأ الحكومات بصورة متزايدة إلى أدوات غير تقليدية، إضافة إلى توسع الاقتراض عبر جهات خارج نطاق الحكومة المركزية.
وحذر من أن عدم رصد هذه الأخطار مبكراً والتعامل معها بصورة ممتكاملة قد يؤدي إلى تراكم نقاط ضعف خفية، تظهر بشكل حاد عند وقوع الأزمات، مما يجعل تداعياتها أكثر شدة وكلفة على الاقتصادات.
وأكد أن هذه التحديات تعيد تسليط الضوء على أهمية الرقابة، وبخاصة الدور المحوري الذي يؤديه المشرّعون في متابعة الدين العام وضمان استدامته.
ثلاثة محاور رئيسة
وأوضح أن المشرّعين يحددون قواعد اللعبة المالية من خلال وضع الأطر القانونية التي تنظم سلطة الاقتراض، وتحديد الحدود والأهداف، إضافة إلى الإشراف على كيفية استخدام هذه الصلاحيات، مشيراً إلى أن هذا الدور الرقابي يمتد عبر كامل دورة الدين، بدءاً من إقرار القوانين والتصريح بالاقتراض، مروراً بمراجعة استراتيجيات الدين ومتابعة التنفيذ، وصولاً إلى تقييم النتائج بعد التنفيذ.
وأكد كاتز أن هذه المهمة بالغة الأهمية، إذ يشكل المشرّعون في كثير من الأحيان خط الدفاع الأخير ضد الإنفاق المفرط وغير المنضبط.
وفي ما يتعلق بكيفية تعزيز فاعلية هذا الدور، أشار إلى ثلاثة محاور رئيسة:
أولاً، ضرورة توفير القدرات المؤسسية الداعمة، من خلال إنشاء لجان متخصصة ومؤسسات مالية مستقلة مثل المجالس المالية أو مكاتب الموازنة البرلمانية، التي تساعد في تحليل البيانات المعقدة وتحويلها إلى معلومات واضحة تدعم الرقابة الفعالة.
ثانياً، أهمية إتاحة معلومات دقيقة وشاملة وفي الوقت المناسب، إذ أظهرت التجارب الدولية وجود ثغرات متكررة، مثل ضيق تعريف الدين، والاقتراض خارج الموازنة، وضعف متطلبات الإفصاح، واتساع نطاق السرية، مما يؤدي إلى إخفاء أخطار مهمة عن أعين الجهات الرقابية.
وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي ركز على هذا الجانب، إذ قدمت إدارته القانونية المشورة لأكثر من 30 دولة بين عامي 2012 وبداية 2025 في شأن تطوير الأطر القانونية لإدارة الدين العام، مدعومة بدراسات تحليلية كشفت عن فجوات قانونية في 85 دولة، مع تقديم خريطة طريق لمواءمة القوانين المحلية مع أفضل الممارسات الدولية.
ثالثاً، شدد على أهمية ترسيخ الرقابة في إطار قانوني واضح وقابل للتنفيذ، إذ تسهم القوانين المحكمة في تعزيز الانضباط المالي، وضمان استمرارية المؤسسات، وزيادة القدرة على مواجهة الصدمات، مؤكداً أن فاعلية القوانين ترتبط بصورة مباشرة بجودة تطبيقها.
واختتم كاتز بالتأكيد أن الرقابة الفعالة على الدين العام تهدف في جوهرها إلى بناء الثقة، إذ إن خضوع قرارات الاقتراض لإطار واضح من القواعد والمساءلة يعزز الشفافية ويجعل المحاسبة حقيقية ومستدامة، مشيراً إلى أن المشرّعين هم حماة هذه العملية ضمن منظومة قانونية متكاملة.
كلمة النائب الأول للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي دان كاتز سبقت جلسة “مراقبة الديون – الرقابة التشريعية والمساءلة”، في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، وأدارت الجلسة المستشارة العامة ومديرة الإدارة القانونية في صندوق النقد الدولي يان ليو، وشارك في مناقشاتها النائب والمشرّع البارز الذي يمثل دائرة أليغو أوسونغا الانتخابية في مقاطعة سيايا في كينيا صموئيل أتاندي، والمديرة التنفيذية لمبادرة الشراكة الدولية للموازنة آنا بتريشيا مونوز، والمدير العام لمكتب إدارة الديون في نيجيريا اتينس أونيها، ومساعد المستشار العام في الإدارة القانونية بصندوق النقد الدولي أليساندرو غولو.
الشفافية وحدها لا تكفي
قالت المديرة التنفيذية لمبادرة الشراكة الدولية للميزانية آنا بتريشيا مونوز، إن الارتفاع السريع في مستويات الدين العام ليصل إلى نحو 100 في المئة من الناتج المحلي خلال أقل من أربعة أعوام ليس مجرد رقم اقتصادي، بل قضية تمس حياة الناس بصورة مباشرة، مما يجعل إشراك منظمات المجتمع المدني في الرقابة أمراً ضرورياً.
وأوضحت أن مبادرة الشراكة الدولية للموازنة وعلى مدى أكثر من 20 عاماً، تقيس مستوى الشفافية والمساءلة في الموازنات العامة لأكثر من 100 دولة، مشيراً إلى أن النتائج كشفت عن اتجاهين مقلقين، أولهما تراجع دور البرلمانات في التعامل مع الموازنات منذ جائحة “كوفيد-19.”
ولفتت إلى أنه عام 2019 لم تتمكن سوى 14 في المئة من برلمانات العالم من إقرار الموازنات في الوقت المحدد، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 23 في المئة عام 2023، وهو ما يعكس تراجعاً في أداء أحد أهم أدوار السلطة التشريعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المقابل، أشارت إلى تحسن نسبي في نشر بيانات الدين، إلا أن هذا التحسن لا يزال غير كافٍ، إذ أظهرت أحدث دراسة لـ”الشراكة الدولية للموازنة” شملت 125 دولة أن 47 في المئة منها لا تنشر معلومات أساسية توضح ما إذا كان الدين داخلياً أم خارجياً.
وأكدت أن توفر المعلومات وحده لا يكفي، بل يجب تقييم جودة هذه البيانات وتوقيتها، إلى جانب فاعلية أنظمة المساءلة، مشيرة إلى إطلاق برنامج تجريبي في 11 دولة لتقييم آليات المساءلة في إدارة الدين العام.
وكشفت أن 9 من أصل 11 دولة تمتلك أطراً قانونية تمنح البرلمانات صلاحيات الإشراف، لكن فقط خمس دول مارست هذا الدور فعلياً، بينما لم تتلقَّ سوى دولتين تقارير تنفيذية في الوقت المناسب.
وشددت على أن المشكلة لا تقتصر على القوانين، بل تمتد إلى ضعف التطبيق، مؤكدة أن المجتمع المدني يمكن أن يسهم في تعزيز المساءلة وسد الفجوات.
الأطر القانونية تحدد فاعلية الرقابة على الدين العام
وقال مساعد المستشار العام في الإدارة القانونية بصندوق النقد الدولي أليساندرو غولو، إن تقييم فاعلية نماذج الرقابة على الدين العام يتطلب تحليلاً دقيقاً للأطر القانونية والمؤسسية في كل دولة.
وأوضح أن القوانين تؤدي دوراً محورياً في تحديد توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين المؤسسات، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في كفاءة الرقابة.
وأشار إلى أن هدف صندوق النقد الدولي هو مساعدة الدول على تحقيق توازن بين كفاءة إدارة الدين والمساءلة، من خلال إشراك المشرّعين في جميع مراحل دورة الدين من دون التدخل في التفاصيل التنفيذية اليومية.
وأكد أهمية تعزيز التعاون بين السلطة التشريعية والجهات التنفيذية ومكاتب إدارة الدين، بما يدعم اتخاذ قرارات مالية رشيدة ويضمن إدارة فعالة ومستدامة للدين العام.



