عالمي

الروبية الهندية تحت النار… أزمة النفط تربك ثالث أكبر اقتصاد آسيوي

تواجه الهند ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع تصاعد تداعيات اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، إذ بدأت الحكومة في الترويج لإجراءات لترشيد استهلاك الوقود والطاقة، بالتزامن مع تقليص بعض الرحلات الجوية وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد الناجم عن التوترات المتفاقمة في غرب آسيا.

وتبرز حساسية الاقتصاد الهندي لهذه التطورات بسبب اعتماده الكبير على الاستيراد لتلبية حاجاته النفطية، إذ تستورد البلاد أكثر من 85 في المئة من استهلاكها من الخام، مما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية عبئاً مباشراً على فاتورة الواردات ويزيد الضغوط على العملة المحلية، التي فقدت أكثر من خمسة في المئة من قيمتها منذ اندلاع الأزمة في الشرق الأوسط.

على رغم نجاح نيودلهي حتى الآن في الحفاظ على تدفق واردات النفط وتشغيل المصافي بمعدلات مرتفعة، فإن تثبيت أسعار الوقود محلياً عند مستويات أقل من الزيادة العالمية خلق فجوة مالية تتحملها شركات التسويق الحكومية، مما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين حماية المستهلكين وتجنب اتساع الخسائر.

لا تزال أسعار النفط الخام أعلى بأكثر من 45 في المئة من مستوياتها قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، على رغم انخفاضها الطفيف في الأيام الأخيرة.

كلفة استيراد مرتفعة

وفي هذا السياق، أقر وزير البترول الهندي هارديب سينغ بوري، بأن شركات الطاقة تتحمل كلفة استيراد مرتفعة، بينما تواصل بيع المنتجات النهائية بأسعار منخفضة نسبياً، مشيراً إلى أن هذه السياسة تكبد القطاع خسائر يومية متزايدة.

ويرى محللون أن الحكومة تحاول تأجيل تمرير الزيادات إلى المستهلكين عبر خفض الضرائب، لكن هذا الحل يبقى موقتاً ويؤثر في الإيرادات العامة، فيما تبدو زيادة أسعار التجزئة أمراً شبه حتمي إذا استمرت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية.

ومن المتوقع أن تؤدي صدمة أسعار الطاقة إلى ارتفاع التضخم الأساسي وقد تؤثر في النمو الاقتصادي في ثالث أكبر اقتصاد في آسيا.

في مذكرة بحثية لـ”ستاندرد أند بورز غلوبال بلاتس”، قال كبير الاقتصاديين دارماكيرتي جوشي “بدأت الأخطار السلبية التي تهدد الاقتصاد بالظهور مع استمرار الصراع في غرب آسيا لأكثر من شهرين من دون حل. وستؤثر ضغوط كلفة المدخلات الناتجة من ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز سلباً في النمو. ولا تقتصر الصدمة على الطاقة وحسب، بل تمتد لتشمل كلفة الشحن والتأمين وسلاسل التوريد والأسمدة، مما قد يكون له تأثير متعدد الأبعاد في الاقتصاد”.

وتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 6.6 في المئة في السنة المالية 2026-2027 من 7.6 في المئة في السنة المالية السابقة، وقال “من المتوقع أن ينقل المنتجون الارتفاع الحاد في كلفة الطاقة والمدخلات الأخرى، فضلاً عن التجارة والنقل، إلى المستهلكين، مما سيرفع في الأرجح معدل التضخم الأساس. أدى الصراع في غرب آسيا إلى تعطيل سلاسل التوريد ورفع كلفة الشحن والتأمين الدوليين. وهذا، إلى جانب انخفاض قيمة الروبية، سيزيد من كلفة المدخلات المستوردة”.

احتياطات نفطية تكفي 60 يوماً

وفي محاولة لاحتواء الضغوط، أعلنت الحكومة امتلاك احتياطات نفطية تكفي نحو 60 يوماً، إضافة إلى احتياطات قوية من النقد الأجنبي تتجاوز 700 مليار دولار، إلا أنها دعت المواطنين إلى خفض استهلاك الوقود عبر تشجيع العمل عن بعد، والاجتماعات الافتراضية، والتوسع في استخدام الغاز الطبيعي والكهرباء.

ودعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى تبني أنماط استهلاك أكثر كفاءة، محذراً من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يفرض ضغوطاً متزايدة على احتياطات النقد الأجنبي.

اقتصادياً، تتزايد المخاوف من أن تتحول صدمة الطاقة إلى عامل يبطئ النمو ويرفع التضخم في ثالث أكبر اقتصاد آسيوي. وتشير تقديرات خبراء إلى أن ارتفاع كلفة النفط والشحن والتأمين، إلى جانب ضعف الروبية، سيرفعان أسعار المدخلات الصناعية ويضغطان على هوامش الربح في قطاعي التصنيع والخدمات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتوقع مؤسسات بحثية تباطؤ نمو الاقتصاد الهندي خلال السنة المالية المقبلة، مع ترجيحات بارتفاع التضخم الأساسي نتيجة انتقال زيادة كلفة الإنتاج والنقل إلى المستهلك النهائي.

تسريع عمليات الاستكشاف

وبدأت آثار الأزمة تظهر فعلياً في قطاعات عدة، إذ أعلنت الخطوط الجوية الهندية تقليص خدماتها على بعض الخطوط الدولية خلال الصيف بسبب القيود المفروضة على المجال الجوي وارتفاع أسعار وقود الطائرات.

وفي المقابل، تتزايد الدعوات داخل الأوساط الاقتصادية لتسريع خطط تعزيز الإنتاج المحلي من النفط والغاز وتقليل الاعتماد على الواردات، من خلال تسريع عمليات الاستكشاف وطرح مزايدات جديدة وتشجيع الاستثمار الخاص.

وذكرت “نومورا” في مذكرة بحثية صدرت في أبريل (نيسان) الماضي، أن الهند تواجه تحديات تتعلق بتقنين جانب العرض وضغط حاد على هوامش الربح في قطاع التصنيع. وأضافت “سيرتفع معدل التضخم الأساس في الهند نتيجةً لانخفاض هوامش الربح في قطاع التصنيع وبعض الخدمات، لكننا نتوقع أن يكون متوسطه قريباً من توقعات البنك المركزي”.

وتعكس هذه التطورات إدراكاً متنامياً في الهند بأن أمن الطاقة لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل تحول إلى قضية استراتيجية تمس استقرار النمو والعملة والقدرة التنافسية للاقتصاد بأكمله.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى