عالمي

طفرة التقسيط في مصر… نمو سريع ومخاوف من أزمة مالية

تتصاعد في مصر محادثات واسعة حول توسع نشاط التمويل الاستهلاكي غير المصرفي، بعد تحذيرات أطلقها رئيس البنك التجاري الدولي هشام عز العرب من أخطار “فقاعة تمويلية” قد تنشأ نتيجة النمو السريع في هذا القطاع. وحين يحذر رئيس أكبر بنك قطاع خاص في مصر من خطر تلك الفقاعة فإن التحذير يكتسب درجة عالية من الموثوقية، تفسر موجة الجدل الدائرة خلال الساعات الأخيرة حول ما إذا كان هذا التقييم في محله أم مبالغ به.

“فقاعة تمويلية” داخل السوق

المصرفي المخضرم ورئيس البنك التجاري الدولي (CIB)، هشام عز العرب، حذر من خطر التوسع السريع لشركات التمويل الاستهلاكي غير المصرفي وما قد يحمله من أخطار ائتمانية تهدد بخلق “فقاعة تمويلية” داخل السوق، في وقت يسجل خلاله القطاع معدلات نمو قياسية مدفوعة بالتوسع الكبير في خدمات التقسيط وخدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً”، وأعرب عز العرب عن شكوكه في وجود ممارسات غير منضبطة خلف هذا التوسع، وقال إن بعض شركات هذا القطاع البالغ تعدادها نحو 2500 شركة تمنح قروضاً من دون قواعد ائتمانية سليمة، واعتبر أن تنامي ظاهرة “البنوك الموازية” يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي في مصر.

هزة للاقتصاد بأكمله

وعبّر عن مخاوفه قائلاً “قلقي من أن الشرارة الصغيرة في قطاع التمويل غير المصرفي قد تهز الاقتصاد بأكمله… الوضع أشبه بما حدث في أزمة الساب برايم بالولايات المتحدة، إذ أدى انهيار بعض المؤسسات الصغيرة إلى أزمة عالمية”.

شكوك رئيس البنك التجاري الدولي حامت حول طريقة عمل بعض تلك الشركات ومدى التزامها بقواعد الاستعلام الائتماني وتقييم العملاء قبل الإقراض، مشيراً إلى أن بعضها لا يجري الاستعلام الكافي عن الجدارة الائتمانية للعملاء والتحقق من قدرتهم على السداد، وهو ما يرفع احتمالات التعثر مستقبلاً.

كم نسبة التعثر؟

لكن تلك المخاوف تصطدم ببيانات رسمية صادرة قبل أيام عن الهيئة العامة للرقابة المالية، المعنية بالرقابة على نشاط تلك الشركات، التي كشفت أن نسب التعثر سجلت أقل من ثلاثة في المئة فقط عام 2025.

ويضم القطاع المالي غير المصرفي نحو 2532 شركة وجهة خاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، تخدم ما يزيد على 64 مليون عميل.

وبنهاية العام الماضي، بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي، نحو 417 مليار جنيه (7.942 مليار دولار)، وتجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد.

ضوابط رقابية صارمة

ويرى رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إسلام عزام أن هذه التطورات الإيجابية تحققت على ضوء ممارسة الهيئة لدورها الرقابي بصورة صارمة، لضمان سلامة واستقرار هذا القطاع الحيوي والموازنة بين حقوق ومكتسبات المواطنين والمستثمرين، مما يعزز ثقة جميع الأطراف واستقرار السوق وتعميقها. ويؤكد رئيس الهيئة على إلزام جميع الشركات والجهات بمختلف الأنشطة المالية غير المصرفية بتطبيق المعايير الدولية “بازل 3” في حساب معيار كفاية رأس المال والرافعة المالية ومعايير السيولة ونسب التركز الفردي والقطاعي، بموجب قرار مجلس إدارة الهيئة رقم (137) لعام 2025.

الإفراط في الاقتراض الجائر

في المقابل، تباينت آراء ثلة من الاقتصاديين والمصرفيين حيال تلك المخاوف، فمنهم من اتفق معها محذراً من الإفراط في الاقتراض الجائر الذي قد يفضي إلى “غارمين وغارمات” ومن بينهم من يذهب إلى التقليل من تلك المخاوف معبراً عن اطمئنانه لرقابة الأجهزة المعنية على تلك الشركات، ممثلة في هيئة الرقابة المالية، مع دعوات للحذر من فخ الاقتراض الاستهلاكي.

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع محمد أنيس أكد لـ”اندبندنت عربية” أن المنافسة بين القطاع المصرفي والقطاع المالي غير المصرفي تعد أمراً طبيعياً وموجوداً في مختلف دول العالم، سواء في الخدمات المالية التقليدية أو الرقمية، مشيراً إلى أن هذا التنافس يسهم في تطوير السوق وتحسين جودة الخدمات المقدمة للعملاء، ولا يجب النظر إليه باعتباره صراعاً لإقصاء طرف على حساب آخر.

خطوة إيجابية… لكن

ورأى أنيس أن التوسع في الخدمات المالية غير المصرفية خطوة إيجابية تدعم الشمول المالي وتمنح الأفراد خيارات أوسع للوصول إلى الخدمات التمويلية والاستثمارية، ويشدد على أن منح الائتمان، مهما كان شكله أو الجهة المقدمة له، يجب أن يخضع لقواعد صارمة للجدارة الائتمانية، تشمل الاستعلام الائتماني الدقيق والتحقق من قدرة العميل على السداد، محذراً من أن أي تساهل في هذه المعايير قد يفتح الباب أمام أزمات مشابهة للأزمة المالية العالمية عام 2008، حين أدى منح قروض لغير القادرين على السداد إلى انهيارات واسعة. ولفت إلى أن الخلل لا يكمن في توسع شركات التمويل غير المصرفي بحد ذاته، إنما في مدى التزام بعضها بتطبيق قواعد الإقراض المنضبط، داعياً إلى تعميم المعايير الرقابية المعمول بها في القطاع المصرفي والخاضعة لإشراف البنك المركزي على شركات التمويل غير المصرفي، بما يضمن ضبط السوق ومنع تجاوزات قد تهدد الاستقرار المالي.

وفي الوقت ذاته، دعا عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع إلى عدم التضييق على توسع الخدمات المالية غير المصرفية، مؤكداً أنها تؤدي دوراً مهماً في تسهيل وصول المواطنين والمستثمرين الصغار إلى الأدوات المالية المختلفة، وأن المنافسة بين البنوك والشركات غير المصرفية يجب أن تُترجم إلى تحسين الخدمة وزيادة كفاءة السوق، لا إلى محاولات للحد من توسع طرف على حساب آخر.

إعادة ضبط سوق التمويل الاستهلاكي

في حديثه إلى “اندبندنت عربية” قال المتخصص في التسويق الرقمي، أحمد ماهر، إن التمويل الاستهلاكي يمثل سلاحاً ذا حدين، إذ يسهم من ناحية في تنشيط الأسواق وتحريك القوة الشرائية خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى خطر حقيقي إذا تجاوز قدرة السوق والمستهلكين على الاستيعاب. ولفت ماهر إلى أن غياب الثقافة المالية لدى الأفراد وعدم قدرتهم على تنظيم أولويات الإنفاق وجدولة الالتزامات قد يؤديان إلى ما يُعرف بـ”الفقاعة التمويلية”، التي يلجأ فيها البعض إلى شراء حاجات تفوق إمكاناتهم بما يشبه بيع الدخول المستقبلية، ودعا إلى إعادة ضبط سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، عبر رقابة أكثر دقة على الشركات العاملة، إلى جانب تكثيف حملات التوعية المالية، بما يضمن تحقيق التوازن بين تحفيز الاقتصاد وحماية المستهلكين والحفاظ على استدامة السوق.

إخضاع المخاوف للدراسة

وليد حسونة الذي يترأس واحدة من شركات التمويل الاستهلاكي في مصر، خفف من وتيرة تلك المخاوف، إذ أكد التزام شركات التمويل الاستهلاكي المصرية بضوابط ائتمانية صارمة، ومن بينها ألا تتجاوز الأقسام نصف دخل العميل الشهري، ومع خضوع هذا القطاع إلى طبقة إضافية من الرقابة تتمثل في أن غالبية شركات القطاع المالي غير المصرفي مدرجة في البورصة المصرية أو تابعة لكيانات مقيدة، مما يعني أن مستويات الرقابة والحوكمة المفروضة عليه صارمة للغاية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن حسونة لم يمانع من التفاعل الإيجابي مع تلك المخاوف حيال توسع الإقراض الاستهلاكي، ودعا إلى إخضاع تلك المخاوف للدراسة، خصوصاً إذا ما تعلقت بمستقبل كبر قطاع مالي في مصر، وفتح حوار جدي في شأنها، خصوصاً مع اعتبار أن أي اضطراب في السوق قد يؤثر في القطاع المصرفي أحد أكبر ممولي تلك الشركات.

التعثر على القسط المتأخر؟

أما البرلماني والاقتصادي محمد فؤاد، فقال إن خضوع شركات النشاط للرقابة لا يعني بالضرورة أن كلها تتبع الضوابط السليمة في الإقراض ومعايير الجدارة الائتمانية بصورة سليمة، واعتبر أن نسبة التعثر ذات الثلاثة في المئة التي تحدث عنها تقرير هيئة الرقابة المالية قد تمثل عدداً أكبر من القروض، خصوصاً مع اختلاف طريقة حساب التعثر لدى شركات القطاع المالي غير المصرفي عن طريقة حسابه لدى البنوك. ولفت فؤاد إلى أن البنوك في القطاع المصرفي تحسب نسبة التعثر على إجمال القرض، بعكس القطاع المالي غير المصرفي الذي يعتمد في رصده نسبة التعثر على القسط المتأخر أكثر من القرض الإجمالي، نافياً أن تكون المخاوف التي عبر عنها رئيس البنك التجاري الدولي صراعاً على “كعكة الائتمان”.

تراجع معدل الادخار المحلي

وقال البرلماني والاقتصادي إن القطاع المصرفي ليس في منافسة مع القطاع المالي غير المصرفي، إذ إن قطاع التجزئة المصرفية لا يشكل سوى 14 في المئة من نشاط البنوك، مضيفاً “البنوك ليست في حاجة إلى تقسيط ثلاجة على سبيل المثال… قطاع التمويل الاستهلاكي يجب أن يستمر، لكن لا يجب في الوقت ذاته أن يتحول المواطن إلى غارم أو نتركه يُسجن من أجل خلاط كهربائي اقترض لشرائه”.

واستدل المتحدث على إحصاءات وزارة التخطيط التي تشير إلى تراجع معدل الادخار المحلي في مصر خلال السنة المالية 2024 – 2025، ليهبط إلى نحو 218 مليار جنيه (4.13 مليار دولار) بما يعادل 1.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع حوالى 848 ملياراً (16.05 مليار دولار) تمثل 6.1 في المئة في العام المالي قبل السابق، للتنبيه من خطر التوسع في الاقتراض الاستهلاكي مع تراجع القدرة الادخارية للمواطنين.

يعكس الجدل الدائر حول التمويل الاستهلاكي في مصر حال توازن دقيقة بين رغبة في تحفيز النمو وتنشيط الأسواق من جهة، ومخاوف متصاعدة من تراكم الأخطار الائتمانية من جهة أخرى. وبين تحذيرات من فقاعة محتملة تؤثر في الاستقرار المالي، وبيانات رسمية تؤكد محدودية التعثر وصرامة الرقابة، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة السوق على ضبط إيقاعه من دون إفراط أو تباطؤ.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى