د. عبد السميع بهبهاني لـ «عالم الاقتصاد»: الكويت تعزز إنتاج النفط وتبحث بدائل هرمز
شهدت شحنات النفط الكويتية عبر مضيق هرمز ارتفاعاً في وتيرة تدفقها، بما يعكس تحسناً في حركة الإمدادات عبر أحد أهم الممرات المائية لتجارة الطاقة العالمية، رغم استمرار المخاطر الأمنية المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية.
وفي حديث خاص لـ«عالم الاقتصاد»، قال الخبير في استراتيجيات النفط والطاقة د. عبد السميع بهبهاني، إن زيادة إنتاج النفط تكتسب أهمية كبيرة للكويت في ظل التحديات الراهنة.
وأوضح أن الجزء الأكبر من الزيادة الأخيرة جاء من الحقول القائمة، وبصفة خاصة حقول الشمال، مع إمكانية مساهمة المنطقة المقسومة وحقل الوفرة في دعم مستويات الإنتاج.
وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
صادرات الكويت النفطية تقترب من مليون برميل يومياً.. كيف تقيم هذا التطور؟
قال د. عبد السميع بهبهاني إن الجزء الأكبر من الزيادة في صادرات الكويت النفطية، التي بلغت نحو مليون برميل يومياً، يرجح أن يكون مصدره حقول الشمال، نظراً إلى جاهزيتها الإنتاجية.
وأضاف أن هناك حقولاً أخرى تحتاج إلى مزيد من البرمجة والتطوير قبل رفع إنتاجها، ومن بينها حقول النفط الثقيل والحقول الجوراسية المصاحبة للغاز، التي تتطلب فترة زمنية للوصول إلى مستويات إنتاج أعلى.
وأشار إلى احتمال وجود مساهمة من المنطقة المقسومة، ولا سيما حقل الوفرة، في ظل التعاون القائم بين الكويت والسعودية.
وأوضح أن خطوط الأنابيب السعودية يمكن الاستفادة منها في نقل الإنتاج، خاصة أن المنطقة المقسومة تدار مناصفة تقريباً بين البلدين.
ورغم ذلك، لم تصل الطاقة الإنتاجية لحقل الوفرة حتى الآن إلى كامل مستوياتها منخفضة التكلفة، إذ ظل إنتاجه لفترة طويلة دون هذه القدرة، عند مستويات تقترب من 70 ألف برميل يومياً.
وأكد بهبهاني أن زيادة الإنتاج النفطي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الكويتي. فرفع الطاقات الإنتاجية يمكن أن يدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، كما يخفف أعباء الموازنة العامة.
كذلك، تمنح زيادة الإنتاج الدولة مساحة أكبر لتمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية. كما يمكن أن تمثل مؤشراً على إمكانية تقليص الضغوط الواقعة على الموازنة السنوية.
وفي الوقت نفسه، يشكل المخزون النفطي ضمانة اقتصادية مهمة للكويت. ويظل مستوى الإنتاج أحد المؤشرات الرئيسية على قدرة الدولة على الاستفادة من احتياطياتها وتحويلها إلى موارد فعلية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن وجود عمليات مستقرة لتصدير الإنتاج يمثل عاملاً مهماً، خاصة مع قدرة الأسعار الفورية على تعويض جانب من نقص الإمدادات، وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على الإيرادات النفطية.
ومن جانب آخر، يرى بهبهاني أن مواكبة الكويت لحصص منظمة أوبك تعد مؤشراً مهماً على قدراتها الإنتاجية ومدى جاهزيتها لتنفيذ الزيادات التي تقررها المنظمة.وتتابع أوبك، في هذا الإطار، قدرة كل دولة على الالتزام بحصتها الإنتاجية.
كيف تقيم دور الكويت في نماذج التعاون الإقليمي والدولي مثل مجلس التعاون الخليجي وأوبك؟
قال بهبهاني إنه، بصفته متخصصاً في الطاقة والاقتصاد، يرى أن تكامل هذه المزايا لا يزال دون مستوى الضمان.
وأوضح أن الحديث عن زيادة الإنتاج يكتسب أهمية كبيرة في ظل التحديات التي تواجه الكويت.
وأشار كذلك إلى أن زيادة إنتاج أوبك بنحو 188 ألف برميل يومياً، خلال الفترة الممتدة من أغسطس إلى سبتمبر، تأتي ضمن جهود الحفاظ على توازن السوق وتجنب حدوث أي تباطؤ اقتصادي.
وأكد أن الكويت تمتلك في الوقت الراهن القدرة على زيادة إنتاجها، مدعومة بالاكتشافات الجديدة.
إلا أن تطوير هذه الاكتشافات يحتاج إلى بعض الوقت، قبل أن تنعكس بصورة كاملة على مستويات الإنتاج.
وفي المقابل، ساهم تحسن آليات النقل وتجاوز بعض العراقيل اللوجستية التي فرضتها التوترات والاضطرابات الأخيرة في دعم الزيادة الحالية في الإنتاج.
كما أن استمرار هذه الإمدادات يبعث برسالة إلى الأسواق العالمية مفادها أن النفط الكويتي لا يزال إمداداً موثوقاً، وقادراً على تلبية جانب من الطلب العالمي على النفط والمخزونات.
ماذا تعني زيادة إنتاج النفط للاقتصاد الكويتي والإيرادات العامة؟
أكد د. عبد السميع بهبهاني أن زيادة الإنتاج تحمل أهمية كبيرة لقطاعي الطاقة والاقتصاد في الكويت.
وأوضح أن كل مشروع بديل لمضيق هرمز يمكن النظر إليه باعتباره بمثابة بوليصة تأمين ضد خطر محتمل.
وأشار إلى أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بإمكانية تنفيذ البديل من الناحية الهندسية، وإنما بتكلفة هذه البوليصة مقارنة بحجم الخسارة المتوقعة.
وعلى مدى عقود، ارتبطت قوة الدول النفطية بحجم احتياطياتها وتكاليف إنتاجها. لكن التحولات الجيوسياسية المتسارعة أثبتت أن هذه المعادلة لم تعد كافية وحدها.
فالقيمة الاقتصادية للنفط والغاز أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة الدول على تأمين سلاسل الإمداد في مختلف الظروف.
ومن هذا المنطلق، تمتلك دول الخليج العربي مقومات يصعب منافستها. فهي تضم أكبر تجمع عالمي للثروات الهيدروكربونية، إلى جانب ملاءة مالية كبيرة وخبرات تشغيلية تراكمت على مدار سنوات.
كما يتميز موقعها الجغرافي بأهمية كبيرة، إذ يجعلها في قلب تجارة الطاقة العالمية.
ورغم نجاح دول المنطقة في التوسع باستكشاف المكامن الأكثر تعقيداً، فإن النقاش لم يعد مقتصراً على زيادة الإنتاج فقط.
بل أصبح يتجه كذلك إلى بناء منظومة متكاملة تشمل توسيع قدرات التخزين، والاستثمار في خطوط الأنابيب، وتطوير الممرات اللوجستية الآمنة لتصدير الإنتاج.
وأوضح بهبهاني أن التحدي الأساسي يتمثل في إيصال الإنتاج إلى الأسواق العالمية بكفاءة واستمرارية، مهما كانت طبيعة التحديات الجيوسياسية.
وبالتالي، فإن بحث بدائل تصدير النفط الكويتي بعيداً عن مضيق هرمز يجب أن يستند إلى منظور فني ولوجستي واقتصادي، بعيداً عن الاعتبارات العاطفية أو الطروحات التي لا تستند إلى الحقائق.
وتشمل الخيارات النظرية المطروحة الربط مع ينبع، وجيهان، والفجيرة، وسوميد، والموانئ الإيرانية، إلى جانب خيار النقل السككي لنقل النفط إلى منافذ أكثر أمناً.
غير أن هذه البدائل جميعها تصطدم بعامل السياسة قبل الهندسة. فقد شهد الشرق الأوسط إنشاء أكثر من 14 خط أنابيب رئيسياً، إلا أن معظمها توقف بسبب الحروب والخلافات السياسية.
وفي المقابل، نجحت السعودية والإمارات في إنشاء خطوط أنابيب داخلية عززت، نسبياً، أمن صادراتهما.
ومع ذلك، يظل أي مشروع عابر للحدود مرتبطاً بالتوافق السياسي، والجدوى الاقتصادية، واستدامة التشغيل.
ومن هنا، يبدو أن الربط بين الكويت وميناء ينبع يمثل أحد أكثر الخيارات الواقعية للنقاش، رغم أنه يتطلب أيضاً ترتيبات استراتيجية واستثمارات كبيرة.
ماذا تعني زيادة إنتاج النفط للاقتصاد الكويتي والإيرادات العامة؟
أوضح بهبهاني أن الحقول النفطية في الكويت تحتاج إلى برامج تطوير وتشغيل تدريجية.
وبالتالي، فإن ارتفاع الإنتاج يعطي مؤشراً على وجود توجه نحو تطوير هذه الحقول وتحريك طاقاتها الإنتاجية، وليس إيقافها أو تأجيل الاستفادة منها.
ويمثل الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 4 ملايين برميل يومياً عاملاً مهماً في تعزيز جاذبية الكويت النفطية والاستثمارية.
كما يعكس هذا المستهدف طموحاً استراتيجياً في قطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، يرى بهبهاني أن التطورات الحالية تمثل مؤشراً إيجابياً على إمكانية الوصول إلى مستهدف رفع الطاقة الإنتاجية للكويت إلى 4 ملايين برميل يومياً في التوقيت المناسب.
ويظل ذلك مرتبطاً بخطط تطوير الحقول وقدرة الكويت على تنفيذ البرامج الإنتاجية الخاصة بها.
هل تواجه أسعار النفط ضغوطاً قد تدفعها للانخفاض على المدى المتوسط؟
قال د. عبد السميع بهبهاني إن فرص ارتفاع أسعار النفط على المدى المتوسط لا تزال، من وجهة نظره، أكبر من فرص تراجعها.
ومع ذلك، أكد أن السوق ليست بمنأى عن ضغوط يمكن أن تدفع الأسعار إلى الانخفاض.
ويأتي في مقدمة هذه الضغوط ارتفاع صادرات النفط الخام من عدد من المنتجين الرئيسيين، ومن بينهم روسيا وإيران والعراق والإمارات.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة المعروض، إذا لم يقابله نمو مماثل في الطلب العالمي.
كذلك، فإن احتدام المنافسة على الحصص السوقية، من خلال تقديم خصومات سعرية متزايدة، يمكن أن يضغط على الأسعار ويؤثر في معايير تسعير الخامات العالمية.
ويضاف إلى ذلك استمرار تباطؤ الاقتصاد العالمي، وما يترتب عليه من ضعف في نمو الطلب على الطاقة.
أما العامل الأكثر حساسية، بحسب بهبهاني، فيتمثل في أي تراجع في تماسك تحالف أوبك+.
ففقدان التنسيق بين كبار المنتجين قد يعيد السوق إلى مرحلة فائض المعروض والمنافسة غير المنضبطة.
كما لا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي، إذ لا تنظر بعض القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بارتياح إلى قدرة أوبك على إدارة السوق والتأثير في مستويات الأسعار من خلال موازنة العرض والطلب.
كيف يمكن أن تتعامل أوبك+ مع ارتفاع أسعار النفط واضطرابات الإمدادات؟
أوضح بهبهاني أنه لا يمكن تقييم قرارات أوبك+ بمعزل عن البيئة الاستثنائية التي تمر بها سوق النفط العالمية.
ويرى أن القرار لم يكن مجرد استجابة لمعادلات العرض والطلب، بل جاء نتيجة موازنة معقدة بين اعتبارات فنية وتجارية وجيوسياسية.
فمن ناحية، يتزايد الطلب الأوروبي على النفط. وفي المقابل، يشهد الطلب الآسيوي، وهو السوق التقليدي لنفوط الخليج، تباطؤاً ملحوظاً.
ومن ناحية أخرى، تواجه سوق النفط مجموعة من الضغوط، أبرزها تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو عامل يؤثر بصورة مباشرة في الطلب العالمي.
كما تشمل الضغوط ارتفاع قيمة الدولار، واستمرار بعض الاستثناءات من سقوف الإنتاج، وارتفاع المخزونات العائمة، إلى جانب الزيادة الكبيرة في صادرات الخام من الخليج وروسيا وإيران.
وفي المقابل، تدرك أوبك+ أن استمرار تقييد الإنتاج ينطوي على مخاطر أخرى.
ومن بين هذه المخاطر فقدان الحصص السوقية، وتضرر بعض الأعضاء الذين لا يستطيعون تعويض انخفاض صادراتهم، فضلاً عن احتمال تأثر تماسك المنظمة.
ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه اقتصادات العديد من الدول الأعضاء على إيرادات النفط لتمويل مشروعات تنموية ضخمة.
وبحسب بهبهاني، فإن قرار زيادة الإنتاج يمثل محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على وحدة التحالف وحماية الحصة السوقية.
كما يأتي مع الاستعداد لاحتمال تشدد السوق في مرحلة لاحقة، نتيجة نمو الطلب، أو تراجع الاستثمارات، أو تعويض نقص إمدادات الغاز بالنفط.
وأشار إلى أن زيادة الإنتاج المقررة ليست بالضرورة زيادة فعلية كاملة في المعروض، لأن بعض الدول لا تمتلك طاقة إنتاجية فائضة.
وفي الوقت نفسه، هناك دول أخرى سبق أن تجاوزت حصصها، أو ستستعيد فقط جزءاً من التخفيضات الطوعية.
ومن هذا المنطلق، يرى أن مراجعة القرار في اجتماع أغسطس المقبل تبدو خطوة طبيعية، بل قد تسبق تنفيذ الزيادة نفسها إذا طرأت متغيرات جوهرية على السوق.
إلى أي مستوى يمكن أن تتراجع أسعار النفط مع تخزين الناقلات للشحنات؟
قال د. عبد السميع بهبهاني إن الخطر الحقيقي على أسعار النفط لا يتمثل في ضعف الطلب، وإنما في سباق المنتجين على الحصص السوقية.
وأضاف أنه يصعب الحديث عن تراجع حاد في أسعار النفط خلال الفترة المقبلة.
وبناءً على هذه الفرضيات، يقدر متوسط سعر خام برنت عند نحو 76 دولاراً للبرميل خلال عام 2026، مع استمرار وفرة المعروض.
ومن المتوقع، وفق تقديره، أن يرتفع متوسط السعر إلى نحو 80 دولاراً في عام 2027، إذا بدأت السوق تواجه عجزاً تدريجياً.
بعد ذلك، قد يعود السعر إلى حدود 70 دولاراً في عام 2028، مع توسع التخزين التجاري والاستراتيجي وعودة فائض المعروض.
تقلبات حادة في أسعار النفط وسط ارتفاع مستويات عدم اليقين
تشهد أسعار النفط تحركات حادة في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين بشأن اتجاهات السوق.
فقد صعد سعر البرميل إلى نحو 109 دولارات، قبل أن يتراجع إلى 100 دولار، ثم أنهى الأسبوع عند مستويات تقترب من 103 دولارات.
وفي الوقت نفسه، سجلت العقود الآجلة للنفط لشهر أكتوبر ارتفاعاً ملحوظاً.
ويتوافق ذلك مع ما أشار إليه «جي بي مورغان» بشأن زيادة المراهنات على تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار، بنسبة تتراوح بين 16% و17% مقارنة بالأسبوع السابق.
وتعكس هذه التحركات حالة من عدم التفاؤل وارتفاع درجة عدم اليقين بشأن المسار المقبل للسوق.
كما يظهر ذلك بوضوح في حركة ناقلات النفط.
ولا تزال نحو 60% من طاقة النقل متأثرة، بينما ارتفعت نسبة ناقلات الظل من نحو 20% إلى 25%.
ويمثل ذلك مؤشراً إضافياً على ارتفاع المخاطر والتكاليف التي يتحملها ملاك الناقلات وشركات النقل.
وتزامنت هذه التطورات مع تعرض أكبر مصدرين للنفط، المملكة العربية السعودية وروسيا، لاضطرابات.
ويضيف ذلك مؤشراً آخر إلى حالة عدم اليقين المحيطة بتطورات سوق النفط خلال الفترة المقبلة.
وبناءً على هذه المعطيات، أصبح مستوى 100 دولار للبرميل نقطة رئيسية في رهانات السوق وتوقعات المتعاملين.



