أثرياء فرنسا ومؤسساتها تحت مجهر واضعي الضرائب من جديد

يتصدر النقاش حول فرض ضرائب على الأكثر ثراءً واجهة الأحداث مع انطلاق الموسم السياسي الجديد في فرنسا، إذ يطرح هذا الإجراء كحل لتقليص العجز وتجنب خطة لخفض الإنفاق العام.
ويعد تمديد العمل بالضريبة الاستثنائية على أرباح الشركات الكبرى أحد الخيارات التي تدرسها وزارة الاقتصاد والمالية في إطار موازنة عام 2027، وتستهدف هذه الضريبة الإضافية 300 شركة يبلغ حجم أعمالها 1.5 مليار يورو (1.74 مليار دولار) في الأقل.
وأشار مصدر مقرب من الحكومة إلى ذلك قائلاً “لا شك تقريباً في الإبقاء على الضريبة الإضافية على الشركات بالمعدل الكامل، كما هي الحال هذا العام”.
ولم تنف وزارة المالية ذلك، إذ أشارت إلى أن “هناك مسارات عدة قيد الدراسة في إطار الموازنة، لكن لم يتخذ قرار نهائي في شأن أي منها بعد”.
8.4 مليار دولار ايرادات إضافية
وأقرت هذه “الضريبة الإضافية” لمدة عام واحد ضمن موازنة عام 2025، ثم مدد العمل بها ليشمل عام 2026. وهي تطاول نحو 300 شركة يبلغ حجم أعمالها 1.5 مليار يورو (1.74 مليار دولار) في الأقل.
ومن المتوقع أن تدر هذه التدابير إيرادات بقيمة 7.3 مليار يورو (8.4 مليار دولار) خلال العام الحالي.
ويشير المعارضون إلى أن هذا الإجراء يرفع معدل الضريبة على الشركات من 25 في المئة إلى 30.15 في المئة بالنسبة إلى الشركات التي يراوح حجم أعمالها ما بين 1.5 مليار يورو (1.74 مليار دولار) و3 مليارات يورو (3.48 مليار دولار)، بينما تصل النسبة إلى 41.2 في المئة للشركات التي يتجاوز حجم أعمالها 3 مليارات يورو (3.48 مليار دولار).
وكان رئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسيين باتريك مارتان يتوقع هذا التمديد منذ الـ22 من يونيو (حزيران) 2026، إذ كان قد ناقش الأمر خلال مأدبة غداء مع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو.
وقد أعرب حينها عن أسفه قائلاً “إنها إحدى المسائل التي تطرقنا إليها، معبرين عن استيائنا لعدم وفاء الدولة بوعودها”.
في المقابل، دعا وزير الاقتصاد السابق برونو لومار إلى التصدي لتدهور وضع الحسابات العمومية مضيفاً “لم أكن يوماً اشتراكياً ولا أنوي أن أصبح كذلك، لكنني أرى أنه من المهم للغاية مطالبة أصحاب الثروات الضخمة بالمساهمة”.
وبالنسبة إلى وزير الاقتصاد السابق (2017-2024) فإن الإيرادات التي ستجمع بهذه الطريقة يمكن أن تمول “خدمات طوارئ جديدة في المستشفيات” أو تسهم في تجديد المؤسسات التعليمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقبيل أسابيع من تصويت البرلمان على الموازنة رأى لومير أن الجهود المشتركة من شأنها أن تعطي “انطباعاً بأن الأمة بأسرها قد أدركت خطورة المرحلة الراهنة”، وانتقد في الوقت ذاته حجم الأعباء المالية التي يتحملها دافعو الضرائب ويقول “تدفع الطبقات الوسطى رسوماً باهظة ولا بد من تحقيق العدالة لكل من يكدون ويعملون، ولمن لم يعودوا قادرين على الاحتمال”.
وتعيد هذه التصريحات إحياء الجدل حول فرض ضرائب على الأكثر ثراءً، في وقت تشهد المؤشرات الاقتصادية الرئيسة للبلاد مثل الدين العام والبطالة ونسبة النمو الصفرية في الربع الثاني من العام تدهوراً، وتبدي فيه حكومة سيباستيان لوكورنو استعدادها للإبقاء على الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى لكبح عجز قياسي، إذ بلغ الدين العام 117.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية مارس (آذار) الماضي وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (حكومي).
ولم تتسرب سوى معلومات قليلة حول مشروع موازنة عام 2027، إذ ستقتصر زيادة نفقات الوزارات على 0.4 في المئة، وذلك باستثناء موازنة الدفاع وكلف خدمة الدين.
وكان رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو قد دعا، في أواخر يوليو (تموز) الماضي إلى “الاستقرار الضريبي”، أي “عدم رفع الضرائب أو استحداث ضرائب جديدة”.
وعلى رغم أن هذا الموقف يتماشى مع استمرار العمل بالضريبة الإضافية، فإن رئيس الوزراء لم يستبعد تعديل “بعض المزايا الضريبية”.
استياء رؤساء المؤسسات
وأعرب الرئيس السابق لاتحاد أرباب العمل الفرنسيين بيير غاتاز عن استيائه من برامج بعض الأحزاب السياسية استعداداً للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، معتبراً أن الفرنسيين يرزحون تحت وطأة ضرائب مفرطة، وتابع مستنكراً “إنه أمر مخزٍ يجب الحفاظ على التفاؤل”. ودعا أرباب العمل إلى عدم التخلي عن المعركة، وعلى رغم إقراره بأن “الوضع الاقتصادي كارثي”، حث الرئيس السابق لاتحاد أرباب العمل رواد الأعمال على “التشمير عن سواعدهم وشرح الحقيقة للفرنسيين”، وذلك في ظل تزايد حاد في حالات تعثر الشركات في فرنسا، وتدهور الوضع سواء من حيث حجم الإفلاس أو طبيعته.
ثم انتقد بيير غاتاز برامج كل من حزب “التجمع الوطني” و”فرنسا الأبية”، متهماً إياهما بالسعي لفرض ضرائب مفرطة، وقال “رؤيتهم تتمثل في فرض الضرائب باستمرار، لقد سئم الفرنسيون من كثرة الضرائب، فنحن البلد الأكثر فرضاً للضرائب في العالم”، وأضاف مستنكراً “هؤلاء لا يدركون ضرورة ترشيد النفقات، بالتالي لا يمكن معالجة مشكلة العجز بفرض ضرائب إضافية إنه أمر مشين”، واعتبر غاتاز حزب حركة “فرنسا الأبية” مرادفاً “للإفلاس، مصحوباً بالفوضى والعنف”. وقبل بضعة أيام، وجهت النائبة الأوروبية “مانون أوبري” رسالة حازمة وقوية قائلة “إذا أردنا الوضوح في مجتمع نسعى فيه لتصحيح المسار، فإن الأمر لا يقتصر على فرض ضرائب على الأغنياء فحسب، بل يتطلب حظر وجود المليارديرات”.
من جانبه، يسعى رئيس حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلونشون إلى إعادة العمل بضريبة الثروة وتطبيق ما يعرف بـ”ضريبة زوكمان”، التي تفرض حداً أدنى للضريبة بنسبة اثنين المئة على الثروات التي تتجاوز قيمتها 100 مليون يورو (116 مليون دولار).
وفي عام 2022 بلغت نسبة الضرائب المباشرة التي تتحملها الأسر الفرنسية 18.5 في المئة من إجمال الدخل المتاح، في حين تصل هذه النسبة إلى 42.1 في المئة بالنسبة للشريحة العشرية العليا، أي أغنى 10 في المئة من الفرنسيين وفق مؤسسة “إيفراب” المتخصصة في دراسة السياسات العامة.
وترتفع هذه الأرقام لتصل إلى 54.2 في المئة بالنسبة إلى أغنى 10 في المئة من الفرنسيين عند إضافة اشتراكات العاملين لحسابهم الخاص والموظفين إلى الضرائب المباشرة وتصل إلى 66.8 في المئة عند إضافة الضرائب غير المباشرة.
وتبلغ نسبة الضرائب المباشرة 55.8 في المئة بالنسبة إلى الشريحة الأكثر ثراءً التي تمثل واحداً في المئة من السكان، بينما تنخفض النسبة بصورة طفيفة جداً لتصل إلى 55.2 في المئة بالنسبة للشريحة الأكثر ثراءً على الإطلاق التي تمثل 0.1 في المئة من السكان.



