خزائن الذهب السرية: أين تخبئ الدول ثرواتها وقت الأزمات؟

في خطوة تعكس تنامي أهمية الذهب كأداة للتحوط في أوقات الأزمات، نقل البنك المركزي الهولندي نحو 86 طناً من احتياطاته الذهبية من نيويورك وأوتاوا إلى لندن بين مارس (آذار) وأغسطس (آب) هذه السنة، مفضلاً العاصمة البريطانية على إبقاء الكميات في أميركا وكندا.
وتأتي الخطوة بهدف تعزيز جاهزية الذهب للاستخدام عند الحاجة وتنويع أماكن تخزينه في ظل التوترات الجيوسياسية، إلا أن المفارقة أن هولندا لم تقم بإعادة الذهب إلى أراضيها، بل نقلت جزءاً منه إلى بريطانيا. وبعد العملية، أصبحت لندن تحتفظ بنحو 32.1 في المئة من الاحتياط الهولندي، مقابل 18.5 في المئة لكل من نيويورك وأوتاوا، فيما بقي 30.8 في المئة داخل هولندا. فقيمة الذهب، بالنسبة إلى الدول، لا تكمن في كونه ثروة ثمينة فحسب، بل أيضاً في المكان الذي يوجد فيه، إذ قد يحدد موقعه مدى سرعة الوصول إليه واستخدامه عندما تقع الأزمة.
لماذا لا تحتفظ الدول بكل ذهبها في الداخل؟
لا تحتفظ الدول بكل الذهب في خزائنها الوطنية، فبالنسبة إلى البنوك المركزية، مكان الاحتفاظ بالذهب جزء من إدارة الاحتياط نفسه؛ إذ تتداخل فيه اعتبارات الأمان والسيولة وسهولة الوصول إلى الأسواق، فضلاً عن توزيع الأخطار جغرافياً. ويؤكد مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 هذا الاتجاه، إذ أظهر أن 57 في المئة من البنوك المركزية المشاركة تعد بنك إنجلترا موقع التخزين المفضل لديها، بينما قالت 49 في المئة إنها تحتفظ بجزء من ذهبها محلياً، وذكرت 10 في المئة أنها نوّعت مواقع التخزين في الخارج خلال العام الماضي.
وهكذا لا تختار الدول لندن أو نيويورك أو أوتاوا لمجرد أن خزائنها محصنة، وإنما لأن هذه المدن تجمع بين الأمان والبنية المالية والقدرة على تحويل الذهب إلى أصل قابل للتداول بسرعة.
أين يستقر ذهب العالم؟
تعود قصة لندن مع الذهب إلى أكثر من ثلاثة قرون؛ ففي عام 1697، وبعد تدفق الذهب من البرازيل، أنشأ بنك إنجلترا خزنة مخصصة للسبائك، قبل أن تعزز اكتشافات الذهب في كاليفورنيا وأستراليا وجنوب أفريقيا مكانة العاصمة البريطانية كمركز عالمي لتكرير الذهب وتداوله. وفي عام 1750 وضع البنك ما أصبح يعرف بقائمة “التسليم الجيد” Good Delivery، التي تحدد مواصفات السبائك المقبولة في السوق، وهي المعايير التي تطورت لاحقاً إلى النظام العالمي المعتمد في تجارة الذهب بالجملة.
واليوم، تضم خزائن بنك إنجلترا التسع، الممتدة تحت مبنى البنك في شارع ثريدنيدل، نحو 400 ألف سبيكة، ولا يمثل الذهب المملوك للخزانة البريطانية سوى نحو ستة في المئة منها، فيما تعود الغالبية إلى بنوك مركزية ومؤسسات أخرى؛ ويتيح وجودها هناك لمالكيها بيع الذهب أو إقراضه أو شراءه من داخل إحدى أكبر أسواق الذهب في العالم. والأهم أن البنك يحتفظ بالذهب على أساس “مخصصات”، أي إن العميل يحتفظ بملكية سبائك محددة فعلياً، وليس بمجرد حق في كمية مكافئة من الذهب، فيما ينشر البنك إجمالي الكميات التي يحتفظ بها شهرياً، من دون الكشف عن هوية كل دولة أو كمية تخص كل عميل.
وعبر الأطلسي، توجد خزنة أخرى لا تقل إثارة في قلب مانهاتن، أسفل مبنى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بنحو 24 متراً، حيث كانت تضم في 2024 نحو 507 آلاف سبيكة تزن 6.331 طناً، معظمها مملوك لبنوك مركزية وحكومات ومؤسسات دولية، وليس للحكومة الأميركية؛ وتستند الخزنة إلى صخر جزيرة مانهاتن الذي يتحمل هذا الوزن الهائل. ولا تتحرك السبائك بالضرورة كلما تغيرت ملكيتها، إذ يمكن نقل ملكية الذهب المسجل في الحسابات بين العملاء من دون إخراجه من الخزنة، بينما تُفحص السبائك عند إيداعها وتُسجل أوزانها ودرجة نقائها، ويُعاد إلى صاحبها عند السحب الذهب نفسه الذي أودعه، لا كمية مكافئة من سبائك أخرى.
أما فورت نوكس، التي أصبحت اسماً مرادفاً للثروة المحصنة، فتختلف في طبيعتها؛ فقد وصل إليها أول ذهب عام 1937، وهي مخصصة لاحتياطات الحكومة الأميركية، وتضم حالياً نحو 147.3 مليون أوقية تروي، أي قرابة نصف الذهب المخزن لدى وزارة الخزانة الأميركية، لكن الذهب الأميركي لا يتركز كله هناك، إذ توجد احتياطات أيضاً في ويست بوينت ودنفر ومواقع أخرى. وتقول دار السك الأميركية إن هيكل المنشأة ومحتوياتها الفعلية لا يعرف تفاصيلها سوى عدد قليل من الأشخاص، وإن إزالة الذهب منها اقتصرت منذ سنوات طويلة على عينات صغيرة لاختبار نقائه ضمن عمليات التدقيق.
وإذا كانت لندن ونيويورك تمثلان الوجه التجاري والمالي لتخزين الذهب، فإن أوتاوا تقدم أحد أبرز الأمثلة التاريخية على الجانب الجيوسياسي للمسألة؛ فخلال الحرب العالمية الثانية، أودعت البنوك المركزية الأجنبية في بنك كندا 2.586 طناً من الذهب بين عامي 1938 و1945، بعدما أصبحت كندا ملاذاً آمناً لاحتياطات دول أوروبية مهددة بالاحتلال، من بينها بلجيكا وهولندا وفرنسا والنرويج وبولندا، فيما خطط بنك إنجلترا عام 1940 لإنشاء “بنك إنجلترا ظل” في أوتاوا يستطيع الوصول إلى الذهب البريطاني المخزن هناك. وهكذا تكشف هذه الخزائن الأربع عن أدوار مختلفة للذهب: لندن للتداول والسيولة، نيويورك للحفظ والارتباط بالنظام المالي الأميركي، فورت نوكس لحماية احتياطي الدولة، وأوتاوا التي أثبت تاريخها أن نقل الذهب بعيداً من ساحة الخطر قد يكون في حد ذاته جزءاً من استراتيجية البقاء المالي.
ليست كل الخزائن متشابهة
لا تتخذ خزائن الذهب شكلاً واحداً، فطبيعتها ترتبط أولاً بملكية المعدن وطريقة استخدامه. هناك خزائن حكومية مخصصة لاحتياطات الدولة، مثل فورت نوكس في الولايات المتحدة، ومنشآت حفظ تابعة لبنوك مركزية تستقبل ذهب جهات أخرى إلى جانب احتياطاتها، كما في لندن ونيويورك، فضلاً عن خزائن تجارية تديرها مؤسسات مالية وشركات متخصصة في حفظ المعادن الثمينة.
لكن الفارق الأهم لا يتعلق بمكان الخزنة بقدر ما يتعلق بالحق القانوني في الذهب؛ ففي نظام الحسابات المخصصة، تكون سبائك محددة، بأرقامها وأوزانها ودرجة نقائها، مملوكة مباشرة للعميل وتحتفظ بها المؤسسة بصفة أمين حفظ، بينما تمنح الحسابات غير المخصصة صاحبها حقاً تعاقدياً في كمية معينة من الذهب من دون تخصيص سبائك بعينها له. ووفق جمعية سوق السبائك في لندن، فإن أكثر من 90 في المئة من معاملات المعادن الثمينة في سوق التعاملات بين البنوك والسوق خارج البورصة كانت تُسوّى عبر الحسابات غير المخصصة، لأنها أسرع وأبسط وأقل كلفة، في حين توفر الحسابات المخصصة ملكية مباشرة للمعدن المادي.
وبالنسبة إلى البنوك المركزية، تشير نتائج مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 إلى أن 76 في المئة من المؤسسات المشاركة تدير الذهب بصورة منفصلة عن بقية احتياطياتها، فيما تظل سبائك “التسليم الجيد” المعتمدة في سوق لندن الخيار المفضل عند شراء الذهب المادي وحفظه. لذلك يمكن لدولة أن تملك سبائك محددة موجودة فعلياً في خزنة أجنبية، أو أن تمتلك حقاً في كمية من الذهب من دون أن تكون لها سبائك بعينها، أو أن تحتفظ بالذهب في خزنتها الوطنية؛ ثلاثة ترتيبات تبدو متشابهة من الخارج، لكنها تختلف جذرياً في طبيعة الملكية والسيولة والأخطار.
ما كلفة “إقامة” الذهب في هذه الملاجئ؟
لا تخضع كلفة إبقاء الذهب في هذه الملاجئ لتعرفة موحدة، بل تختلف بحسب طبيعة الحيازة والخدمات المطلوبة. ففي الذهب المخصص، قد تشمل الفاتورة الحفظ والحراسة والمناولة والفحص والتدقيق والتأمين، بينما تكون الحسابات غير المخصصة أقرب إلى رسوم إدارة حساب؛ وتوضح جمعية سوق السبائك في لندن أن الرسوم قد تُحتسب وفقاً لعدد السبائك أو كنسبة سنوية من قيمة الذهب، مع اختلافها من مؤسسة إلى أخرى.
ولهذا قد يكون تحريك الذهب مادياً هو الخيار الأقل كفاءة أحياناً؛ ففي عملية إعادة توزيع احتياطاته، باعت هولندا نحو 59 طناً في نيويورك واشترت الكمية المقابلة في لندن بدلاً من نقل السبائك نفسها، بينما نُقل أكثر من 27 طناً فعلياً إلى هولندا ثم كمية مماثلة إلى لندن، مما جنبها الحاجة إلى إعادة صهر السبائك، وفق البنك المركزي الهولندي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكشف هذه العملية أن كلفة نقل الذهب لا تعني أجور الشحن وحدها، بل تشمل أيضاً التأمين والتعامل والفحص وإعادة اعتماد السبائك وفق معايير السوق، ولذلك يمكن أن يكون تغيير مكان الملكية أو شراء ذهب مطابق للمواصفات في الوجهة أرخص وأسرع من نقل المعدن نفسه. وفي الأسواق المتخصصة، يمكن كذلك نقل ملكية الذهب المخصص بين حسابات الحفظ من دون تحريك السبائك فعلياً؛ وهو ما يتيح التعامل في المعدن بسرعة مع بقاء السبائك في الخزنة.
حين يصبح مكان الذهب جزءاً من أمنه
اختيار لندن بالنسبة إلى هولندا لا يتعلق بالموقع الجغرافي وحده، بل بوجود الذهب داخل قلب السوق العالمية التي يمكن تحويله فيها إلى سيولة بسرعة؛ فجمعية سوق السبائك في بريطانيا تصف سوق لندن للذهب بأنه أقدم وأكبر سوق مالية للذهب في العالم. وفي المقابل، لا يبدو أن الاتجاه العالمي يسير نحو جمع الذهب في خزنة واحدة؛ فمسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026، الذي شمل 76 بنكاً مركزياً، أظهر أن 57 في المئة من المشاركين يفضلون بنك إنجلترا موقعاً لحفظ الذهب، بينما قال 49 في المئة إن لديهم ذهباً مخزناً محلياً، وذكر 10 في المئة أنهم نوّعوا مواقع التخزين في الخارج خلال العام السابق.
وتكشف بيانات بعض الدول حجم هذا التنويع بوضوح: فألمانيا، التي تمتلك نحو 3.350 طناً من الذهب، تحتفظ بـ 1.710 أطنان في فرانكفورت، و1.236 طناً في نيويورك، و404 أطنان في لندن، وفق بيانات البنك المركزي الألماني لنهاية 2025.
وفي اتجاه معاكس، بدأت بعض الدول بإعادة جزء من احتياطاتها إلى الداخل مع تصاعد المخاوف بشأن العقوبات وإمكانية الوصول إلى الأصول الأجنبية؛ إذ خلصت دراسة لصندوق النقد الدولي إلى أن فرض العقوبات المالية ارتبط تاريخياً بزيادة حصة الذهب في احتياطات البنوك المركزية، باعتباره أصلاً لا يحمل أخطاراً ائتمانية ويمكن تخزينه داخل الدولة بعيداً من خطر التجميد. وفي الوقت نفسه، يشير مسح 2026 إلى أن 10 في المئة من البنوك المركزية نوّعت مواقع تخزينها الخارجية خلال عام واحد، في مقابل 9 في المئة زادت التخزين المحلي، بما يعكس أن المسألة ليست سباقاً لإعادة الذهب إلى الوطن بقدر ما هي إعادة توزيع للأخطار.
لذلك تبدو حالة هولندا أقل تناقضاً مما قد توحي به للوهلة الأولى: فبينما تستعيد بعض الدول ذهبها من الخارج، تنقل أمستردام جزءاً من احتياطاتها من أميركا وكندا إلى بريطانيا، لكن أمان الذهب وحده لم يعد العامل الأهم بالنسبة لها بل أين يمكن أن يكون آمناً وقابلاً للاستخدام في الوقت ذاته؟
هل الذهب في الخارج آمن فعلياً؟
لا يتوقف أمان الذهب عند سماكة أبواب الخزائن أو عمقها تحت الأرض؛ فهناك أمان آخر، سياسي وقانوني، يتعلق بمن يملك حق الوصول إلى الذهب إذا تغيرت العلاقات بين الدول، أو اندلعت حرب، أو فُرضت عقوبات، أو أصبح الطريق إلى الخزنة نفسها محفوفاً بالأخطار. ولهذا أصبح موقع الاحتياط جزءاً من إدارة الأخطار السيادية، تماماً مثل حجمه وقيمته.
وفي النهاية، لا يختار الذهب مكانه عشوائياً؛ فالدولة تريد أن تعرف أين يكون محمياً، وقابلاً للتداول، وقريباً بما يكفي للوصول إليه عند الحاجة، من دون أن يتحول موقعه إلى نقطة ضعف. هكذا تبدو خزائن لندن ونيويورك وأوتاوا وفورت نوكس أقل شبهاً بمخازن ضخمة للسبائك وأكثر شبهاً بمحطات على خريطة الثروة والنفوذ العالميين.
أما بالنسبة لك عزيزي القارئ الذي تتابع كل هذه الحكاية، فسؤالي لك أكثر تواضعاً: لو كنت تستطيع اقتناء الذهب أصلاً، فأين ستخبئه؟ في صندوق مقفول؟ عند صديق لك؟ أم تحت سريرك؟ أعتقد أن المشكلة، في زمن الغلاء وأزمة كلف المعيشة التي تثقل كاهل أجزاء واسعة من العالم، ليست أين نخفي الذهب، بل كيف نجد ثمن بضعة غرامات منه في الأساس!



