أسرة التحرير

عبدالسميع بهبهاني يكتب: أمن الطاقة بين تحديات النفط ومستقبل البدائل

أعادت الحرب مع إيران النقاش العالمي حول مستقبل الطاقة، بعدما نشرت صحف ومؤسسات دولية تقارير تربط اضطرابات أسواق النفط والغاز بتسارع الطلب على ما يُسمى «الطاقة النظيفة». فقد كشفت أزمة مضيق هرمز، وما رافقها من مخاطر الإمدادات وتقلبات الأسعار، هشاشة الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري، ودَفعت حكومات وشركات ومستثمرين إلى «اعتبار» التوسع في الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات والمركبات الكهربائية، باعتبارها أقل تعرضاً للمخاطر الجيوسياسية.

وهنا برز أمن الطاقة مجدداً كأولوية لا تقل عن سياسات المناخ. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده: هل نحن أمام تحول اقتصادي تفرضه كفاءة هذه البدائل وأمن الإمدادات، أم أمام إعادة صياغة سياسية جديدة لخطاب الطاقة، تستغل الأزمات الجيوسياسية لتسريع توجه عالمي نحو بدائل لم تُحسم بعد جدواها الاقتصادية وقدرتها على تلبية الطلب العالمي؟

تغيّرت أهداف مشاريع الطاقة المتجددة، بينما بقيت مسبباتها تتبدل مع كل مرحلة. فمنذ مؤتمر كيوتو عام 1997، الذي كان أول محطة رئيسية في ترجمة سياسات خفض الانبعاثات إلى التزامات دولية، كان التلوث الكربوني الناجم عن النفط والغاز والفحم هو المبرر الأساسي، ثم انتقل الخطاب إلى ارتفاع حرارة الأرض والانبعاثات، قبل أن يتحول إلى مخاوف نقص إمدادات النفط، ثم إلى الاستثمار في أرصدة الكربون، وصولاً اليوم إلى أمن الطاقة.

وتكتسب هذه التحولات أهمية عند النظر إلى أرقام الحرارة العالمية؛ فقد ارتفع المتوسط من 13.975°م في القرن التاسع عشر، إلى 15.555°م عام 2023، رغم التوسع الهائل في مشاريع الطاقة المتجددة التي بلغت استثماراتها نحو 1.7 تريليون دولار عام 2023.

إعلان

وهنا يبرز السؤال: هل تغيرت الأهداف، أم تغيرت مبرراتها السياسية؟ تكشف الحرب أيضاً أن بعض التقارير تتعامل مع استقرار الطاقة المتجددة وكأنه حقيقة محسومة ، بينما الواقع أكثر تعقيداً. فقد سجل عام 2024 أعلى متوسط لدرجة الحرارة عالمياً، متجاوزاً عتبة 1.5°م المرتبطة باتفاق باريس 2015، بالتزامن مع متناقضات بيئية كتسارع ارتفاع مستوى سطح البحر مدفوعاً بزيادة ذوبان الجليد، وتراجع مستويات بعض الأنهار إلى إرباك نقل الوقود والتبريد الصناعي وتوليد الكهرباء، فيما اضطرت آسيا إلى الفحم، وفي الولايات المتحدة وأوروبا الى المخزونات الاستراتيجية، بينما عادت شركات النفط إلى المشاريع التقليدية الأكثر ربحية بعد تراجع رهاناتها على الاستثمار منخفض الكربون.

ولتكتشف حقيقة أن الحرب قد تستهدف النفط والغاز أو الكهرباء، والطقس قد يعطل الشمس والرياح، كما أن كليهما يخضع لعوامل يصعب التنبؤ بها وإدارتها بالكامل. إن ارتفاع حرارة الأرض والتغير المناخي ظاهرة علمية أفسدتها السياسة عندما تحولت من مجال البحث والنقاش إلى خطاب سياسي ذي اتجاه واحد.

وقد كتبت في «الجريدة» عدة مقالات حول ما أراه مبالغات في بعض الطروحات المناخية. ورغم إنفاق أكثر من عشرة تريليونات دولار على أبحاث ومشاريع الطاقة البديلة، فإنها لم تُحدث حتى الآن تحولاً جوهرياً في هيمنة الطاقة الأحفورية على مزيج الطاقة العالمي، بينما لا تزال الاحتياطيات الأحفورية المكتشفة والاستكشافات الجديدة ضخمة. والأكثر إثارة للنقاش أن انبعاثات الكربون انخفضت بنحو 7%، أي قرابة 2.4 مليار طن، خلال جائحة كورونا عام 2020، عندما تعطّل جزء كبير من الصناعة والنقل العالمي، ومع ذلك استمر مسار الاحترار، بارتفاع (c°1.16) مئوية.

وهذا يستحق دراسة أعمق للعلاقة بين الانبعاثات والحرارة، بعيداً عن التسييس. كما أن التوسع الهائل في الطاقة المتجددة يواجه تحديات اقتصادية وبيئية، منها الأراضي والتنوع البيولوجي والانبعاثات الضخمة المصاحبة لاستخراج المعادن النادرة. لذلك، فإن الانتقال إلى نظام منخفض الانبعاثات يجب أن يستند إلى العلم والكلفة وأمن الطاقة معاً، لا إلى فرضية سياسية مسبقة.

ومن منظور جيولوجي وديناميكية دورة الكربون، لا يمكن اختزال العلاقة بين الحرارة وثاني أكسيد الكربون في اتجاه واحد. فالمحيطات تمثل أحد أكبر المصارف الطبيعية للكربون، وقد امتصت تاريخياً نسبة كبيرة من CO₂ الجوي، إلا أن قدرة مياه البحر على إذابة الغاز تتراجع مع ارتفاع حرارتها؛ فالمياه الباردة تمتص CO₂ بكفاءة أكبر، بينما يؤدي احترارها إلى انخفاض الذوبانية وزيادة قابلية انبعاث CO₂ من المحيط إلى الغلاف الجوي.

وتشير دراسات حديثة بالفعل إلى أن ارتفاع حرارة سطح البحار أضعف امتصاص المحيطات للكربون. فالمعادلة عكسية فارتفاع حرارة الأرض ليس بسبب ارتفاع انبعاثات الكربون، بل العكس هو الصحيح. لذلك فإن السؤال العلمي ليس فقط: هل يؤدي ارتفاع CO₂ إلى ارتفاع الحرارة؟ بل أيضاً: إلى أي مدى يؤدي ارتفاع حرارة المحيطات إلى تغيير دورة الكربون وإعادة CO₂ إلى الغلاف الجوي؟ إن تجاهل هذا الاتجاه العكسي في النقاش العام يبسّط دورة مناخية وجيولوجية شديدة التعقيد.

الحل لا يكون بإقصاء مصدر طاقة لحساب آخر، بل بتحرير القرار من التدخل السياسي وإعادته إلى العلم. فإذا كان التغير المناخي ظاهرة جيولوجية معقدة، فيجب توسيع البحث في مسبباتها ووسائل التعامل معها، بما في ذلك زيادة مساحات المياه الجوفية والسطحية، وتخضير الصحاري بالنباتات الملائمة، ورسم خرائط للبؤر الحرارية واستثمارها لمشاريع الطاقة الحرارية الجوفية.

كما ينبغي أن تتحول قوانين المناخ من استهداف مصدر بعينه إلى دعم أمن الطاقة وتنوعها، مع احتساب الأضرار البيئية المصاحبة لإنتاج الألواح والبطاريات والمعادن النادرة. ومن الضروري أيضاً دعم نشاطات المنبع الاستكشافية للنفط والغاز حيث تقتضيها الحاجة، وتقنين منع استخدام الطاقة في الحروب العدوانية، وإتاحة كل دولة اختيار التكنولوجيا الأنسب لظروفها الجغرافية والاقتصادية، فالشمس والهواء بتقدير يناسب فقط 40% من مساحة الأرض. فانبعاثات الكربون بأطواره وألوانه يمكن توازنه باختزاله لا بمنعه فقط! والطاقة قضية علمية واقتصادية وأمنية، وليست عقيدة سياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى