عالمي

حين تقدم لندن “هدية” لاستقطاب المستثمرين

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

هناك لحظة في كل سوق يتوقف فيها السعر عن الكلام، فيبدأ البائع بالكلام بدلاً منه، وفي سوق العقارات اللندني، يبدو أن هذه اللحظة وصلت بالفعل.

فحين لا يعود خفض السعر وحده كافياً لإقناع المشتري، تبدأ الحوافز في الظهور مثل رسوم قانونية مدفوعة وكلفة تمويل يتحملها المطور وسيارات كهربائية وإعفاءات من رسوم الخدمات، بل حتى رسوم مدارس خاصة.

وهكذا، تحولت بعض صفقات العقارات الجديدة في لندن من مجرد عملية بيع وشراء إلى حزمة متكاملة من الإغراءات، وكأن المطور لم يعُد يبيع شقة وحسب، بل يحاول أن يخفف عن المشتري كلفة اتخاذ قرار لم يعُد سهلاً كما كان في السابق.

إعلان

وفي شمال لندن، عرضت مجموعة “بيركلي”، إحدى أكبر شركات التطوير العقاري في بريطانيا، تغطية رسوم تعليم خاصة لمدة تصل إلى عامين للأسر التي تشتري من أحد مشاريعها، في حافز قد تصل قيمته إلى نحو 41.8 ألف جنيه إسترليني (56.9 ألف دولار).

وجاء ذلك في وقت تتوسع قائمة الامتيازات التي يقدمها المطورون، من المساهمة في أقساط الرهن العقاري إلى تحمل بعض الضرائب والرسوم وتقديم مزايا إضافية لجذب المشترين.

قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد تطور طبيعي في أدوات التسويق، فالشركات في كل الأسواق تقدم عروضاً لجذب العملاء.

لكن ما يحدث في لندن يتجاوز، على ما يبدو، فكرة الهدية الترويجية لأن الحوافز عادة ما تصبح أكثر سخاء عندما يصبح البيع أصعب، وعندما يدرك البائع أن السعر المعلن لم يعُد كافياً وحده لإقناع المشتري.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية، فلم تعد المشكلة مقتصرة على شريحة العقارات الفاخرة أو المشترين الأجانب، بل تمتد إلى جزء واسع من سوق الشقق، ولا سيما العقارات التي تعمل وفق نظام الملكية الإيجارية طويلة الأجل.

ووفق لبيانات حديثة بقي نحو 87 في المئة من الشقق المعروضة للبيع في إنجلترا وويلز خلال الربع الأخير من عام 2025 من دون مشترٍ بعد مرور ستة أشهر، وهي أعلى نسبة في خمس سنوات من البيانات المقارنة.

وكان أثر ذلك أكثر وضوحاً في لندن، حيث تشكل الشقق جزءاً أساساً من المعروض العقاري، ولا تكمن المشكلة في السعر وحده، فالمشتري الذي كان ينظر في السابق إلى قيمة العقار وإمكانات ارتفاعه مستقبلاً، أصبح اليوم ينظر إلى فاتورة كاملة من الكلفة.

وهناك سعر الفائدة ورسوم الخدمات السنوية وكلف الصيانة ورسوم الملكية والضرائب وأخطار التشريعات الجديدة، وفي لندن يبلغ متوسط رسوم الخدمات في بعض الشقق نحو 2500 جنيه استرليني سنوياً، قبل احتساب أية مصاريف أخرى مرتبطة بالعقار، مما يعني أن الهدية التي يحصل عليها المشتري عند توقيع العقد قد تبدو سخية في البداية، لكنها لا تلغي حقيقة أن كلفة امتلاك العقار أصبحت أكثر تعقيداً.

فالمشتري ربما يحصل على رسوم مدرسة أو سيارة أو مساهمة في التمويل، لكنه يبقى أمام التزام طويل الأجل في سوق تتغير فيها القواعد بسرعة.

وقال المستثمر والمحلل الاقتصادي في الشؤون العقارية في المملكة المتحدة محمد أحمد عجمي لـ”اندبندنت عربية” إن هناك “لحظة في كل سوق يتوقف فيها الرقم عن الكلام، فيبدأ البائع بالكلام بدلاً منه”، مضيفاً أن لندن العقارية تعيش هذه اللحظة تحديداً، إذ عندما يعجز السعر المعلن عن إقناع المشتري، يظهر المطور بابتسامة جديدة حاملاً هدية بدل تنازل، وكأن السوق تحولت فجأة من معاملة استثمارية باردة إلى صالة عرض تتنافس على استمالة الزبون.

وفي مدينة هوف، اكتفى أحد المطورين بتغطية رسوم الوسيط العقاري، وهي خطوة تبدو متواضعة مقارنة بالعروض التي بدأت تظهر في مشاريع أخرى. لكن انتقال الحوافز إلى مستوى دفع رسوم المدارس الخاصة يفتح سؤالاً مختلفاً، ماذا يعني أن تحتاج الشقة نفسها إلى كل هذه الإضافات كي تصبح قابلة للبيع؟، ربما يعني ذلك أن العقار لم يعُد يبيع نفسه.

والأكثر أهمية أن هذا التراجع يأتي في وقت تواجه لندن ضغوطاً في الطرف الآخر من المعادلة أيضاً، أي في جانب البناء والتطوير.

فالمطورون يشكون من ارتفاع الضرائب وكلف البناء وتعقيدات التخطيط والتنظيم، فيما تراجعت وتيرة بناء المساكن الجديدة بصورة حادة.

وحذر رئيس مجلس إدارة “بيركلي غروب” التنفيذي روب بيرينز من أن سوق بناء المنازل في لندن تواجه أزمة حقيقية، مع هبوط عدد المشاريع الجديدة إلى مستويات بعيدة جداً من حاجات العاصمة وأهداف الحكومة.

وهنا تكمن مفارقة لندن اليوم، مدينة تحتاج بشدة إلى مزيد من المساكن، لكنها في الوقت نفسه تجد صعوبة في بيع جزء من الشقق المعروضة بالفعل.

ليست المشكلة، إذاً، مجرد نقص في العقارات، بل فجوة ما بين ما تستطيع السوق بناءه وما يستطيع المشتري تحمله.

فجوة تزداد اتساعاً

وتزداد هذه الفجوة اتساعاً كلما اقتربنا من سوق العقارات الفاخرة، وهي السوق التي شكلت لعقود أحد أبرز رموز جاذبية لندن لرأس المال الدولي، إذ تعرضت المناطق الراقية في وسط العاصمة لضغوط إضافية بعد التغييرات الضريبية، ولا سيما إنهاء النظام الضريبي السابق للمقيمين غير الدائمين، فضلاً عن ارتفاع الرسوم المفروضة على بعض مشتريات العقارات.

وأظهرت بيانات حديثة انخفاض أسعار المساكن في أحياء لندن الداخلية بنسبة 8.3 في المئة خلال الـ12 شهراً حتى يونيو (حزيران) الماضي، فيما كانت التراجعات أشد في بعض المناطق الراقية.

وربطت السوق جزءاً من هذا التراجع بتغير البيئة الضريبية وتراجع الطلب على العقارات التي تتجاوز قيمتها ملايين الجنيهات.

وتلوح في الأفق رسوم إضافية على العقارات مرتفعة القيمة، إذ من المقرر، وفق الخطط الحكومية المعلنة، تطبيق رسم سنوي إضافي اعتباراً من عام 2028 على المنازل التي تبلغ قيمتها مليوني جنيه استرليني أو أكثر، مع ارتفاع الرسم وفق قيمة العقار.

ويرى عجمي أن الأمر لا يتعلق وحسب بحجم الضريبة، بل بما تفعله حال عدم اليقين في قرارات المستثمرين، فرأس المال لا يبحث دائماً عن أقل ضريبة، لكنه يبحث دائماً تقريباً عن وضوح القواعد. والمستثمر الذي يواجه سلسلة من التغييرات المحتملة في الضرائب، إضافة إلى ارتفاع كلفة التمويل وتباطؤ السوق، من المحتمل أن يقرر ببساطة تأجيل الشراء أو البحث عن وجهة أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول عجمي هنا يظهر السؤال الأكبر، إلى أين يذهب المستثمر عندما تبدأ لندن بفقدان قدرتها على الإقناع بمفردها؟

وتابع أن “الإجابة بدأت تتضح في اتجاه حركة رأس المال نفسه، ففي وقت تواجه سوق العقارات البريطانية ضغوطاً متزايدة، تستقطب أسواق أخرى اهتمام المستثمرين الذين كانوا يعتبرون لندن في السابق الخيار الطبيعي الأول، وأصبح من اللافت تنظيم فعاليات استثمارية في قلب العاصمة البريطانية نفسها للترويج لفرص عقارية خارجها، بما في ذلك السوق السعودية، وهو تحول يحمل دلالة رمزية قبل أن يكون مجرد نشاط تسويق”.

وأضاف “فحين يجتمع مستثمرون في لندن لمناقشة ضخ أموالهم في الرياض أو جدة أو ’نيوم‘، فإن المسألة لا تعني بالضرورة أن لندن انتهت كوجهة استثمارية، لكنها تعني أن المنافسة أصبحت أكثر جدية.

“اقتصاد الهدايا”

ويقول عجمي “لعقود، كانت لندن تمتلك مزيجاً تصعب منافسته، نظام قانوني راسخ وسيولة مرتفعة وسوق إيجارات ضخمة ومكانة مالية عالمية ومدارس وجامعات مرموقة وبيئة جاذبة لرؤوس الأموال الدولية، وهذه العناصر لم تختفِ. لكن المستثمر اليوم لا يقارن لندن بما كانت عليه في الماضي، بل بما يمكن أن يحصل عليه في مدن وأسواق أخرى”.

ويضيف “هنا يصبح ’اقتصاد الهدايا‘ أكثر من مجرد عنوان طريف، إنه مؤشر على مرحلة انتقالية في سوق كانت تعتمد في السابق على قوتها الذاتية. فعندما تصبح الهدية جزءاً من معادلة البيع، فهذا يعني أن المنافسة لم تعُد وحسب بين مشروع وآخر داخل لندن، بل بين لندن نفسها ومدن أخرى تعرض معدلات نمو أعلى وقواعد استثمارية أكثر وضوحاً ومشاريع ضخمة لا تزال في بداية دورة توسع طويلة”.

ولا يعني ذلك أن رأس المال سيغادر لندن دفعة واحدة، فالمدينة مرت بأزمات مالية وسياسية واقتصادية عدة، واستعادت في كل مرة جزءاً كبيراً من قوتها.

كما أن تراجع الأسعار قد يخلق في حد ذاته فرصاً للمستثمرين الذين يملكون السيولة وينظرون إلى السوق على المدى الطويل.

لكن الفرق هذه المرة هو أن لندن لم تعُد تنافس نفسها،

فالمستثمر الذي كان يسأل سابقاً “أية منطقة في لندن أشتري فيها؟” أصبح يسأل سؤالاً أوسع “هل أشتري في لندن أصلاً؟”.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق سوق العقارات البريطانية أكثر من أية هدية يقدمها مطور لأن المدرسة المجانية والسيارة الكهربائية قد تساعدان في إتمام صفقة، لكنهما لا تستطيعان وحدهما استعادة الثقة بسوق أصبح المستثمر يطالب فيها بعائد أوضح، وكلفة أكثر قابلية للتوقع، وقواعد لا تتغير كلما تغيرت الحاجة إلى سد فجوة في المالية العامة.

ربما لم تفقد لندن مكانتها بعد، لكن من الواضح أن مكانتها لم تعُد أمراً مسلماً به. وبينما يحاول المطورون إغراء المشترين بالهدايا، تبدو العاصمة نفسها أمام اختبار أكبر، هل تستطيع أن تقدم إلى المستثمر سبباً جديداً للبقاء، أم أن “اقتصاد الهدايا” سيصبح مجرد الفصل الأول في قصة انتقال رأس المال إلى وجهات أخرى؟




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى