هل تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي… كيف يحمي المستثمرون أموالهم؟

تتزايد المخاوف من أن يؤدي تضخم تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي والتركيز الكبير للاستثمارات في أسهم التكنولوجيا الأميركية إلى تصحيح حاد قد يمتد إلى الأسواق العالمية.
وبينما يستبعد خبراء تكرار انهيار فقاعة الإنترنت حرفياً، ينصحون المستثمرين بتنويع محافظهم وتقليل أخطار التركز في قطاع واحد.
وأطلق محافظ بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) أندرو بيلي تحذيراً جديداً من الأخطار التي قد تهدد الأسواق المالية العالمية في حال تعرض شركات الذكاء الاصطناعي لانخفاض حاد في قيمتها السوقية، محذراً من أن أي تصحيح كبير قد يتحول إلى موجة بيع واسعة تمتد عبر الحدود.
وأعاد التحذير إلى الواجهة الجدل المتصاعد حول ما إذا كانت أسواق الأسهم الأميركية تشهد فقاعة جديدة تقودها موجة الحماس الهائلة تجاه الذكاء الاصطناعي، على غرار فقاعة شركات الإنترنت التي انفجرت مطلع الألفية.
وفي رسالة وجهها بصفته رئيس مجلس الاستقرار المالي الدولي، أشار بيلي إلى أن ارتفاع تقييمات الأسواق، وزيادة الاقتراض من جانب المستثمرين، وتركيز الاستثمارات في عدد محدود من شركات التكنولوجيا العملاقة، كلها عوامل يمكن أن تضخم آثار أي هبوط مفاجئ في الأسواق.
وحذر من التشابك المالي المتزايد بين شركات تطوير الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا العملاقة التي توفر لها الرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، وهو ما قد يؤدي إلى انتقال الأخطار بسرعة داخل القطاع.
صعود قوي للأسهم الأميركية
وتأتي هذه المخاوف في وقت سجلت الأسهم الأميركية مكاسب قوية خلال العام، فقد ارتفع مؤشر “أس آند بي 500″، أحد أهم مؤشرات الأسهم الأميركية، بنحو 12.3 في المئة منذ بداية العام.
لكن المشكلة، بحسب محللين، تكمن في أن جزءاً كبيراً من قوة السوق يعتمد على عدد محدود من الشركات،
وتشكل شركات التكنولوجيا الأميركية السبع الكبرى، وهي “ألفابت” و”أبل” و”أمازون” و”ميتا” و”مايكروسوفت” و”إن فيديا” و”تيسلا”، نحو 33.8 في المئة من قيمة مؤشر “أس آند بي 500”.
ويعني ذلك أن أداء عدد محدود من الشركات بات قادراً على التأثير بصورة كبيرة في اتجاه السوق الأميركية بأكملها.
وقد استفادت هذه الشركات من طفرة الذكاء الاصطناعي بطرق مختلفة، فبعضها، مثل “إن فيديا”، يوفر الرقائق الإلكترونية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، بينما تستثمر شركات أخرى في مراكز البيانات والحوسبة السحابية وتطوير التطبيقات والخدمات القائمة على هذه التكنولوجيا.
ويراهن المستثمرون على أن الذكاء الاصطناعي سيحدث تحولاً واسعاً في الاقتصاد العالمي، من خلال زيادة الإنتاجية وخفض الكلفة وفتح مجالات جديدة للنمو.
لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً هو: هل تبرر الأرباح المستقبلية المتوقعة التقييمات المرتفعة الحالية؟
هل تتكرر فقاعة الإنترنت؟
يقارن كثير من المستثمرين الوضع الحالي بفقاعة شركات الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية.
في ذلك الوقت، تدفقت استثمارات ضخمة إلى الشركات المرتبطة بالإنترنت، حتى إن كثيراً من الشركات الناشئة حصلت على تقييمات مرتفعة رغم عدم تحقيقها أرباحاً أو امتلاكها نماذج أعمال واضحة.
وارتفع مؤشر “ناسداك”، الذي يضم عدداً كبيراً من شركات التكنولوجيا، بنحو 199 في المئة خلال 27 شهراً، قبل أن يصل إلى ذروته في مارس (آذار) 2000.
لكن الفقاعة انفجرت بعد ذلك، وهبط المؤشر بنحو 78 في المئة بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2002، ولم يتمكن من العودة إلى مستوياته السابقة إلا بعد أكثر من عقد.
ويرى محللون أن هذه التجربة التاريخية تفسر القلق الحالي، خصوصاً مع الارتفاع السريع في أسعار أسهم شركات التكنولوجيا.
وتشير نسبة السعر إلى الأرباح، وهي أحد أهم المقاييس المستخدمة لتقييم الأسهم، إلى أن السوق الأميركية تتداول عند مستويات مرتفعة مقارنة بمتوسطاتها التاريخية.
وفي المقابل، تبدو السوق البريطانية أقل ارتفاعاً من حيث التقييمات، إذ بلغت نسبة السعر إلى الأرباح لمؤشر “فوتسي 100” نحو 15.66 في المئة مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، مقارنة بمتوسط يقارب 19 مرة للسوق الأميركية خلال العقد الماضي.
شركات اليوم مختلفة
لكن رئيس قسم الاستثمار في منصة “بست إنفست” جيسون هولاندز، يرى أن المقارنة مع فقاعة الإنترنت ليست دقيقة بالكامل.
ويقول لصحيفة “الـتايمز” إن تقييمات بعض الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت مرتفعة بصورة يصعب تجاهلها، لكنه لا يعتقد أن الأسواق تشهد نسخة مطابقة لانهيار شركات الإنترنت.
ويرجع ذلك إلى أن الشركات التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم تختلف جذرياً عن كثير من شركات عصر الإنترنت.
فشركات مثل “مايكروسوفت” و”أمازون” و”ألفابت” و”ميتا” و”إن فيديا” تحقق بالفعل إيرادات وأرباحاً ضخمة، وتمتلك موازنات قوية وتدفقات نقدية كبيرة.
وتستخدم منتجاتها وخدماتها على نطاق عالمي واسع، وهذا يختلف عن فترة فقاعة الإنترنت، عندما كانت شركات كثيرة تحصل على تقييمات ضخمة بناء على الوعود المستقبلية فحسب.
لكن وجود شركات قوية ومربحة لا يعني بالضرورة أن أسعار أسهمها لن تتراجع، فالمشكلة الأساسية، بحسب هولاندز، ليست ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح مهماً في المستقبل، بل ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة الحالية ستولد عوائد تجارية كافية لتبرير التقييمات الحالية.
مئات المليارات في البنية التحتية
تشير تقديرات بنك “غولدمان ساكس” إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى التي تقود بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستنفق أكثر من 725 مليار دولار خلال العام الحالي على الاستثمارات الرأسمالية.
وتنفق هذه الشركات مئات المليارات على بناء مراكز بيانات ضخمة وشراء الرقائق الإلكترونية وتطوير البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشكل حجم هذه الاستثمارات أحد أكبر مصادر القلق، فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات ضخمة من الحوسبة والطاقة والرقائق ومراكز البيانات.
لكن تحقيق عوائد مالية من هذه الاستثمارات قد يستغرق أعواماً، إذ تبين أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي أقل من توقعات المستثمرين، فقد تواجه الشركات ضغوطاً كبيرة، ويزداد الخطر بسبب العلاقات المالية المعقدة داخل قطاع التكنولوجيا.
تقييمات الشركات الناشئة
ولا تقتصر المخاوف على الشركات المدرجة في البورصة، فقد ارتفعت أيضاً تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي غير المدرجة إلى مستويات ضخمة.
وتحظى شركات مثل “أوبن أي آي” و”أنثروبيك” بتقييمات تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وسط منافسة قوية بين المستثمرين وشركات التكنولوجيا للسيطرة على سوق الذكاء الاصطناعي.
ويعكس ذلك حجم الرهان العالمي على هذه الصناعة، لكن ارتفاع التقييمات لا يعني بالضرورة أن الشركات ستنجح في تحقيق الأرباح التي يتوقعها المستثمرون، فقد يؤدي أي تباطؤ في نمو الإيرادات أو زيادة كبيرة في الكلفة إلى إعادة تقييم الشركات بصورة حادة.
هل المستثمرون بدأوا القلق؟
تظهر بعض البيانات أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً، فقد سحب المستثمرون نحو 1.1 مليار جنيه إسترليني (1.4 مليار دولار) من صناديق الأسهم خلال يونيو (حزيران) الماضي، وفقاً لبيانات جمعية الاستثمار.
وسجلت الصناديق العالمية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأسهم الأميركية، تدفقات خارجية بلغت 1.47 مليار جنيه إسترليني (1.98 مليار دولار).
لكن صناديق الأسهم في أميركا الشمالية سجلت تدفقات داخلة بنحو 1.02 مليار جنيه إسترليني (1.38 مليار دولار)، مما يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يراهنون على السوق الأميركية.
الشركات القوية ليست محصنة
من جانبه، يرى مدير الأبحاث في شركة إدارة الثروات “كويلتر” بن بارينغر، أن شركات التكنولوجيا الكبرى تتمتع بأسس مالية أقوى بكثير من شركات عصر الإنترنت.
ويقول للصحيفة إن الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي تحقق بالفعل إيرادات ضخمة وتتمتع بميزانيات قوية وقدرة كبيرة على توليد السيولة النقدية.
لكن بارينغر يحذر من أن ذلك لا يمنع التقييمات من الوصول إلى مستويات مرتفعة بصورة مفرطة.
ويضيف أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات النمو القوية التي تتوقعها الأسواق، فالأسعار الحالية للأسهم تعكس بالفعل توقعات متفائلة للغاية في شأن الأرباح المستقبلية.
في حين أن أي خيبة أمل قد تؤدي إلى عمليات بيع واسعة، كما أن خفض أسعار الفائدة قد يقدم دعماً إضافياً لأسهم النمو، لكنه يشير إلى أن الأسواق ربما تكون قد احتسبت بالفعل جزءاً كبيراً من هذه التوقعات.
ولذلك سيتحول اهتمام المستثمرين بصورة متزايدة إلى سؤال واحد: هل تستطيع الشركات تحويل الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي إلى أرباح مستدامة،
ماذا يفعل المستثمر؟
السؤال الأهم بالنسبة إلى المستثمرين هو كيفية حماية أموالهم من احتمال حدوث تصحيح كبير،
وتشكل السوق الأميركية نحو 65 في المئة من إجمال سوق الأسهم العالمية، مما يجعل تجنب الولايات المتحدة أمراً صعباً بالنسبة إلى المستثمرين الدوليين.
لكن الخطر الأكبر لا يتعلق بالاستثمار في أميركا وحدها، بل بالتركيز المفرط في عدد محدود من شركات التكنولوجيا.
وينصح رئيس الأسواق في منصة “أي جي بيل” دان كوتسوورث، المستثمرين بتنويع محافظهم الاستثمارية بين قطاعات مختلفة ومناطق جغرافية متعددة وفئات متنوعة من الأصول.
ويقول إن التنويع يساعد في توزيع الأخطار ويمكن أن يوفر حماية نسبية في حال تعرض قطاع معين لهبوط كبير.
ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على شركات التكنولوجيا وحدها، فالذكاء الاصطناعي يمتد إلى قطاعات العقارات والرعاية الصحية والصناعة والمواد والطاقة.
ولهذا، فإن أي خيبة أمل كبيرة في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى.



