انقطاعات الكهرباء تهدد الموسم السياحي التونسي

انعكست انقطاعات الكهرباء المتكررة طوال الصيف الحالي على أداء قطاع السياحة في تونس وكشفت موجة الحر الشديدة عن هشاشة هذا القطاع الحيوي في الاقتصاد التونسي.
وتتمثل أسباب هذه الأزمة في موجة حر استثنائية، إذ تتجاوز درجات الحرارة المعدلات الموسمية بما يتراوح ما بين 8 و14 درجة مئوية، مع طفرة هائلة في الطلب، إذ يؤدي الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء بنسبة 30 في المئة، وتلجأ الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى قطع التيار، أو ما يُعرف بـ”تخفيف الأحمال”، لتجنب انقطاع شامل للكهرباء.
وتتعرض سمعة تونس كوجهة للاسترخاء والسكينة لتهديد مباشر في ظل المنافسة الدولية، وفي خطوة لافتة، أدرجت كل من ألمانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا أخطار انقطاع التيار الكهربائي ضمن نصائح السفر الرسمية الموجهة للمسافرين إلى تونس.
ويخشى مهنيو القطاع، من أصحاب الفنادق والمطاعم ووكالات الأسفار، من ضغوط منظمي الرحلات السياحية في ظل الاضطرابات المذكورة.
ويطالب منظمو الرحلات الدوليون بتوضيحات، مما يهدد بتقليص برامجهم للمواسم المقبلة، إذ يواجه هؤلاء تزايداً في التعليقات السلبية من العملاء على المنصات المتخصصة.
ويخشى المهنيون أن تؤدي حالة عدم اليقين في شأن استقرار الشبكات إلى دفع الوكالات الأوروبية لخفض برامجها السياحية الخاصة بتونس في المواسم المقبلة.
تأثير الدومينو على إمدادات المياه
وتعاني محطات الضخ التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه انقطاع التيار الكهربائي، مما يؤدي إلى انقطاعات كبيرة في مياه الشرب، مما تسبب في اضطرابات في ظروف الإقامة.
وتواجه دُور الضيافة والفنادق والمطاعم صعوبة في ضمان توفير التكييف وخدمة الإنترنت والمياه، وطاولت هذه المشكلة بصورة خاصة المناطق السياحية التي تشهد إقبالاً كبيراً، على غرار الحمامات وسوسة وجربة.
وأبلغ ممثلو القطاع عن تكبّد خسائر فورية، في حين تهدد الأخطار التي تمس صورة العلامة التجارية الإيرادات المستقبلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً للجامعة التونسية للمطاعم السياحية (هيئة نقابية مستقلة)، تكبدت هذه المنشآت خسائر مبدئية خلال يوليو (تموز) 2026 قُدّرت بنحو 50 ألف دينار (17.2 ألف دولار) لكل منها.
ويُعزى ذلك إلى انقطاع سلسلة التبريد، وتلف كميات كبيرة من المخزون الغذائي، والاضطرار إلى الإغلاق المؤقت في ذروة الموسم السياحي. وتشير الغرفة الوطنية لأصحاب المطاعم إلى أن ما يقارب من سبعة من كل 10 منشآت قد عانت من أضرار مالية مباشرة ناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي.
أما نسبة الـ30 في المئة التي سلمت من هذه الأضرار، فكانت في الغالب منشآت تقع ضمن المناطق الفندقية التي حظيت بحماية خاصة من الشركة التونسية للكهرباء والغاز لضمان استمرار الموسم.
خسائر فورية
ويعاني أصحاب الفنادق من ارتفاع حاد في كلفة التشغيل الفندقي لمواجهة انقطاع التيار الكهربائي وضمان الحد الأدنى من الخدمات، واضطروا إلى تحمل كلفة باهظة للغاية لاستئجار وتزويد المولدات الكهربائية عالية القدرة بالوقود.
وطالبت الجامعة التونسية للمطاعم السياحية الدولة بتسريع التحول الطاقي، وفيما يتعلق بدعم الطاقة الشمسية، يطالب المهنيون بالإفراج الفوري عن المنح المالية عبر “الصندوق الوطني للتحكم في الطاقة”، وذلك بهدف تغطية ما يصل إلى 30 في المئة من كلفة تركيب الألواح الكهروضوئية على أسطح الفنادق والمطاعم الكبرى، إذ تعاني حالياً إجراءات الحصول على ترخيص للتوليد الذاتي للكهرباء وربطها بشبكة الشركة التونسية للكهرباء والغاز من تعقيدات بيروقراطية، لذا تطالب الاتحادات المهنية بتبسيط الإجراءات الإدارية وتسريعها للمشاريع السياحية “الخضراء”، واستحداث قروض مصرفية بأسعار فائدة تفضيلية لتمويل أنظمة تخزين الطاقة (البطاريات).
ويقاسي القطاع من ضعف هيكلي يتمثل في نقص مزمن في الاستثمار في البنية التحتية للطاقة وإجهاد مائي دائم، مما تسبب في تداعيات ذلك على قطاع السياحة والاقتصاد، وفق المحلل الاقتصادي والناشط في القطاع السياحي جمال بن جميع، الذي نبه إلى التأثيرات التشغيلية في المنشآت السياحية، إذ تؤدي انقطاعات التيار الكهربائي إلى عرقلة الأنشطة اليومية للفنادق والمطاعم بصورة حادة، وذلك نتيجةً لانقطاع سلسلة التبريد، حيث تتسبب أعطال أنظمة التكييف والتبريد في تلف الأطعمة داخل المطابخ، مما كبّد أصحاب الفنادق و70 في المئة من أصحاب المطاعم المتضررين خسائر مباشرة.
أيضاً، تشهد شبكات الهاتف المحمول والإنترنت وأجهزة الدفع بالبطاقات أو أجهزة الصراف الآلي أعطالاً متكررة.
أضاف بن جميع أن “التهديد يطاول صورة الوجهة واقتصادها، لا يقتصر الأمر على الجوانب اللوجستية فحسب، بل تتضرر جاذبية تونس السياحية برمتها، مما يهدد الحجوزات المستقبلية بصورة مباشر.
أما مسارات الحلول لقطاع يمثل جزءاً حيوياً من الناتج المحلي الإجمالي التونسي، فتمر عبر اتجاه المهنيين إلى تسريع التحول الطاقي بمؤسساتهم، وذلك من خلال تسريع الاعتماد على الطاقة الشمسية الكهروضوئية بتركيب ألواح شمسية مزودة بأنظمة تخزين عبر البطاريات لضمان استقلالية الفنادق في توفير الطاقة خلال فترات ذروة انقطاع التيار الكهربائي، واعتماد كفاءة صارمة في استهلاك الطاقة باعتماد أجهزة تكييف منخفضة الاستهلاك، كذلك تنفيذ خطط شاملة لحوكمة المياه بالاتجاه إلى رسكلة المياه المستعملة، ثم وضع خطط على المدى المتوسط للتأسيس لوحدات تحلية خاصة بالفنادق في إطار التحول إلى الاقتصاد الأخضر.
واعتبر المتخصص في المجال السياحي محمد الجزيري أن انقطاع الكهرباء والمياه “يشكل أكبر التحديات التشغيلية التي تهدد سمعة المؤسسات الفندقية، حيث يمس مباشرة بما يُعرف في صناعة الضيافة وتجربة الزائر بـ(Guest Experience) وجودة الخدمات المقدمة. وبناء على ذلك، يؤدي الخلل إلى تراجع فوري في معدل رضا السياح بقطع النظر عن جنسياتهم، نتيجة توقف خدمات أساسية مثل التكييف والتبريد والنظافة، وقد تدفع هذه الانقطاعات السياح إلى ترجيح خيار المغادرة المبكرة نحو وجهات أكثر راحة”.
وبخصوص التداعيات الفورية على نسب الحجوزات في أغسطس (آب) الجاري، كشف الجزيري عن أنه “من المؤكد أن القطاع شهد تراجعاً طفيفاً في نسبة الإلغاءات في الفترة الأخيرة، بينما يؤدي أي اضطراب في البنية التحتية خلال ذروة الموسم السياحي سريعاً إلى ضرب الوجهة ولو نسبياً… وفي المقابل، تسجل مداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج ارتفاعاً وتبلغ 11 مليار دينار (3.8 مليار دولار) حتى الـ20 من أغسطس الجاري، وفق مؤشرات البنك المركزي.”
علماً أن قطاع السياحة وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج يمثلان أحد أهم موارد العملات، وكشفت معطيات البنك المركزي التونسي أن موارد السياحة ارتفعت إلى 5.1 مليار دينار (1.75 مليار دولار) إلى حتى 20 من الشهر الجاري، مقارنة بـ4.88 مليار دينار (1.68 مليار دولار) في الفترة نفسها من السنة المنقضية.
إلى ذلك، تتوقع تونس تجاوز عتبة 12 مليون سائح خلال سنة 2026، مسجلةً رقماً قياسياً جديداً، بعد استقبال البلاد نحو 11 مليون زائر في سابقة للقطاع في 2025.



