بناء خوارزميات التداول أصبح في متناول الجميع بـ”وول ستريت”

يشهد عالم الاستثمار تحولاً جديداً مع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي، إذ بدأ عدد متزايد من المستثمرين الأفراد في استخدام نماذج متطورة لبناء أنظمة تداول آلية كانت حتى وقت قريب حكراً على صناديق التحوط العملاقة في وول ستريت.
فبفضل أدوات مثل “كلود” وغيرها من نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان تطوير استراتيجيات تداول معقدة خلال ساعات بدلاً من أشهر من البرمجة والعمل، ما فتح الباب أمام جيل جديد من المتداولين اليوميين الذين يسعون إلى بناء “آلات لصناعة الأموال” قادرة على اتخاذ قرارات استثمارية وتنفيذها بصورة تلقائية.
وعلى رغم الحماس الكبير الذي يحيط بهذه التكنولوجيا، يحذر خبراء الأسواق من أنها قد تعيد رسم ملامح الاستثمار للأفراد، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من تقلبات الأسواق وتضخم خسائر المستثمرين الذين يفرطون في الاعتماد عليها.
وقبل ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان تطوير أنظمة تداول آلية يتطلب خبرات متقدمة في البرمجة والتحليل الكمي، إضافة إلى أشهر طويلة من الاختبارات والمحاكاة، وهي قدرات كانت تتمتع بها صناديق التحوط التي تستثمر مليارات الدولارات في فرق متخصصة من الباحثين وخبراء البيانات.
أما اليوم، فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تسريع عملية تطوير هذه النماذج بصورة كبيرة، من خلال كتابة الأكواد البرمجية، وتحليل البيانات التاريخية، واختبار الاستراتيجيات، واقتراح تعديلات لتحسين الأداء خلال فترة زمنية قصيرة.
وأدى ذلك إلى انخفاض الحواجز التقنية أمام المستثمرين الأفراد، الذين أصبح بإمكانهم بناء أنظمة تداول خاصة بهم دون الحاجة إلى فرق متخصصة أو بنية تحتية ضخمة.
هل تهدد هذه الأدوات صناعة إدارة الأصول؟
يرى مراقبون أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل التحدي الأكبر الذي تواجهه صناعة إدارة الأصول منذ انتشار صناديق المؤشرات منخفضة الكلفة ومنصات التداول المجانية.
فقد اعتمدت شركات إدارة الأموال لعقود على امتلاك أدوات تحليل متقدمة وخوارزميات معقدة للاستفادة من تحركات الأسواق، لكن الذكاء الاصطناعي يتيح الآن للمستثمرين الأفراد الوصول إلى قدرات مشابهة بكلفة محدودة.
كما يتوقع أن يؤدي انتشار هذه التقنيات إلى تسريع نمو التداول اليومي الذي ازدهر منذ جائحة كورونا، مع استمرار المستثمرين الأفراد في البحث عن فرص سريعة في الأسهم والمشتقات المالية والعملات المشفرة وأسواق التوقعات.
كيف تستجيب شركات الوساطة للموجة الجديدة؟
بدأت شركات الوساطة العالمية في توسيع استثماراتها في أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ أطلقت إنترأكتف غروب وروبن هود، ومومو التابعة لشركة فيوتو هولدينغ، إضافة إلى بابليك هولدينغ، مجموعة من الأدوات التي تساعد العملاء في تحليل الأسواق، وربط نماذج الذكاء الاصطناعي بحسابات التداول، وتنفيذ الصفقات بصورة آلية.
كما شهدت السوق ظهور منصات جديدة متخصصة في أتمتة التداول، بينما أكدت شركات وساطة أخرى تقدم واجهات برمجة للتداول أن الطلب على خدماتها ارتفع مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي بين المستثمرين الأفراد.
هل يحقق الذكاء الاصطناعي تكافؤ الفرص في الأسواق؟
يرى مؤيدو هذه التكنولوجيا أنها تمثل خطوة جديدة نحو إتاحة الأدوات الاحترافية لجميع المستثمرين، بعدما كانت مقتصرة على المؤسسات المالية الكبرى، بما يمنح المستثمرين الأفراد قدرة أكبر على تطوير استراتيجيات تعتمد على البيانات والتحليل الكمي.
لكن خبراء يؤكدون أن امتلاك التكنولوجيا وحده لا يكفي لتحقيق أداء متفوق، إذ لا يزال التفوق في الأسواق يعتمد على جودة إدارة المخاطر والانضباط الاستثماري، فضلاً عن قدرة النماذج على التكيف مع الظروف المتغيرة.
ما أبرز المخاطر التي تواجه المستثمرين؟
يحذر متخصصون في التداول الكمي من أن سهولة بناء أنظمة التداول باستخدام الذكاء الاصطناعي قد تمنح المستثمرين انطباعاً مضللاً بأن تحقيق الأرباح أصبح أمراً بسيطاً، في حين أن المؤسسات الاستثمارية الكبرى تنفق سنوات في تطوير أنظمة الرقابة وإدارة المخاطر قبل الاعتماد على التداول الآلي.
ويشير الخبراء إلى أن النماذج قد ترتكب أخطاء نتيجة الاعتماد على بيانات غير دقيقة، أو بسبب ضعف تدريبها، كما أن كثيراً من استراتيجيات التداول لا تكون مهيأة للتعامل مع فترات التقلبات الحادة أو الأسواق الهابطة.
كذلك، فإن قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على تقديم إجابات تبدو واثقة لا تعني بالضرورة أنها صحيحة، وهو ما يجعل المراجعة البشرية المستمرة أمراً ضرورياً قبل الاعتماد عليها في إدارة الأموال.
هل يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي إلى زيادة تقلبات الأسواق؟
يتوقع باحثون في التمويل الكمي أن يؤدي الاستخدام الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي إلى زيادة السيولة في بعض فئات الأصول التي لم تكن تحظى باهتمام المستثمرين الأفراد سابقاً.
لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن اعتماد أعداد كبيرة من المستثمرين على نماذج متشابهة قد يؤدي إلى تنفيذ قرارات متقاربة في التوقيت نفسه، وهو ما قد يفاقم موجات الصعود والهبوط ويزيد من حدة التقلبات.
كما قد تدفع هذه النماذج المستثمرين إلى الدخول في صفقات أكثر تعقيداً، أو إلى المبالغة في المخاطرة إذا لم تصمم ضوابط صارمة لإدارة الخسائر.
إلى أي مدى توسع حضور المستثمرين الأفراد؟
تعكس بيانات السوق اتساع دور المستثمرين الأفراد خلال السنوات الأخيرة، إذ شكلت تداولاتهم أكثر من 20 في المئة من إجمالي تداولات الأسهم الأميركية العام الماضي، مقارنة بنحو 15 في المئة في عام 2019.
وفي سوق عقود الخيارات، ارتفع متوسط التداولات اليومية للمستثمرين الأفراد إلى نحو 36 مليون عقد في بداية العام الحالي، بزيادة تتجاوز 150 في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل ست سنوات، وفق بيانات سي بي أوه آي.
ويرى مسؤولون في شركات الوساطة أن دمج الذكاء الاصطناعي في منصات التداول قد يمثل مرحلة جديدة في تطور الاستثمار الفردي، شبيهة بالأثر الذي أحدثه إلغاء عمولات التداول قبل سنوات، مع تمكين المستثمرين من الاستفادة من الفرص الاستثمارية بصورة أسرع وأكثر كفاءة.
هل يحل الذكاء الاصطناعي محل المستثمر؟
على رغم التطور الكبير الذي حققته هذه الأدوات، فإن المتخصصين يؤكدون أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في حاجة إلى إشراف بشري مستمر، خاصة في ظل تغير أوضاع الأسواق بشكل متواصل.
ويرون أن نجاح النماذج لا يعتمد فقط على قدرتها في بناء استراتيجيات التداول، بل أيضاً على تحديثها باستمرار، ومراجعة نتائجها، وتطوير ضوابط لإدارة المخاطر، بما يحد من الخسائر خلال فترات اضطراب الأسواق.
وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي توسيع حضوره في قطاع الاستثمار، يتوقع محللون أن تشهد السنوات المقبلة منافسة متزايدة بين المستثمرين الأفراد والمؤسسات المالية، في وقت قد تصبح فيه أدوات التداول الذكية جزءاً أساسياً من المشهد الاستثماري العالمي، لكن من دون أن تلغي الحاجة إلى الخبرة البشرية والانضباط في إدارة المخاطر.




