ارتفاع عوائد السندات يهدد المسار الصاعد للأسهم الأميركية

فاجأت وزارة الخزانة السوق يوم الأربعاء عندما كشفت عن خططها لزيادة مشترياتها من الديون القائمة التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً إلى “الضعف في الأقل”، وجاء ذلك بعد أسبوعين فقط من إصدارها تحديثها الفصلي المعتاد في شأن استراتيجية الاقتراض.
يحذر مشاركون في السوق من أن غياب القدرة على التنبؤ باستراتيجية وزارة الخزانة الأميركية لإدارة الديون قد ينذر في نهاية المطاف بارتفاع تكاليف الاقتراض.
ويقول مستثمرون ومحللون في “جي بي مورغان تشيس” و”جيفريز” و”بي جي آي إم” إن المفاجآت، مثل زيادة عمليات إعادة شراء الديون التي أعلنتها وزارة الخزانة بقيادة الوزير سكوت بيسنت هذا الأسبوع، قد تؤدي إلى ارتفاع علاوة الأجل، وهي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون لتعويضهم عن الأخطار المحتملة المرتبطة بالدين الحكومي الأميركي.
وقال توماس سيمونز، كبير الاقتصاديين في “جيفريز”، “لا نعتقد أن من المبالغة القول إن هذا الانقطاع في استراتيجية التواصل يقلل من الصدقية الإجمالية لتوجيهاتهم”، وأضاف أن ذلك “يمثل خروجاً عن استراتيجية وزارة الخزانة الراسخة منذ فترة طويلة، القائمة على إصدار إعلانات منتظمة ويمكن التنبؤ بها”.
هل بدأت عوائد السندات تعكس مخاوف المستثمرين من سياسة الخزانة؟
يتوافق هذا الرأي مع أحدث تحركات السوق، فقد ارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بما يصل إلى سبع نقاط أساس يوم الخميس، ليبلغ 5.27 في المئة، مما عكس لفترة وجيزة الانخفاضات التي أعقبت إعلان اليوم السابق.
وكانت استراتيجية الولايات المتحدة في إدارة الديون، وفق مبدأ “الانتظام والقدرة على التنبؤ”، سمة أساسية لعمليات وزارة الخزانة منذ سبعينيات القرن الماضي. وتقوم الفكرة الأساسية على أن الولايات المتحدة تستفيد أكثر من تجنب مفاجأة المستثمرين، بدلاً من التصرف بطريقة “انتهازية”.
لماذا فاجأت الخزانة الأسواق بزيادة عمليات إعادة شراء الديون؟
فاجأت وزارة الخزانة السوق يوم الأربعاء عندما كشفت عن خططها لزيادة مشترياتها من الديون القائمة التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً إلى “الضعف في الأقل”، وجاء ذلك بعد أسبوعين فقط من إصدارها تحديثها الفصلي المعتاد في شأن استراتيجية الاقتراض.
وعلى رغم أن مثل هذه التحركات قد تحقق فوائد قصيرة الأجل، فإن المستثمرين قد يطالبون بعلاوة أخطار إضافية للاحتفاظ بالدين الأميركي مستقبلاً إذا أصبحوا غير واثقين من توجهات وزارة الخزانة.
ووصفت وزارة الخزانة قرار الأربعاء بأنه إجراء فني يهدف إلى توفير “دعم أكبر للسيولة”، لكن “وول ستريت” فسره باعتباره أحدث محاولة من بيسنت لدفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الانخفاض، وارتفعت أسعار سندات الخزانة، مع تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار تسع نقاط أساس إلى 5.19 في المئة.
هل ساعدت إعادة شراء الديون في خفض كلفة تمويل الحكومة الأميركية؟
جاء إعلان الخزانة قبيل طرح سندات لأجل 20 عاماً، نجحت الولايات المتحدة في بيعها بكلفة تمويل أقل مما كانت ستدفعه لولا إعلان إعادة الشراء.
وأوصى “سيتي غروب” عملاءه بشراء سندات الخزانة لأجل 20 عاماً، معتبراً أن الخطوة تبدو موجهة إلى إبقاء عوائد السندات طويلة الأجل تحت السيطرة.
وبالنسبة إلى غريغ بيترز، الرئيس المشارك للاستثمار في “بي جي آي إم”، فإن تحرك الأربعاء مثل “صفقة رائعة لبيسنت”، إذ حقق وفراً في الكلفة بنحو 200 مليون دولار في ذلك المزاد.
لكنه أشار إلى أن قدرة وزارة الخزانة الأميركية على التنبؤ بتحركاتها على مر السنين ساعدت البلاد في تحقيق تكاليف اقتراض أقل، مقارنة بحكومات تميل استراتيجيات إصدارها للديون إلى تغييرات مفاجئة.
هل يمكن أن تنقلب استراتيجية “الانتظام والقدرة على التنبؤ” ضد سوق السندات؟
قال بيترز، وهو عضو في اللجنة الاستشارية للاقتراض التابعة لوزارة الخزانة، “السؤال هنا هو: هل يؤدي تغيير ديناميكيات عمليات إعادة الشراء أو مبدأ “الانتظام والقدرة على التنبؤ” إلى تأثير معاكس، بحيث يبدأ الطرف الطويل من منحنى العائد في الانفصال، ولا يعود منحنى العائد الأميركي يحظى بميزة الشك لمصلحته؟”.
وأضاف “إنه سؤال مفتوح، لا نعرف الإجابة، لكن هذه هي الأخطار المطروحة على الطاولة من وجهة نظري”.
هل تمثل عمليات إعادة الشراء استثناء محدوداً من سياسة الخزانة التقليدية؟
مع ذلك، فإن الإعلان المفاجئ يتعلق فقط بعمليات إعادة شراء السندات، وهي أداة أعادت وزارة الخزانة العمل بها في عام 2024، كما أن السوابق المتعلقة بالتواصل في شأن هذه العمليات ليست راسخة بالقدر نفسه الذي تتمتع به مزادات السندات.
كما أن الجدل ليس جديداً، فعلى نحو لافت أثار قرار وزارة الخزانة المفاجئ في عام 2001 تعليق مبيعات السندات لأجل 30 عاماً انتقادات بحق بيتر فيشر، الذي كان حينها وكيل وزارة الخزانة للشؤون المالية المحلية.
وقال فيشر من جانبه إن التزام وزارة الخزانة بجدول مزادات “منتظم ويمكن التنبؤ به”، لم يعن قط أن إدارة الديون “ثابتة وغير قابلة للتغيير”.
هل التزمت الولايات المتحدة تاريخياً بالابتعاد من الاقتراض الانتهازي؟
منذ ذلك الحين، دفع التزام وزارة الخزانة بالقدرة على التنبؤ خارج أوقات الأزمات إلى رفضها اتباع اتجاهات وزارات مالية أخرى سعت إلى خفض تكاليف التمويل.
فعلى سبيل المثال، في وقت أصدرت فيه بعض الدول ديوناً طويلة تستحق بعد ما يصل إلى قرن، عندما كانت أسعار الفائدة تقترب من الصفر، امتنعت الولايات المتحدة من زيادة الاقتراض طويل الأجل بالطريقة نفسها، واكتفت بتمديد متوسط آجال استحقاق ديونها تدريجاً.
هل يفرض تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار ضغوطاً أكبر على الخزانة؟
تجاوز أحد مؤشرات الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار، مما يرفع حجم الأخطار أمام صانعي السياسات الساعين إلى إبقاء تكاليف الاقتراض تحت السيطرة.
وقال نحو 60 في المئة من المشاركين في استطلاع “ماركتس بالس” إن وضع الدين الأميركي سيواصل التدهور، إلى أن يتسبب في أزمة كبرى.
هل تؤدي محاولات خفض عوائد الديون طويلة الأجل إلى حل المشكلة أم معالجة أعراضها؟
في “جي بي مورغان”، يشير فريق بقيادة جاي باري، الرئيس العالمي لاستراتيجية أسعار الفائدة، إلى أن قرار المملكة المتحدة خفض مبيعات السندات طويلة الأجل بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة لم يوفر سوى متنفس موقت.
وبالمثل، يرى البنك أن إعلان الأربعاء لن يكون له سوى “تأثير عابر” في عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل.
وقال باري “هذا يعالج الأعراض فقط وليس السبب الجذري، فالولايات المتحدة لا تزال تسجل عجزاً في الموازنة يعادل ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في اقتصاد يقترب من التوظيف الكامل”.
وأضاف “نخشى أن تنظر الأسواق إلى هذا الإجراء باعتباره يفتقر إلى الصدقية، مما يعني أنه قد يسهم بمرور الوقت في ارتفاع علاوة الأجل والعوائد، إذا أصبحت وزارة الخزانة أكثر انتهازية في نهجها لإدارة الديون، وابتعدت أكثر من مبدأ “الانتظام والقدرة على التنبؤ”.
هل يستطيع ارتفاع عوائد السندات عرقلة صعود الأسهم الأميركية؟
إذا كان المستثمرون المحترفون يشعرون بالقلق من أن ارتفاع عوائد السندات العالمية قد يعرقل السوق الصاعدة للأسهم، فلن يكون من السهل اكتشاف ذلك من خلال الطريقة التي يديرون بها الأموال.
ويظهر أحدث استطلاع أجراه “بنك أوف أميركا” لمديري الصناديق العالميين أن الأسهم تشكل 56 في المئة من محافظهم، وهي أعلى نسبة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.
ويأتي هذا التفاؤل تجاه الأسهم في الوقت الذي يظهر فيه الاستطلاع نفسه أن “الارتفاع غير المنظم في عوائد السندات” يعد ثاني أكبر تهديد لسوق الأسهم، بعد المخاوف من وجود فقاعة في الذكاء الاصطناعي. وفي خطر مرتبط بذلك، اعتبر 25 في المئة من المشاركين أن عودة التضخم إلى الارتفاع تمثل أكبر الأخطار.
هل يمثل ارتفاع العوائد “الفيل في الغرفة” أمام سوق الأسهم؟
قال تايلر ريتشي، محرر النشرة المتخصصة في التحليل الفني “سيفنز ريبورت تيكنيكلز”، إن ارتفاع العوائد يمثل “الفيل في الغرفة” الذي يهدد بإخراج سوق الأسهم عن مسارها الصاعد، بعدما واجهت السوق صعوبة في البقاء قرب مستوياتها القياسية التي بلغتها خلال العام الماضي.
ومع ذلك، وبينما يراقب الاستراتيجيون في “وول ستريت” ارتفاع العوائد ببعض القلق، فإنهم يخلصون في معظمهم إلى أنها لم ترتفع بما يكفي حتى الآن لعرقلة النظرة الإيجابية للأسهم، فالتاريخ يظهر أن الارتفاعات المفاجئة في العوائد لا تمثل دائماً عاملاً سلبياً للسوق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل لا تزال الأسهم قادرة على مواصلة الصعود على رغم ارتفاع العوائد؟
قال جي سي أوهارا، كبير الاستراتيجيين الفنيين في “روث كابيتال بارتنرز”، “ينبغي أن تكون متفائلاً، أو في الأقل انتهازياً، في هذه المرحلة” من سوق الأسهم، التي تتداول قرب مستويات قياسية على رغم ارتفاع العوائد.
وأضاف أن شهية المخاطرة تتحسن بفضل مزيج من “توقعات أقوى للأرباح، وآفاق اقتصادية أفضل، وتركيز أقل على التوترات في الشرق الأوسط”، مشيراً إلى أن العوائد المستقبلية لمؤشر “ستاندرد آند بورز 500” تميل إلى القوة عندما تتحسن شهية المخاطرة.
هل أصبح منحنى العائد هو المؤشر الأهم لسوق الأسهم؟
يرى محللون في سوق الأسهم أن منحنى العائد، أو الفارق بين أسعار الفائدة على سندات الخزانة قصيرة الأجل وطويلة الأجل، هو ما يستحق المتابعة. وكتب إد كليسولد، كبير الاستراتيجيين الأميركيين في “نيد ديفيس ريسيرش”، في مذكرة للعملاء يوم الثلاثاء، أن سوق الأسهم تستفيد حالياً من “النقطة المثالية” على منحنى العائد.
ويبلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات حالياً نحو 49 نقطة أساس أعلى من عائد السندات لأجل عامين.
ووصف كليسولد منحنى العائد الذي “يميل إلى الصعود بصورة معتدلة”، بحيث يكون عائد السندات لأجل 10 سنوات أعلى بما يصل إلى 1.5 نقطة مئوية من عائد السندات لأجل عامين، بأنه يوفر بعضاً من أكبر المكاسب وأكثرها استمرارية لمؤشر “ستاندرد آند بورز 500”.
وفي هذا النطاق، يحقق المؤشر متوسط عائد سنوي يبلغ نحو 11 في المئة، وفقاً لتحليل “نيد ديفيس ريسيرش” الممتد منذ عام 1976.
عند أي مستوى قد تبدأ أسعار الفائدة في الضغط على الأسهم؟
يقر حتى المتفائلون الحاليون في شأن سوق الأسهم بأن هناك مستوى معيناً قد تبدأ عنده أسعار الفائدة في الضغط على سوق الأسهم، إذا واصلت الارتفاع.
وقالت ليز آن سوندرز، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في “شواب سنتر فور فاينانشال ريسيرش”، “نحن بخير عند هذه المستويات، لكنني أعتقد أن الاقتراب من خمسة في المئة ربما يكون العامل الذي سيهز السوق، على غرار ما حدث في عام 2023”.
وكان مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” قد هبط 10 في المئة بين نهاية يوليو (تموز) وأواخر أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، بالتزامن مع ارتفاع عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات، الذي لامس لفترة وجيزة مستوى خمسة في المئة.
هل تستطيع الأسهم تجاهل ارتفاع عوائد السندات إلى ما لا نهاية؟
يلخص مات مالي، كبير استراتيجيي السوق في “ميلر تاباك”، هذه المعادلة بقوله “تبدأ عوائد السندات في الارتفاع، وتتجاهل سوق الأسهم ذلك، إلى أن تتوقف عن تجاهله”.



