الاقتصاد التونسي يئن تحت وطأة الإجهاد الحراري

لم تعُد موجات الحر مجرد ظاهرة مناخية عابرة، ففي تونس باتت تكشف عن مواطن ضعف عدة تشمل شبكة الكهرباء والإنتاجية الصناعية والقطاع الزراعي والخدمي والقدرة الشرائية. أما الأكثر عرضة للأخطار، فهم أيضاً الأقل قدرة على مواجهة هذه الظاهرة، على غرار المؤسسات الصغرى، إذ أصبحت الحرارة الشديدة تشكل تحدياً اقتصادياً مفروضاً على الاقتصاد التونسي.
عندما يداهم الحر بيئة الإنتاج
بلغ متوسط درجة الحرارة 31.7 درجة مئوية في يوليو (تموز) الماضي، مرتفعاً 3.4 درجة مئوية عن المعدل المعهود، وتراوحت الدرجات القصوى المسجلة في أغسطس (آب) الماضي ما بين 42 و48 درجة مئوية، مما اعتبر استثنائياً.
واتخذت الكلفة المالية للحرارة لدى المؤسسات التونسية أشكالاً متعددة، من بينها انخفاض المردودية واضطرابات الإنتاج والتأخيرات اللوجستية، مما أدى إلى تراجع المردودية، ووردت تباعاً على خلفية اعتماد الشركة التونسية للكهرباء والغاز تقنية القطع الدوري للكهرباء، أو ما يسمى “تخفيف الأحمال”.
وأشار المتخصص في الأخطار البيئية والاقتصادية حازم كريشان إلى أن كل كيلوواط- ساعة مفقود يكلف الاقتصاد التونسي ما بين أربعة دنانير (1.37 دولار) وخمسة دنانير (1.72 دولار)، أي ما يعادل 10 أضعاف السعر الذي تبيع به الشركة التونسية للكهرباء والغاز هذه الطاقة إلى المؤسسات.
وقال “بالإمكان احتساب الخسائر، فنحو 10 أيام من انقطاع التيار لمدة أربع ساعات يومياً تعني خسائر مباشرة تتجاوز 50 مليون دينار (17.24 مليون دولار)، من دون احتساب الأضرار غير المباشرة التي تقدّر بثلاثة أو أربعة أضعاف هذا المبلغ. وهي فاتورة باهظة للغاية بالنسبة إلى بلد لا يمكنه تحمل هدر ثرواته بهذه الطريقة”.
ووفق الاقتصادي حازم كمون، فإن الخسائر في القطاع الصناعي تتجاوز انخفاض الإنتاج، إذ قال “عندما يتعرض مصنع ما لانقطاع في التيار، تتزعزع سلسلة القيمة بأكملها، وتصبح الوظائف المرتبطة به مهددة بالخطر، ومعها يتآكل جزء من السيادة الاقتصادية للبلاد”.
وأضاف “على أرض الواقع، يؤدي حدوث عطل مفاجئ إلى تداعيات متسلسلة تشبه تأثير أحجار الدومينو، إذ تتوقف الآلات فجأة، وأحياناً في منتصف دورة التشغيل، مما يتسبب في تآكل المعدات قبل أوانها وتلف لوحات إلكترونية فائقة الحساسية وباهظة الكلفة. وتصبح المنتجات نصف المصنعة التي داهمها هذا التوقف القسري غير صالحة للاستخدام، ومصيرها التخلص منها، شأنها شأن المواد الخام التي كانت قيد المعالجة”.
وتابع “في غضون ذلك، تظل فرق العمل تتقاضى أجورها على رغم توقفها عن الإنتاج، إذ يقف العمال مكتوفي الأيدي أمام خطوط تجميع صامتة وعاجزة عن العمل. وعند عودة التيار الكهربائي، يتطلب الأمر ساعات من التنظيف وإعادة التشغيل لاستعادة وتيرة العمل الطبيعية. وتتراكم تأخيرات التسليم وتُفرض غرامات مالية، بينما يبدأ العملاء الأجانب الذين ضاقوا ذرعاً بهذه الاضطرابات في البحث عن موردين أكثر موثوقية في أماكن أخرى”.
وأضاف كمون “في محاولة للحد من الخسائر، تلجأ مصانع عدة إلى استخدام المولدات الكهربائية، غير أن هذا الحل الموقت يؤدي إلى تضخم فاتورة الطاقة بصورة هائلة ويلوث الهواء، مما يفاقم الوضع سوءاً”.
وتابع “على سبيل المثال، سجلت إحدى الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع الصناعات الغذائية وحدها خسارة تشغيلية بلغت 120 ألف دينار (41.37 ألف دولار) خلال يوليو الماضي فقط، نتيجة لتوقف العمل المتكرر. وتُضاف إلى ذلك كلفة استئجار مولد كهربائي احتياط التي تصل إلى آلاف الدنانير يومياً، ونفقات الوقود اللازم لتشغيله، ناهيك عن الأعطال الميكانيكية الناجمة عن التوقف المفاجئ وتقلبات الجهد الكهربائي التي ألحقت أضراراً بمعدات كانت خضعت لعمليات صيانة حديثة”.
وأوضح أن “هذه كلفة قد لا تظهر بوضوح في القوائم المالية، لكنها تثقل كاهل السيولة النقدية للمنشآت الصغيرة وتستنزفها على المدى الطويل. ومع ذلك، يظل عنصر عدم القدرة على التنبؤ هو التحدي الأكبر الذي يواجه المستثمرين”.
وقال “الانقطاع المخطط له مسبقاً الذي تُعرف مواعيده، يتيح إعادة تنظيم فرق العمل وتعديل دورات الإنتاج والتحضير المسبق لعمليات التسليم. وفي المقابل، فإن غياب الرؤية تماماً، أي عدم معرفة موعد انقطاع التيار أو مدته، يشل القدرة على اتخاذ أي قرار، إذ يتعذر حينها تخطيط الطلبيات، أو التزام المواعيد النهائية، أو حتى ضمان سلامة المنشآت”.
وأضاف “تُعد حال عدم اليقين هذه بمثابة سم بطيء المفعول، وأشد خطورة بكثير من الأعطال العارضة، فهي تقوّض ثقة الشركاء وتضعف القدرة التنافسية في مجال التصدير، ففي التجارة الدولية تُعتبر الثقة عملة تكتسب بمرور الوقت، لكنها قد تفقد في لمح البصر”.
ضرب القدرة الشرائية في مقتل
وفي ظل هذا الوضع المقلق، أطلق ممثلو أحد أهم القطاعات الغذائية في تونس، وهم منتجو لحوم الدواجن، صيحة فزع. وكشف المتخصص في القطاع كمال العدواني عن نفوق 50 في المئة من القطيع في تونس نتيجة موجة الحر وانقطاعات الكهرباء، واصفاً إياه بأنه من أكثر القطاعات تأثراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترتب على ذلك ارتفاع كبير في أسعار لحوم الدواجن خلال الفترة الأخيرة، إذ قفزت إلى 7.5 دينار (2.5 دولار) لدى المنتج، وتسعة دنانير (3.1 دولار) لدى المستهلك النهائي، مقارنة بـ5.6 دينار (1.9 دولار) في السابق، و4.8 دينار (1.6 دولار) في الصائفة المنقضية.
ويأتي ذلك علاوة على النقص الفادح في الكميات المعروضة في السوق، علماً أن اللحوم البيضاء تشكل 95 في المئة من استهلاك التونسيين من اللحوم، وتمثل الخيار الأول والبديل الرئيس للحوم الحمراء بسبب غلاء أسعارها.
وطالب العدواني بتدخل السلطات لإنقاذ القطاع الذي وفر أكثر من 162 ألف طن عام 2025، باعتماد 75 مليون طير. لكن الواقع الحالي الصادم نتيجة نفوق نصف الطيور، يهدد بالافتقار إلى البيض وصغار الطيور اللازمة للتربية.
واعتبر العدواني أن الأزمة جاءت نتيجة تراكم الأخطاء في معالجة قطاع تربية الدواجن التي نتج منها تراجع عدد المربين من 6 آلاف عام 2010 إلى 600 عام 2025، بعدما أدى دخول القانون الجديد باعتماد كراس الشروط حيز التنفيذ عام 2022، إلى إخراج صغار المربين من المنظومة والتخلي عنهم بدلاً من تأطيرهم، مما فتح المجال أمام كبار الشركات للانفراد بالسوق والتحكم في الأسعار، بخاصة في أوقات الأزمات.
مؤسسات صغرى تحتضر
بالتوازي مع صرخات الناشطين، عبرت منظمات تونسية عن قلقها، على غرار كونفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية، وهي هيئة مستقلة، من تداعيات الانقطاعات المبرمجة للتيار الكهربائي على المؤسسات الاقتصادية، وما يترتب عليها من خسائر مباشرة وغير مباشرة نتيجة توقف الإنتاج وتعطل نسق العمل، فضلاً عن الأضرار التي تلحق بالمعدات والتجهيزات الصناعية والكهربائية والإلكترونية، مما يؤثر سلباً في مردودية المؤسسات ويحد من قدرتها التنافسية ويضعف مناخ الاستثمار.
وحذر رئيس اتحاد المؤسسات الصغرى والمتوسطة وسام بن عمر من وضع هذه المؤسسات التي اضطر بعضها إلى تعليق نشاطه بالكامل تحت تأثير تقلبات التيار الكهربائي وتوقف خطوط الإنتاج وتلف المواد الخام ودفع أجور عن ساعات عمل غير منتجة، فضلاً عن عمليات إعادة التشغيل الطويلة والمكلفة، وانتقد ما وصفه بالغياب التام للرؤية المستقبلية.
ودعت المنظمات إلى استثناء مساحات الإنتاج بأنواعها من انقطاعات الكهرباء، وتقديم تسهيلات وحوافز مالية أكبر للانتقال إلى اعتماد الطاقة البديلة.



