العقارات البريطانية في مواجهة اختبار موازنة أكتوبر

لم يعُد السؤال بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب في العقارات البريطانية ما إذا كانت لندن ستظل سوقاً جذابة وحسب، بل ما إذا كانت كلفة الاحتفاظ بالعقار أو بيعه ستتغير بعد موازنة الحكومة في الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب، بخاصة الخليجيين الذين ينظر كثير منهم إلى لندن منذ عقود على أنها سوق عالمية لحفظ الثروة وتنويع الأصول، إضافة إلى عوامل التعليم والإقامة والسياحة والعلاج.
لكن سلسلة التغييرات الضريبية الأخيرة، من إلغاء نظام “غير المقيمين” إلى زيادة رسوم الدمغة على المنازل الثانية، إلى المخاوف من ضرائب جديدة على الثروة وأرباح رأس المال، جعلت حسابات المستثمر الأجنبي أكثر تعقيداً.
وتظهر بيانات “نايت فرانك” أن لندن تواجه اليوم منافسة متزايدة من مدن عالمية أخرى، ففي الربع الأخير من العام الماضي سجلت لندن 35 صفقة فقط تزيد قيمة كل منها على 10 ملايين دولار، وهو رقم متواضع مقارنة بمدن عالمية أخرى.
لكن الصورة ليست باتجاه واحد، إذ أظهرت بيانات “رايت موف” أن طلب المشترين في بريطانيا ارتفع خمسة في المئة خلال الأسبوع الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري، مقارنة بمتوسط زيادة بلغ 0.4 في المئة فقط خلال الفترة نفسها في الأعوام الخمسة الماضية. وسجلت لندن أكبر زيادة بين المناطق، بلغت تسعة في المئة، في مؤشر إلى أن بعض المشترين يعودون للسوق قبل نهاية العام.
وفي هذا المشهد، رأى المستثمر والمحلل الاقتصادي في الشؤون العقارية بالمملكة المتحدة محمد أحمد عجمي أن المستثمرين وملاك العقارات لا يملكون رفاهية انتظار وضوح كامل في شأن السياسة الضريبية، خصوصاً إذا كانت لديهم صفقات بيع كبيرة أو رؤوس أموال معرضة لتغيرات محتملة في الضرائب.
عجمي، أجاب عن أسئلة أصبحت تؤرق المستثمرين والملاك، بدءاً من الأخطار الضريبية المحتملة في موازنة أكتوبر المقبل، إلى توقيت البيع والشراء، وقدرة المستثمرين على استغلال حال عدم اليقين للتفاوض على الأسعار، وما إذا كانت لندن لا تزال تحتفظ بجاذبيتها التقليدية لدى المستثمرين الأجانب، ولا سيما الخليجيين.
وفي ظل تباين أداء السوق بين لندن والأقاليم البريطانية، وعودة الطلب على الشراء خلال سبتمبر الجاري، تتجه الأنظار إلى الأسابيع التي تسبق الموازنة لمعرفة ما إذا كان المستثمرون سيختارون التحرك قبل اتضاح القرارات الحكومية، أو الانتظار إلى ما بعدها على رغم احتمال تغير كلفة الاستثمار والاحتفاظ بالعقارات.
ما الخطر الضريبي الحقيقي في موازنة أكتوبر؟
قال عجمي “مررت بأربع موازنات بريطانية كان يُقال عن كل واحدة منها إنها ستغير ملامح هذه السوق، ورأيت معظم حال الذعر التي سبقتها تتبخر بحلول نهاية العام. أزمة 2008 والمادة 24 الضريبية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وجائحة كورونا. كل واحدة من هذه المحطات علمتني الدرس نفسه، معظم الضجيج حول أية موازنة هو مسرحية إعلامية، والبند الوحيد الذي يحرك رأس المال فعلاً غالباً ما يكون السطر الهادئ الذي لم ينتبه إليه أحد”. وأضاف “هذا العام، أعتقد بأن ذلك السطر هو ضريبة أرباح رأس المال (Capital Gains Tax)، وهي أخطر مما توحي به معظم التغطيات الإعلامية الحالية”، ورأى عجمي أن الخطر الحقيقي الذي يستحق المتابعة هو مواءمة ضريبة أرباح رأس المال مع ضريبة الدخل، أما الحديث عن ضريبة القيمة الأرضية أو ضريبة القصور المنفصلة أو إصلاح رسوم الدمغة العقارية، فقد استُبعد رسمياً أو لم يكُن مطروحاً أصلاً بصورة جدية.
أما الرسم الإضافي على العقارات التي تتجاوز قيمتها مليوني جنيه استرليني (2.7 مليون دولار)، فقد أُعلن عنه في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 ليدخل حيز التنفيذ في أبريل (نيسان) 2028، ولذلك فهو ليس خبراً جديداً، حتى لو عاد للعناوين الآن. وشدد على ضرورة عدم الخلط بينه والارتفاع المؤكد في ضريبة الدخل على الإيجارات، والمقرر تطبيقه في أبريل 2027، والذي سيرفع الضريبة على دخل الملاك إلى 22 في المئة و 42 في المئة و47 في المئة، أما ضريبة أرباح رأس المال، فهي ضريبة على ما يجنيه من البيع، وهي حالياً 18 في المئة و 24 في المئة على العقارات السكنية، ولا تزال من دون تغيير حتى الآن.
من سيتأثر فعلياً بعد مواءمة ضريبة أرباح رأس المال؟
وفقاً لعجمي، فإن من سيتأثر فعلياً هم الملاك وأصحاب العقارات الثانية لا غير، فالربح الذي يخضع اليوم لضريبة في المئة قد يصل إلى 40 أو 45 في المئة إذا اقتربت المعدلات من شرائح ضريبة الدخل.
أما من يبيع مسكنه الأساس، فهو معفي تماماً من هذه الضريبة، وبالنسبة إلى المستثمرين الأجانب تحديداً، فإن هذا يعني أن أي عقار مملوك بغرض الإيجار أو كمسكن ثانٍ هو المعني المباشر بهذا التغيير، وليس أي استثمار سكني آخر.
لماذا لا يطمئن المستثمر؟
ولفت عجمي إلى أن ضريبة أرباح رأس المال لا تلتزم بالضرورة ببداية السنة الضريبية، قائلاً “شهدنا ذلك في موازنة أكتوبر 2024، عندما أعلنت الحكومة تغييرات في معدلات ضريبة أرباح رأس المال بأثر من يوم الموازنة نفسه، مع ترتيبات لمنع محاولات التعجيل بالصفقات بهدف تجنب التغيير”. وأشار إلى أن ضريبة الدخل تنتظر بداية السنة الضريبية الجديدة، موضحاً أن ضريبة أرباح رأس المال لا تلتزم بهذه القاعدة، والسابقة الأخيرة تقول إنها غالباً لن تلتزم بها، ولهذا فإن أي مستثمر أو مالك لديه صفقة بيع جوهرية على الطاولة يجب أن يتحدث مع مستشاره هذا الأسبوع، لا الشهر المقبل.
هل نسارع في صفقات البيع القائمة؟
وتابع عجمي “إذا كان هناك احتمال حقيقي للمواءمة وكانت قيمة الصفقة كبيرة بما يكفي، فالجواب نعم، لكن القرار يجب أن يُبنى على أرقام الصفقة نفسها وعلى المشورة الضريبية، وليس على الخوف”.
أما بالنسبة إلى المشترين الذين يشترون مسكنهم الأساس وسلسلة الصفقة جاهزة للمضي قدماً، فإن التسرع بدافع القلق من الموازنة قد يكون الطريقة المثلى لتدمير صفقة جيدة، وفق إفادته.
ماذا يخسر المشتري إذا أرجأ بحثه عن عقار؟
وفقاً لعجمي هناك ثلاثة أمور، أولاً، انتعاش سبتمبر الموسمي، وهو الشهر الذي يشهد تاريخاً أفضل عروض العقارات في العام، ويختفي بسرعة في القطاعات محدودة العرض مثل المنازل العائلة القريبة من المدارس الجيدة.
وتظهر بيانات “رايت موف” أن طلب المشترين ارتفع خمسة في المئة خلال الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري، مقابل متوسط تاريخي يبلغ 0.4 في المئة فقط للفترة نفسها. وكانت لندن في مقدمة الأسواق بزيادة بلغت تسعة في المئة.
ثانياً، قوة التفاوض المتاحة حالياً في سوق لندن، وجنوب شرقي إنجلترا، وهذه القوة يمكن أن تتغير إذا عادت الثقة للسوق.
ثالثاً، كلفة الفرصة البديلة، فالأسعار في لندن تراجعت ما بين 1.5-2.5 في المئة سنوياً، وفي جنوب شرقي إنجلترا بنسبة 1.6 في المئة، بينما ارتفعت في شمال غربي إنجلترا بنسبة 4.7 في المئة، وفي شمال شرقها بنسبة 2.7 في المئة.
هل يجب على البائعين طرح عقاراتهم الآن أم الانتظار؟
زاد عجمي أن الأمر يعتمد كلياً على الموقع، فهو يرى أن التعامل مع المملكة المتحدة كسوق واحدة هو الخطأ الأكثر شيوعاً الذي يراه لدى البائعين، وأضاف “في لندن وجنوب شرقي إنجلترا، أميل إلى الطرح الآن واستثمار زخم سبتمبر، أما في الأسواق الإقليمية القوية التي لا تزال تسجل نمواً، فقد يحسن الانتظار السعر النهائي”، واستطرد عجمي قائلاً “أي شخص يبيعك استراتيجية وطنية موحدة للسوق العقارية البريطانية، فهو إما لا يفهم السوق أو يحاول بيعك شيئاً آخر”.
وتؤيد بيانات “هامبتونز” هذا التباين، إذ تتوقع الشركة أن تبقى أسعار العقارات في لندن مستقرة تقريباً خلال 2026، بينما تستمر مناطق ميدلاندز والشمال في تقديم أداء أقوى، مدفوعة بالقدرة الأفضل على تحمل كلفة شراء العقارات والمرونة الاقتصادية.
هل يستطيع المشترون استغلال حال عدم اليقين للتفاوض على سعر أقل؟
أجاب “فقط حيث تدعم البيانات ذلك. ففي لندن وجنوب شرقي إنجلترا، إذ لا تزال السوق أكثر ضعفاً والمعروض أعلى، يكون البائعون أكثر استعداداً للتفاوض وخفوضات الأسعار شائعة”، ونصح عجمي المشترين بضرورة الاستناد إلى أسعار البيع الفعلية الأخيرة لا إلى التكهنات، لكن في المناطق الشمالية وبعض أجزاء اسكتلندا، فالوضع مختلف، فالبائعون أقل استعداداً للتنازل، وقال عجمي إن عدم اليقين وحده لا يشكل قوة تفاوضية إلا إذا دعمته الأرقام المحلية.
هل تتفاعل كل أنحاء البلاد بالطريقة نفسها؟
لا، وهذا التباين هو القصة الأقل تغطية في السوق حالياً، إذ أضاف عجمي “بعد 20 عاماً في هذا المجال، لم أشهد من قبل فجوة إقليمية بهذا الاتساع. أسعار متراجعة وفترات تسويق أطول في لندن وجنوب شرقي إنجلترا، مقابل نمو سنوي يراوح ما بين اثنين وخمسة في المئة في أجزاء من الشمال واسكتلندا والمناطق الوسطى. وأي شخص لا يزال يستشهد برقم وطني موحد لأسعار المساكن لا يصف سوقاً حقيقية، بل معدلاً لا يعيشه أي مشترٍ أو بائعٍ فعلياً”.
ما الذي يجب أن يقود القرار فعلياً؟
تابع عجمي “الحياة أولاً، فتغيير الوظيفة أو أماكن المدارس أو الظروف العائلية لا ينتظر موازنة حكومية. والقدرة على تحمّل كلف التمويل تأتي ثانياً، إذ إن الأولوية هي تثبيت معدل فائدة يمكن الالتزام به، وليس المراهنة على نتيجة ضريبية قد لا تنطبق على المستثمر أصلاً. أما ظروف السوق المحلية فتأتي ثالثاً”. وزاد “بالنسبة إلى الملاك تحديداً، فإن ارتفاع ضريبة الدخل على الإيجار في أبريل 2027 أمر مؤكد، ويجب أن يكون جزءاً من كل نموذج للتدفقات النقدية، بصرف النظر عما سيحدث لضريبة أرباح رأس المال”، وعلق قائلاً “جولة بعد جولة، يظل المستثمرون الرابحون هم الذين يواصلون التحرك، لا الذين ينتظرون وضوحاً كاملاً لن يأتي أبداً”.
ورصدت “نايت فرانك” تحولاً في حركة الثروة العالمية، وقالت إن إصلاحات الضرائب البريطانية، خصوصاً إلغاء نظام “غير المقيمين”، أسهمت في تغيير الطريقة التي يستخدم بها المستثمرون الدوليون لندن، مع زيادة التحركات نحو مراكز أخرى.
هل يجب الشراء الآن أم الانتظار؟
أجاب عجمي، “بالنسبة إلى من يشتري مسكنه الأساس لأسباب حياتية، فإن الشراء الآن هو القرار الصحيح إذا كان العقار والسعر مناسبين”، ويرى أن أخطار فقدان العقار المناسب بسبب انهيار سلسلة الصفقة تفوق بكثير احتمال حدوث تغيير ضريبي قد لا ينطبق عليه أصلاً.
أما الملاك الذين يخرجون من استثمار أو يعيدون توجيه رأس المال، وحيث تكون الأرقام كبيرة بما يكفي، فإن سابقة عام 2024 ترجّح إتمام الصفقة قبل يوم الموازنة، لا بعدها.
أما من يشتري بغرض الاستثمار، فعليه اختبار الصفقة في ظل السيناريو الأصعب، ارتفاع ضريبة الدخل، إضافة إلى احتمال ارتفاع ضريبة أرباح رأس المال، فالشلل الناتج من الخوف الضريبي لم يجنِ أحداً مالاً في هذه السوق يوماً، أما الاستعداد، فقد فعل.



